حين تكون الفوضى جيلاً
• وأنا أشاهد اعترافات الشابّين اللذين قاما باغتيال الصحفي محمد عيضه في المكلا، صُعقت من فداحة الجريمة ومن أعمار القتلة.. أحدهما لم يتجاوز عمره 22 عاماً، والآخر في الـ33 عاماً.. أي أن الأول عندما بدأت الفوضى التي اجتاحت اليمن، لم يكن سوى طفل، بالكاد يميز بين اللعبة والبندقية.. والآخر كان حينها مراهقاً.. وتساءلت.. أي طريق طويل ومظلم سار فيه هذا الطفل وذاك المراهق حتى انتهى بهما الأمر داخل خلية اغتيالات؟ وبدلاً من أن يكون الآن جالساً في قاعة الجامعة كطالب أو موظفاً في مكتب حكومي، إذا به الآن يجلس على كرسي التحقيق كقاتل وموظفٍ في خلية حصد الأرواح.. حينها تأملت حكاية جيل يمني لم يولد في الحرب.. إنما الحرب هي التي ولدت فيه.

• هذه ليست حكاية شاب واحد.. إنها حكاية جيل في وطن غابت عنه الدولة.. فتولت الفوضى تربية أبنائه.. تأملوا جيلاً كان في العاشرة من عمره حينما بدأت البلاد تتداعى، وتتشقق الجدران التي كانت تحفظ ما تبقى من هيبة الدولة.. كيف حاله الآن؟! أهو الجيل الذي نطمح أن يبني اليمن بعد كل هذا الخراب؟ لا أعتقد ذلك.. فما إن ينجلي غبار الحرب حتى نجد جيلاً جديداً خُلق من رحم الخراب والفوضى، وسنكتشف أنه لم يكبر.. لقد شاخ قبل أوانه.. جيل لا يعرف معنى الطابور الصباحي.. ولا شرطي المرور.. ولا مكتبة المدرسة.. ولا الرحلات المدرسية.. بل عرف نقاط التفتيش.. وأصوات الرصاص.. وصور القتلى وزراعة العبوات الناسفة.
• ومن مشاهد هذه الكارثة أيضاً.. طفل ربما في العاشرة من عمره جاء حاملاً بندقية أطول منه إلى "مطارح الريان" التي دعا إليها شيخ يُدعى "فدغم" في مأرب ليبايعه على القتال معه.. وبدلاً من أن يعيدوه إلى مدرسته، تداولوا مقطع الفيديو بلغة الفخر والتباهي بالطفل الذي سيصبح قاتلاً أو مقتولاً مع انطلاق الرصاصة الأولى.. هذا الطفل صورة لجيل كامل تربى على أن الخلاف يُحسم بالبندقية، وأن السلاح جزء من الملابس اليومية.
• أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فالكارثة تتجسد أمامنا بشكل أوضح.. أطفال يُساقون كخراف إلى الجبهات وهم يرددون صرخات الموت، ويكبرون على مناهج مشوهة.. محشوة بخطابات الكراهية والطائفية والتحريض والأحقاد وتمجيد الموت والخراب، مقتنعين أن أقصر الطرق إلى الحياة تمر عبر فوهات البنادق.. لقد عاثت الجماعة الحوثية في المناهج التعليمية فساداً، وغسلت أدمغة الصغار، محوّلةً المدارس من منابر للعلم إلى معسكرات لتخريج جيلٍ متخمٍ بالكراهية والحقد، يرى الآخر عدواً يجب محوه، لا أخاً له في البيت، ولا صديقاً في اللعب، ولا شريكاً في الحياة.

• وحتى في تعز، مدينة العلم والتنوع، لم يختلف المشهد كثيراً.. فقاتل الشهيدة افتهان المشجري ربما لم يبلغ العشرين من عمره حينما أصبح قاتلاً وأمسى مقتولاً.. وغيره الكثير من عشرات الشباب من الأعمار نفسها، وقد صاروا أبطالاً لمعارك عبثية، أو أسرى لثقافة "المفصعين" والعنف والاستعراض، حتى أصبح التنمر والإذلال والاعتداء على الآخرين عند بعضهم وسيلة لإثبات الرجولة والفتوة.. وأصبح المسدس على خصر أحدهم لغته الوحيدة للتعريف بنفسه، والبلطجة أسلوبه ليعيش يوماً آخر.
• وإلى جانب من حمل السلاح، هناك جيلٌ آخر اختار طريق الضياع بحثاً عن مخرج.. شباب في عمر الربيع يموتون غرقاً في البحر أو في أحراش غابات التهريب بحثاً عن أمل في بلاد لا يعرفونها ولا تعرفهم.. وآخرون قبلوا بضع مئات من الدولارات ليُزَجّ بهم كمرتزقة في حرب بلادٍ باردة، لا تمنحهم سوى بندقية يقعون خلفها أسرى أو أشلاءً لقذيفة.. ذهبوا إلى سفر مجهول، هرباً من سفر آخر بين المدن ونقاط التفتيش التي تصادر كرامتهم أو تبحث عن أسمائهم في قواميس الشبهات.. فكيف لجيلٍ كامل أن يتحول أقصى أحلامه من تحصيل الشهادات العالية وقراءة الكتب وبناء المستقبل، إلى مجرد محاولة للحفاظ على الحياة ولقمة العيش، أو الحصول على جواز سفر أو طريق تهريب يفرّ به من جحيم معلوم إلى جحيم مجهول؟
• وهكذا، سواء حمل السلاح أو حمل حقيبة الهجرة، يبقى القاسم المشترك واحداً: جيلٌ سُرقت منه طفولته، واستُبيح شبابه، وغُرست في وجدانه بذور الكراهية والتيه والضياع.. إنه ليس سوى قنبلة موقوتة تتشكل في أزقة المدن وأريافها، تتوارى خلف دخان المعارك حقيقتها المرة.. جيلٌ كامل ضاع في العتمة، يحتاج إلى معجزة تنشله من مستنقع الأحقاد وتُعيد إليه إنسانيته وشغفه بالحياة...
فهل يدرك أمراء الفوضى والصراع حجم الجريمة التي ارتكبوها بحق مستقبل هذا البلد؟



