السبت 19 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • حرب اليمن: من حرب مظلوميات إلى حرب بالوكالة

حرب اليمن: من حرب مظلوميات إلى حرب بالوكالة

لأكثر من عقد من الزمن كان السؤال: هل حرب اليمن حرب يمنية بقناعة أم حرب بالوكالة؟ واليوم تغير السؤال، بعد صواريخ ومسيرات الحوثي ومحاولة استهداف مكة، فصار السؤال الجديد: هل تستطيع السعودية الاستمرار في سياستها الناعمة؟

الحرب بدأت يمنية خالصة

وهذه الحرب لم تبدأ في 2015م، والمعروف أن جذورها يمنية رغم أن السلطة في البدايات حاولت أن توظف المذهبية والعمالة للخارج، إلا أن الأمر حينها لم يكن قد تجاوز حدود اليمن، وقد بدأ الحوثي تمرده في صعدة 2004م، ضد نظام صالح، وقاد ذلك التمرد قائد الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، والذي لقي مصرعه إثر إلقاء القبض عليه في أحد كهوف صعدة، وتحدثت الأنباء عن مقتله بيد العميد جواس، الأخ غير الشقيق لوزير دفاع دولة الوحدة الجنوبي هيثم قاسم طاهر.
وبعد ثلاث سنوات ظهر في عدن وأبين والضالع ما يعرف بالحراك الجنوبي، والذي بدأ في العام 2007م، مطالبًا باستعادة الدولة الجنوبية ممثلة بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي توحدت عام 1990م مع الدولة الشمالية ممثلة بالجمهورية العربية اليمنية.
وحرب صعدة التي قادت فيها المليشيات الحوثية 6 حروب ضد الدولة، حولها الرئيس السابق علي عبدالله صالح إلى حرب انتقام، الغرض منها القضاء على الفرقة الأولى مدرع بقيادة علي محسن الأحمر، وإزاحة تكتل الأسرة الأحمرية القبلية والعسكرية من المشهد تمامًا. وهذه القناعات هي التي جعلت الحرب تستمر، وقتلت مئات الآلاف، وهجرت أربعة ملايين من السكان، وتركت 21.6 مليونًا بحاجة للمساعدات الإنسانية الطارئة، وكادت أن تحول هذا البلد المنكوب بالحروب إلى بلد تفتك بسكانه المجاعة وبأطفاله سوء التغذية.
وحقيقة الأمر أن هذه الحرب لا يوجد لها وكيل خارجي يستطيع تجنيد هذا العدد لولا وجود مظالم محلية حقيقية بدأت في صعدة وتبعتها محافظات الجنوب وتهامة وغيرها من المحافظات. أما الآن
فالحرب في اليمن أصبحت حربًا بالوكالة رسميًا. وعند دخول الحوثي صنعاء أعلنت طهران عن العاصمة الرابعة عربيًا تسقط بيد مليشيات موالية لطهران. ومنذ إعلان دول التحالف العربي في مارس 2015م، أصبحت اليمن ساحة تصفية حسابات.
وقد أكدت تقارير رويترز ووكالات غربية مؤخرًا أن التقدم الأخير للحوثيين على ساحل المخا وباب المندب، جاء بتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وبتمويل بأسلحة (صواريخ ومسيرات) ضمن استراتيجية "الضغط على جبهات متعددة" لتهديد الملاحة العالمية.
وبعد 8 سنوات من الحرب في اليمن سعت السعودية للخروج من هذه الحرب عبر هدنة 2022م، وعبر اتفاق بكين مع طهران، وتحولت سياسة السعودية من "عاصفة حزم" إلى سياسة ناعمة متمثلة بوقف الغارات وفتح مطار صنعاء، ومفاوضات مباشرة مع الحوثي في صنعاء بوساطة عمانية، وفي عواصم عربية أخرى.
وبرزت تطورات في الحرب اليمنية، والتطور الأخطر فيها إطلاق مسيّرة باتجاه مكة قبل أسبوع، وهذا التحول الناعم اصطدم يوم الثلاثاء الماضي 15 سبتمبر 2026م بحدث غير مسبوق، إذ أعلنت المملكة العربية السعودية وأعلن التحالف بقيادة عبر ناطقه الرسمي العقيد تركي المالكي، أن الدفاعات الجوية اعترضت ودمرت طائرة مسيرة أطلقها الحوثيون جنوب مكة المكرمة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة.
وقالت وزارة الخارجية السعودية إن هذا "الاعتداء الإرهابي الجبان باتجاه البلد الحرام أرض الرسالة ومهبط الوحي وقبلة المسلمين"، يعد تكرارًا لاستهداف المشاعر المقدسة، واستفزازًا لمشاعر المسلمين في العالم، وهو المحاولة الثانية بعد محاولة إطلاق صاروخ باليستي بتاريخ 27 يوليو 2017م.
ومن جهته، نفى الحوثي رسميًا عبر المتحدث يحيى سريع، وقال: "لا يوجد من اليمن أي خطر على المقدسات"، وقال إن "عملياتنا تستهدف منشآتها النفطية وقواعدها العسكرية -ويقصد بذلك السعودية- وهي بعيدة كل البعد عن المشاعر المقدسة" على حد قول يحيى سريع.
ووصف عضو المكتب السياسي للحوثي حزام الأسد، الاتهام بأنه "كذبة ممجوجة".
وبالنسبة للسعودية فالنفي لم يعد يكفي، ويبرز سؤال بحاجة إلى إجابة صريحة وواضحة، وهذا السؤال هو: هل انتهت السياسة الناعمة التي انتهجتها السعودية في الفترة الماضية مع الحوثي؟ وجاءت الإجابة في بيان المالكي.
وبعد حادثة مكة تغيرت لغة الرياض تمامًا، وتحولت تلك اللغة
من لغة الوساطة إلى لغة الخط الأحمر، فقد قال المتحدث الرسمي للتحالف اللواء تركي المالكي إن "أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن خط أحمر، وإن قيادة القوات المشتركة لن تتردد في اتخاذ الإجراءات اللازمة والرادعة".
ولأول مرة منذ سنوات أطلقت السعودية تحذيرات جوية في جدة والطائف ومكة نفسها بعد أسبوع شهد هجمات بالصواريخ الباليستية والمسيرات أدت لإصابة 13 شخصًا في جنوب السعودية.
والمتتبع للأحداث في المنطقة سيجد أن هناك ربطًا بين ما حدث في الساحل الغربي اليمني ومكة، وسيطرة الحوثي على كامل الساحل الغربي وصولًا إلى باب المندب تهدد صادرات النفط السعودية التي تم تحويل مسارها بعيدًا عن مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية -الإيرانية.
ووصلت الأمور بالحوثي إلى استهداف مكة والسيطرة على باب المندب، وهو ما يعني أن الحوثي لم يعد يهدد حدود السعودية فقط، بل يهدد قلبها الديني وشريانها الاقتصادي.
وخلاصة الكلام هو أن ما قبل 15 سبتمبر ليس كما بعده، إذ كانت السعودية قبل هذا التاريخ مستعدة أن تتعايش مع حكومة حوثية في صنعاء تحكم الشمال مقابل تأمين حدودها، وكانت هذه هي "السياسة الناعمة" للمملكة، لكن محاولة إطلاق المسيرة نحو مكة، حتى لو كانت كذبة كما يقول الحوثي، وحتى لو كانت مسيرة ضلت طريقها كما يقول بعض المحللين، إلا أنها سياسيًا أسقطت السياسة الناعمة المنتهجة من المملكة العربية السعودية، فالأمر مختلف تمامًا، ولأن مكة ليست الرياض ولا أبها، فمكة هي الشرعية الدينية للنظام السعودي أمام حوالي ملياري مسلم. ولا تستطيع أية قيادة سعودية أن تظهر بمظهر المتسامح مع من يتهم بتهديدها.
ولذلك فالمتوقع أن عاصفة الحزم لن تعود بشكلها القديم، ولن تستمر السياسة السعودية الناعمة بشكلها القديم، وستكون المملكة أمام سياسة ردع انتقائي هدفها هدنة في الجبهات اليمنية الداخلية وضربات جوية مركزة وموجعة ضد منصات الصواريخ والمسيرات وضد المواقع الحساسة للحوثي في الحديدة وغيرها كلما اقترب الخطر من مكة أو من موانئ تصدير النفط والمصافي.
والمعروف أن الحرب اليمنية بدأت يمنية، وانتقلت إلى حرب بالوكالة، واليوم دخلت هذه الحرب مرحلة "حرب المقدسات والممرات"، وهي المرحلة الأخطر. وقد تتحول هذه الحرب إلى حرب إقليمية ودولية، وهذا ما لا نتمناه خشية المآلات الكارثية التي ستطال المنطقة لا سمح الله.