الجمعة 18 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • واحدية الثورة اليمنية: سبتمبر وأكتوبر وعلاقتها بأم الثورات العربية

واحدية الثورة اليمنية: سبتمبر وأكتوبر وعلاقتها بأم الثورات العربية

لم تكن 26 سبتمبر و14 أكتوبر ثورتين منفصلتين. كانتا وجهين لعملة واحدة، وحلقتين في سلسلة واحدة بدأت قبلها بعشر سنوات من القاهرة.

اسمها "واحدية الثورة اليمنية" لأن هدفها كان واحدًا: إسقاط الاستبداد والاستعمار، وبناء يمن حر موحد. وما كان لها أن تقوم لولا أن الوطن العربي كله كان يغلي بثورات رفعت نفس الشعارات.
بدأت الحكاية في 23 يوليو 1952، حين قامت ثورة الضباط الأحرار في مصر. أسقطت الملكية والإقطاع والاحتلال، ونادت ببناء جيش وطني ودولة ديمقراطية وعدالة اجتماعية. لم تكن ثورة مصر وحدها، كانت إعلان ميلاد "العصر الجمهوري" في الوطن العربي. من يومها صار سقوط الأنظمة الملكية حلمًا مشروعًا في كل عاصمة عربية.
وبعد عشر سنوات وصلت الموجة إلى صنعاء. في 26 سبتمبر 1962 قامت الثورة اليمنية في الشمال، لتقتلع نظام الإمامة المتوكلية الذي حكم بالسيف والجهل لألف عام.
رفعت أهدافًا تكاد تكون نسخة من أهداف يوليو: التحرر من الاستبداد، بناء جيش وطني، رفع مستوى الشعب، إقامة حكم ديمقراطي، مع إضافة لمسة يمنية خاصة، وهي "مجتمع مستمد من روح الإسلام"، وهدف "إعادة وحدة اليمن".
مصر الناصرية لم تتأخر، فكان الدم المصري يختلط بالدم اليمني في حصار السبعين يومًا دفاعًا عن الجمهورية.
هنا أثبتت سبتمبر أنها الابنة الشرعية ليوليو، وأن مصير صنعاء مرتبط بمصير القاهرة.
لكن الثورة في اليمن لا تكتمل بنصف وطن. فبعد عام واحد فقط من سبتمبر، انفجرت 14 أكتوبر 1963 في جبال ردفان. لم تكن صدفة.
سبتمبر أعطت الجنوبيين الدرس العملي: إذا سقطت الإمامة فالاستعمار البريطاني أولى بالسقوط.
رفعت أكتوبر راية طرد المحتل من عدن، وبناء دولة وطنية ديمقراطية، وتحقيق الوحدة اليمنية، والتضامن مع الأمة العربية. فإذا كان هدف يوليو الأول هو القضاء على الاستعمار، وإذا كان هدف سبتمبر الخامس هو وحدة اليمن، فقد جاءت أكتوبر لتجمع الهدفين في سطر واحد.
هكذا اكتملت "الواحدية". يوليو أشعلت الفكرة وكسرت الخوف. سبتمبر طبقت الفكرة في الشمال، وكسرت طوق الإمامة. وأكتوبر أكملت الفكرة في الجنوب، وطردت الاستعمار. ثلاث محطات وزمن واحد وهدف واحد: يمن جمهوري موحد في أمة عربية حرة.

التحديات التي واجهتها الثورات الثلاث

رغم وحدة الأهداف، واجهت الثورات العربية عمومًا واليمنية خصوصًا، نفس العقبات التي كادت أن تجهض الحلم.
أول التحديات كان التدخل الخارجي، يوليو واجهت العدوان الثلاثي. سبتمبر تحولت إلى حرب إقليمية بين دعم مصري للجمهورية ودعم سعودي وملكي للإمامة. وأكتوبر واجهت مخابرات بريطانية تحاول إفشالها.
فالثورة التي تريد الاستقلال يريد العالم أن يدفعها للتبعية.
وللأسف دخلت الثورات في معارك بين أجنحتها. في مصر بين القوميين والإسلاميين واليسار، وفي اليمن بين الجمهوريين أنفسهم، وبين المركز والأطراف، وبين الشمال والجنوب لاحقًا. فتحول شعار "الوحدة" أحيانًا إلى سبب للفرقة.
وكان إسقاط النظام أسهل من بناء الدولة. كان المطلوب تحويل شعارات "الجيش الوطني والعدالة والتعليم" إلى مدارس ومستشفيات ومصانع. لكن الحروب والحصار واستنزاف الموارد أجل كثيرًا من الأحلام. فبقيت الثورة في وعي الناس حدثًا تاريخيًا، ولم تتحول بالكامل إلى واقع معيش.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، يعود السؤال نفسه: هل أنجزنا ما قامت من أجله هذه الثورات؟
هل صار لدينا الجيش الوطني الواحد الذي حلمت به يوليو وسبتمبر وأكتوبر؟
هل تحققت العدالة الاجتماعية التي وعدت بها؟
هل صارت الوحدة اليمنية واقعًا لا شعارًا؟
يبدو أن الثورة لم تنتهِ بعد. الثورة ليست تاريخًا نحتفل به، الثورة مشروع نبنيه كل يوم. وطريق البناء مرسوم منذ 1952 و1962 و1963: حرية للإنسان، عدالة للمجتمع، وحدة للوطن.
وسيظل شعارنا: "من يوليو تعلمنا، بسبتمبر بدأنا، بأكتوبر أكملنا، وبأهدافهم سننتصر".