الثلاثاء 4 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • المحيط الهندي: من توابل البرتغاليين إلى حزام الصين.. صراع القرون على رئة الاقتصاد العالمي

المحيط الهندي: من توابل البرتغاليين إلى حزام الصين.. صراع القرون على رئة الاقتصاد العالمي

يشكل المحيط الهندي المترامي الأطراف مركزاً مهماً في مسار العلاقات الدولية والتنافس بين القوى العالمية منذ الكشوف الجغرافية الأوروبية مطلع القرن السادس عشر الميلادي، نظراً لدوره ومكانته على صعيد النشاط التجاري العالمي بين الشرق والغرب.

 وفي سبيل تلك المكانة المهمة ظل المحيط الهندي مسرحاً واسعاً لحلقة التنافس الدولي طوال القرون التي تلت وصول المستكشفين البرتغاليين إلى مياه الشرق وتحولهم إلى قوة استعمارية جديدة تتحكم بالملاحة في مياهه المترامية وتبني قواعدها العسكرية على سواحله للتحكم بتجارة التوابل المنتجة في الهند ومناطق جنوب شرق آسيا. وشكلت سيطرة البرتغاليين على مياه المحيط الهندي لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الشرق برمته نظراً لعملية التحول الديناميكية التي أحدثها الاحتلال البرتغالي في مياه الشرق من خلال البدء بإعادة رسم خريطة التجارة الدولية في المحيط الهندي وانتهاءً باحتلال أجزاء مهمة وحاكمة، مثل: بناء قاعدة عسكرية ثابتة ودائمة للبرتغاليين في مقاطعة "غوا" الهندية في ساحلها الغربي المطل مباشرة على مياه المحيط المفتوحة، ثم التوجه نحو السواحل العربية المطلة على مياه المحيط الهندي والقيام باحتلال جزيرة سقطرى اليمنية في شمال المحيط الهندي ثم التوجه إلى احتلال جزيرة هرمز في مدخل الخليج العربي، وكانت تلك المناطق تمنح البرتغاليين نقاط قوة وأفضلية حاكمة لإدارة الملاحة في المحيط الهندي.

شكل المحيط الهندي حلقة مهمة في عملية الاتصال التجاري العالمي بعد الثورة الصناعية في أوروبا التي فتحت شهية الدول للبحث عن مصادر أولية للآلة المنتجة، فضلاً عن إيجاد أسواق جديدة لتصريف المنتجات الجديدة والمكدسة في المصانع الأوروبية، وكان الحل الأمثل لبيع تلك المنتجات هو التوجه إلى مياه المحيط الهندي في الشرق وتصريفها في المناطق المطلة عليه إلى جانب نقل سلع الشرق إلى أوروبا، فزادت أهمية مياه المحيط الهندي التجارية إذ عجّ بالعديد من السفن الأوروبية المتنوعة بين التجارة وأساطيل حرب حديثة ومتطورة، وقاد ذلك الاكتظاظ إلى خلق بؤرة تنافس دولية كبيرة بين القوى الأوروبية التي وصلت إلى مياه المحيط الهندي بعد البرتغاليين كالهولنديين والبريطانيين والفرنسيين والإسبان بشكل نادر، وقاد ذلك إلى عملية تحول عميقة في عمليات السيطرة والاستحواذ على الحركة التجارية التي شكلت في بداية الأمر شعاراً لجميع الواصلين إلى مياه المحيط الهندي ثم سرعان ما تبلور ذلك الشعار إلى حلقة من التنافس الشديد بين الدول الأوروبية التي تزاحمت سفنها التجارية والعسكرية في المحيط الهندي.

زادت أهمية المحيط الهندي كبوابة مفتوحة أمام الخليج العربي وحلقة وصل لأوروبا عبر البحر المتوسط والبحر الأحمر بعد افتتاح قناة السويس عام 1869م، فأصبح يمتلك شبكة كبيرة وواسعة لطرق التجارة العالمية المرتبطة بمصالح دول الشرق والغرب، لا سيما بعد النجاح الذي حققه البريطانيون في دحر جميع القوى الأوروبية في مياه المحيط الهندي والاستثمار في ترسيخ وجودهم وأقدامهم بشكل ثابت في مياهه من خلال السيطرة على بعض الجزر في قلب المحيط الهندي مثل "جزيرة دييغو غارسيا" وبعض المستعمرات الأخرى التي وفرت لبريطانيا القدرة على منافسة بقية الدول الأوروبية الأخرى، وهي الخطوة نفسها التي سارت عليها فرنسا في بناء قواعد ثابتة لها في مياه المحيط الهندي، ولا تزال تلك القواعد الفرنسية والبريطانية ثابتة وراسخة بتواجدهم العسكري ونفوذهم إلى اليوم.

وبالنظر إلى مياه المحيط الهندي نجد أن التنافس الدولي على أشده فيه لكن باختلاف قواعد النفوذ والمصالح التي ارتبطت بالقوى الأوروبية في السابق، لأن القوى الفاعلة في مياهه اليوم مختلفة في التوجه والأهداف وفي العمل على تثبيت وجودها في هذا المسطح المائي الهائل المرتبط بشبكة معقدة من الطرق التجارية والمصالح المشتركة بين دول الشرق والغرب التي اختلفت بعد الحرب العالمية الثانية التي أفرزت قوتين عالميتين متنافستين تقودان العالم: قوى الشرق بقيادة الاتحاد السوفيتي وقوى الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ودخل العالم بقيادتهما في أتون حرب باردة بينهما بينما لهيبها اكتوت به دول العالم الثالث التي أصبحت ساحة حامية للتنافس. ولم يكن المحيط الهندي بعيداً عن مجريات التنافس المحموم بين تلك القوى العظمى في العالم، وكانت عدن وميناؤها بعد الاستقلال عن الاحتلال البريطاني عام 1967م مقراً دائماً لأسطول المحيط الهندي السوفيتي، في حين كانت قاعدة "دييغو غارسيا" البريطانية قاعدة متقدمة للأسطول الأمريكي والغربي في المحيط الهندي إلى جانب القواعد الفرنسية المتناثرة في جزر المحيط الذي أصبح خلال فترة الحرب الباردة جزءاً من لعبة التوازن بين القوى العالمية.

زاد اهتمام القوتين الكبرى في العالم بالتواجد الدائم في مياه المحيط الهندي الواسعة، وارتبط ذلك بمبدأ المحافظة على المصالح الاقتصادية والسياسية للقوتين في المنطقة، لا سيما أن المحيط الهندي ارتبط بشبكة تجارة النفط الكبيرة الذي يمر به من مناطق استخراجه في الخليج وإيران، وارتباط ذلك بنفوذ ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي حرصت على تأمين المحيط الهندي لذلك الغرض، في حين حاول الاتحاد السوفيتي التواجد في المحيط الهندي لحماية وجوده السياسي في جنوب اليمن والقرن الإفريقي وتشكيل حالة من الضغط الجيوسياسي المستمر على المصالح الغربية في المحيط الهندي، واستمر ذلك النهج حتى انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، فاختفى تواجده في منطقة المحيط الهندي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية القوة العالمية الوحيدة التي تفردت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في قيادة العالم دون منافس، فعاش العالم في حالة من اختلال التوازن العالمي بعد اختفاء قطب الاتحاد السوفيتي من الساحة العالمية لصالح تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالساحة الدولية طوال العقدين الماضيين.

والسؤال الملح: ما الذي استجد ليكون المحيط الهندي ساحة للتنافس الدولي في ظل نظام القطبية الواحدة وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية؟

بالنظر إلى الظروف السياسية التي يعيشها العالم اليوم وهي بطبيعة الحال مختلفة عن تلك التي عاشها العالم في ظل القطبين، وما استجد على الساحة الدولية اليوم هو ظهور قوة الصين الاقتصادية على المسرح العالمي كعاصمة منفردة للصناعة في العالم، وهذا الثقل جعلها في مواجهة تنافسية حادة مع الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى العالمي، لا سيما مع إعلان "بكين" مشروعها الاقتصادي الكبير "الحزام والطريق" وهو مشروع عملاق رصدت له مبلغ "ألف مليار دولار" لتربط الصين نفسها بمسارين من الطرق المهمة التي تربط فيها آلة الإنتاج مع العالم، الأول: بحري يشكل المحيط الهندي ركيزة أساسية له، والآخر بري من وسط آسيا حتى بريطانيا، وبالتالي فإن المحيط الهندي يعد بمثابة الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد الصيني القائم على الإنتاج، فمن الطبيعي أن تتمركز الولايات المتحدة الأمريكية فيه لخنق تضخم الاقتصاد الصيني على حساب قوتها الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية المهددة بقوة المارد الصيني الذي لا يمكن كبحه إلا من خلال وضع عراقيل تعيق حركة انطلاقه السريع، ويشكل المحيط الهندي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية خطوة متقدمة في مسار كبح الصين وتحجيم نفوذها وقوتها التجارية والاقتصادية مستقبلاً بالتوازي مع منع سيطرة القوى المدعومة من الصين على المضائق البحرية المفتوحة نحو المحيط الهندي حتى لا تستغلها الصين لصالحها على حساب الولايات المتحدة الأمريكية، وتشكل الحرب على إيران مثالاً لتلك التحركات على الأرض التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.