الأحد 2 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • مهندسة تبني مجدها الأدبي لبنةً لبنة

مهندسة تبني مجدها الأدبي لبنةً لبنة

مهندسة تبني مجدها الأدبي لبنةً لبنة

في عالم يتزاحم فيه الذكور، وتعلو فيه أصواتهم، لتحبط كل المحاولات الأنثوية للظهور، خرجت امرأة مرموقة لتعيد ترتيب المشهد، لا بالضجيج، بل بالبراعة والفكر المتوقد. دخلت مجالًا مهنيًا يظنّه البعض حكرًا على الرجال، لكنها لم تدخل لتكون استثناءً، بل لتصبح قاعدة جديدة تُعيد تعريف التفوق. كانت خطواتها الأولى في مجال الهندسة كأنها تضع حجرًا على حجر، لبناءٍ ستتربع على قمته يومًا ما.

درست، فتفوقت، وحازت على شهادة الدكتوراه في الهندسة المعمارية، واصبحت أستاذة تدرس في قاعات الجامعات الكبرى.

الإنسان الطموح، المجد المهني لم يكن سقفًا له.

فقد اقتحمت الأستاذة الدكتورة المهندسة نادية الكوكباني، عالم الأدب بجرأة من يعرف أن لديه ما يقوله، وما يستحق أن يُسمع. دخلته لا كمن تبحث عن مكان، بل كمهندسة نصوص تبني كتاباتها كما تُبنى البيوت العتيقة: حجرًا حجرًا، لبنةً لبنة، مستخدمة فن ترابط البِنى كأنها تشيّد نصًا له هندسة خاصة لا يجيدها غيرها.

أصدرت أعمالًا مدهشة، كل إصدار كان كطابق جديد في عمارتها الأدبية، وكل طابق كان ينال جائزة أدبية مرموقة، حتى وصلت إلى جائزة الأديب النوبلي العالمي نجيب محفوظ، فوضع اسمها في مصاف الكبار، وجعلت حضورها الأدبي حقيقة لا يمكن تجاهله.

أمسية الاحتفاء... حين يزداد الضوء بها

أقام لها نادي القصة احتفائية تكريمية بمناسبة حصولها على جائزة نجيب محفوظ العالمية، عن روايتها "هذه ليست حكاية عبده سعيد".

كانت ليلة لا تُنسى، ليلة بدا فيها الأدب كأنه يحتفل بنفسه من خلال هذه المرأة. امتلأت القاعة بفطاحلة الأدب في اليمن، وكلما تحدث أحد الأدباء عنها، كان البهاء يزداد على وجهها، كأن الضوء يتواطأ معها، لا ليعلن عن سعادتها فحسب، بل عن السعادة على وجوه الحاضرين، التي كانت انعكاسًا طبيعيًا لسعادةٍ أكبر كانت تتوهج في ملامحها، وكأنها تقول للعالم:

إن الطريق الذي مشيته لم يكن سهلًا، لكنه كان يستحق كل خطوة.

اللقطة الخالدة... والهمس الذي وصل

كوني محبًّا للتصوير، وقفت في بداية الفعالية، أبحث عن لقطة تحمل روح اللحظة، لا شكلها فقط. وحين التقطت لها صورة بهية، شعرت أن الضوء نفسه ينحاز إليها، وأن العدسة لم تلتقط صورتها فحسب، بل التقطت تاريخًا كاملًا يتلألأ في لحظة واحدة.

همستُ للأستاذ القدير ثابت القوطاري، مدير الفعالية، الذي كان على المنصة بجانب الأستاذة نادية الكوكباني، بأنني سأبيعها تلك اللقطة النادرة. ولم يخطر ببالي أنها سمعت ذلك الهمس، ولم أتوقع أن يصل إليها صوتي الخافت وسط ضجيج الاحتفاء. وفي المساء، حين أرسلت لها الصورة، جاء ردّها مفاجئًا:

"قول لي كم سعر تلك اللقطة".

حاولت أن أغيّر الموضوع، وأن أُظهر أن الأمر كان مجرد دعابة، لكنها أصرت، بإصرار من يعرف قيمة اللحظة وقيمة الصورة التي تحفظها. فطلبتُ منها أحبّ إصداراتها، فأهدتني الإصدار الأقرب إلى قلبها... وكأنها تقول لي بطريقة غير مباشرة:

إن الجمال لا يُشترى بالمال، بل يُهدى لمن يلتقطه بقلبه قبل عدسته.

وهكذا اكتملت الدائرة

امرأة صنعت مجدها بيدها، احتفاء يليق بها، لحظة ضوء تلتقطها عدسة عاشقة للجمال، وهدية أدبية تُغلق المشهد بامتنان رفيع. إنها ليست مجرد قصة، بل لوحة إنسانية كاملة، تُثبت أن المجد حين يُبنى بإخلاص، يلمع في كل مكان، حتى في صورةٍ تُلتقط صدفة، ثم تتحول إلى هدية تحمل روح صاحبها.