عبدالكريم البحلة.. الإبحار مع اللغة واصطياد جواهر الكلم
ربما يكفي أن تجالس عالما ضليعا في اللغة، أو تناقش خبيرا متمكنا في اللسانيات، حتى تكتشف حدود معرفتك، وتدرك مقدار ما بقي أمامك من آفاق لم تطأها في فقه اللغة وعلومها وخصائصها.
قد تتجرأ على الكتابة، وتتطفل على بعض ميادين اللغة، ويقودك فضولك إلى خوض غمارها، فتكتب مقالات، وتصوغ خواطر، وتزينها بمفردات منمقة ومصطلحات حديثة، فتظن أنك أمسكت بناصية البيان، حتى إذا جلست إلى عالم متمكن، ودار بينكما حديث علمي رصين، أدركت أن كثيرا مما حسبته نضجا لم يكن سوى بداية الطريق، وأن المعرفة الحقيقية أكثر تواضعا واتساعا مما نتخيل.

هكذا كان انطباعي وأنا أتحاور مع الأستاذ الدكتور عبدالكريم مصلح أحمد البحلة، أستاذ اللسانيات في جامعة ذمار. فالحديث معه، ولا سيما في قضايا اللغة العربية واللسانيات، متعة معرفية، ووجبة فكرية وثقافية ثرية، تفتح أمام محاوره أبوابا جديدة للتأمل والفهم.
وليس ذلك بغريب على رجل تلقى دراساته العليا في جامعة المستنصرية بالعراق، وحمل معه إرثا علميا راسخا، واطلاعا واسعا على أمهات المصادر في اللغة والفكر والتفسير. ومن الكتب التي كثيرا ما يحيل إليها كتاب (مفاتيح الغيب) للإمام فخر الدين الرازي، بما يمثله من موسوعية في جمع أقوال المفسرين وتحليلها، فضلا عن غيره من المصادر التي يرى أنها تصقل اللغة، وتهذب الفكر، وتنمي أدوات الباحث.
وله آراء علمية رصينة، وطروحات لغوية تقوم على المعرفة والدراية، وتعكس سعة أفقه وغزارة اطلاعه، بما يمنح المتلقي شعورا بأن في الأمة علماء ما زالوا يحملون أمانة المعرفة، ويحفظون تراثها العلمي، مهما اشتدت عوامل العبث أو ادلهمت الخطوب.
ورغم ميله إلى الاقتصاد في الكلام، وربما فرضت عليه ظروفه الصحية قدرا من الصمت، إلا أنه إذا تحدث، تحدث العالم الواثق، واللساني المتمكن، والباحث الذي يجيد الغوص في أعماق النصوص، واصطياد جواهر اللغة والشعر والكلمة.
ومن أبرز مؤلفاته:(ألفاظ الظلمة والنور في القرآن الكريم)، و(ألفاظ السلوك الخلقي في القرآن الكريم) إلى جانب عدد من البحوث العلمية المحكمة في الدراسات القرآنية واللسانية.
ولا يروق له استهلاك الأعمار في الصراعات الهامشية، أو استنزاف الطاقات في قضايا استنفدت أغراضها، بقدر ما يؤمن بما يسميه "إدارة الوعي"، باعتبارها ضرورة حضارية لا غنى عنها في مشروع النهوض.
ويرى أن التقدم الحقيقي يبدأ بتوجيه البوصلة نحو المستقبل، لا بالارتهان للماضي. فالتاريخ، في نظره، مصدر للعبرة، لا ميدانا للإقامة الدائمة. ولذلك يردد أن العودة إلى الماضي بوصفه غاية تمثل تعثرا في مسيرة التقدم، بينما المطلوب أن نستفيد منه لنواصل السير إلى الأمام.
ومن العبارات التي تلخص رؤيته النقدية قوله:" عندما تبالغ في الشيء، فأنت تخفي عكسه." كما يعبر عن فلسفته الأخلاقية بقوله: "هذه دنيا وتمضي، لكن الإيمان بالآخرة يقتضي الحفاظ على المبادئ والقيم".
وقد انتمى في وقت مبكر إلى حزب البعث العربي الاشتراكي تعزز ذلك أثناء دراسته في العراق، بعد تأثره بعدد من المثقفين في محافظة إب خلال المرحلة الثانوية، والتزم آنذاك بالانضباط الحزبي. غير أن انشغاله بالبحث العلمي والعمل الأكاديمي أفسح أمامه أفقا إنسانيا أوسع، تجاوز به ضيق الأيديولوجيا وتعصباتها، لينظر إلى الإنسان من زاوية معرفية رحبة، تستوعب التنوع والاختلاف في الدين والسياسة والفكر.
ويعتقد أن التجربة الحزبية في اليمن لم تبلغ بعد مرحلة النضج الكامل، بسبب استمرار تأثير الولاءات العشائرية والتعصبات الجهوية على كثير من مكوناتها، بما ينعكس على المشهد السياسي برمته.
أما في الوسط الأكاديمي، فيحظى باحترام زملائه وتقديرهم، وله إسهامات علمية مشهودة، فقد أشرف وناقش عددا كبيرا من رسائل الماجستير والدكتوراه تفوق المائة ، وأسهم في تحكيم العديد من البحوث العلمية داخل اليمن وخارجها.
وقد تختلف معه في بعض آرائه، أو تتباين معه في بعض اجتهاداته، لكن ذلك لا ينتقص من مكانته العلمية، ولا من حضوره الأكاديمي. فهو، في تقديري، أستاذ له وزنه، ومرجعية علمية لطلابه ومرتاديه، يتميز برجاحة العقل، ونضج التجربة، وخبرة السنين.
وينظر إلى التاريخ بوصفه مخزونا للعبر والتجارب الإنسانية، ينبغي الإفادة منه دون الارتهان إليه. فهو عنده جذر للهوية والانتماء، لكنه في الوقت ذاته نقطة انطلاق نحو المستقبل، لا قيدا يكبل حركة المجتمع مستندا على القول الشعري " من لم يع التاريخ في صدره، لم يدر حلو العيش من مره.....
ومن وعى التاريخ في صدره...أضاف أعمارا الى عمره..".
ويقرأ الغد بعين المتفائل، وعقل الخبير الذي يؤمن بأن الأمم قادرة على تجاوز أزماتها، وأن المستقبل يظل مفتوحا أمام من يمتلك العلم، ويحافظ على القيم، ويحسن إدارة الوعي.
إنه، بحق، حكيم في تخصصه، وخبير في مجاله، وأحد أبرز الكفاءات الأكاديمية في جامعة ذمار، علما، وإنسانا، وأخلاقا.



