البحث عن ألوان العرقوب!
من أعجب المفارقات أن بعض المتحمسين للهوية القحطانية يهاجمون - بحق - فكرة التميز السلالي التي يتبناها بعض المنتسبين إلى آل البيت، ويعدونها خروجا على روح الإسلام ومبدأ المساواة بين الناس، ثم لا يلبثون أن يقعون في الخطأ نفسه، ولكن تحت مسميات أخرى مثل "الأقيال" أو العباهلة وغيرها من الدعوات التي تعيد إنتاج العصبية بصورة مختلفة.
فهم يستشهدون بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، ويستشهدون بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في خطبة الوداع: "لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى"، ثم يعودون في حياتهم الاجتماعية إذا ما تقدم شخص للزواج ليبحثوا عن الأصل والفصل، والقبيلة والفخذ، و"ألوان العرقوب"، وكأن قيمة الإنسان تقاس بما ورثه من نسب، لا بما يحمله من خلق وعلم وكفاءة.
والطريف المبكي أن هذه المبادئ تختفي عندما يتقدم شاب لخطبة فتاة من بعض الأسر التي تعتز بانتمائها القبلي أو العدناني أو القحطاني. عندها تبدأ رحلة التحقيق الطويلة: من أي قبيلة؟ ومن أي بطن؟ وهل هو قبيلي أم "قروي" هل هو ابن فقيه ام دوشان ام غير اصل ؟ وهل أسرته من أهل الحرف والمهن؟ وهل هو "ابن ناس" وفق التصنيف الاجتماعي السائد؟ وكأننا ما زلنا نعيش في مجتمع طبقي مغلق، لا في مجتمع يدين بالإسلام الذي جعل الناس سواء أمام الله.
بل إن بعضهم يستدل بأمثال موروثة من قبيل: "العرق دساس"، وكأنها نصوص دينية قطعية، مع أنها ليست آية قرآنية ولا حديثا صحيحا ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإنما جرى توظيفها لترسيخ التمايز الاجتماعي.
وقبل أيام دار بيني وبين أحد هؤلاء نقاش، فقال إن هذه التفرقة الاجتماعية إنما صنعها الأئمة، وأنهم هم الذين حطوا من مكانة بعض المهن، وأن الأسر الهاشمية لا تزوج إلا من الهاشميين.
فقلت له: إن القضية أعقد من اختزالها في جماعة أو أسرة أو مرحلة تاريخية بعينها؛ ففكرة الكفاءة في النسب قال بها عدد من فقهاء المذاهب الإسلامية، وناقشوها في كتبهم، بل توسع بعضهم فيها توسعا كبيرا، حتى اعتبر بعض الشافعية والحنابلة والمالكية النسب من عناصر الكفاءة في الزواج، وذهب بعض فقهاء الشافعية إلى أن غير القرشي ليس كفؤًا للقرشية. كما وردت في بعض كتب الحديث والفقه روايات استند إليها من قال بهذا الرأي، وقد ناقش العلماء أسانيدها واختلفوا في الاحتجاج بها.
ولم يقتصر الأمر على الزواج، بل امتد في بعض مراحل التراث إلى الموقف من أصحاب المهن والحرف. فقد نقل القاضي محمد بن علي الشوكاني في كتابه "أدب الطلب" حيث حرم صراحة تعليم ابناء الحرف وذكر تلك الحرف واضاف اليهم العطارين، وافتى بان على مشايخ العلم طردهم من مجالسهم وحدد أسبابا لذلك التحريم، وذلك بعد ان حقر أصحاب الحرف، وأفتى بطردهم من مجالس العلم، وهي آراء لا تنسجم مع مقاصد الإسلام ولا مع نصوصه القطعية، وإنما تعكس بيئة اجتماعية وثقافية معينة، وليست حكما شرعيا ملزما.
ولو أن مثل هذه الأقوال صدرت عن إمام هاشمي، لقامت الدنيا ولم تقعد عند كثير من دعاة القحطانية، بينما يغضون الطرف عنها إذا وردت في كتب غيرهم. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في نسب بعينه، وإنما في القراءة الانتقائية للتراث.
ومن هنا، فإن انصار الله الحوثيين لم يبتدعوا فكرة الاصطفاء من فراغ، كما أن دعاة العصبية القبلية لم يبتكروا نظرتهم الطبقية من العدم، وإنما الجميع - بدرجات متفاوتة - ينهل من تراث يمني وديني يحتاج إلى مراجعة ونقد وتمحيص، لا إلى تقديس.
إن القرآن الكريم وضع قاعدة حاسمة لا تحتمل التأويل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وجعل معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، لا الدم ولا القبيلة ولا المهنة.
ولذلك فإن الواجب اليوم ليس استبدال عنصرية بعنصرية، ولا مواجهة السلالية بعصبية قحطانية أو عدنانية، وإنما تجاوز الجميع إلى مفهوم المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية التي قررها الإسلام.
إن هذه الظاهرة تستحق دراسة علمية رصينة يشارك فيها علماء الشريعة والاجتماع والتاريخ، لتمييز الثابت من المتغير، والإلهي من البشري، والديني من الاجتماعي، وتنقية الوعي من الرواسب التي كرست الانقسام والتمييز عبر القرون.
كما أن على أصحاب الأقلام الحرة أن يوجهوا جهودهم نحو إحياء السنة الجامعة لا السنة المفرقة، وإبراز النصوص التي تؤسس للمساواة والعدل، لا تلك التي تُستدعى لإحياء العصبيات القديمة.
فلا سلالية باسم الدين، ولا عنصرية باسم القحطانية أو العدنانية، ولا طبقية باسم القبيلة أو المهنة. فكلها صور مختلفة لمرض واحد، لا يعالجه إلا الاحتكام إلى كتاب الله، وما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإعمال العقل في قراءة التراث بعيدًا عن التعصب والانتقائية.



