حين يصبح الحزب أقوى من الدولة.. من المشاركة الوطنية إلى مشروع التمكين
ليست المشكلة في أن يكون لحزب سياسي حضور شعبي واسع، أو أن يمتلك قاعدة منظمة، أو أن يدفع بشبابه إلى ميادين القتال دفاعًا عن مدنهم ومجتمعهم، أو أن يقدم أعضاؤه التضحيات في زمن الحرب. فهذه التضحيات لا يمكن إنكارها أو التقليل من قيمتها الإنسانية والوطنية.
المشكلة تبدأ في مكان آخر: عندما تتحول التضحيات إلى رصيد للتنظيم، ويتحول النفوذ داخل مؤسسات الدولة إلى وسيلة لبناء قوة الحزب، بدل أن تتحول قوة الحزب إلى وسيلة لبناء الدولة.
وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أخطر إشكاليات الجماعات العقائدية والتنظيمية في المنطقة، سواء اختلفت مرجعياتها وشعاراتها أم تشابهت: فهي تستطيع أن تعمل داخل المجتمع، وتشارك في مؤسسات الدولة، وتقدم التضحيات، وتمتلك خطابًا وطنيًا قويًا، وفي الوقت نفسه يبقى المشروع التنظيمي حاضرًا في طريقة إدارتها للسلطة والنفوذ.
الإصلاح في اليمن نموذجًا
في اليمن، يمثل التجمع اليمني للإصلاح قوة سياسية واجتماعية شارك أعضاؤها ومناصروها بصورة كبيرة في مقاومة الحوثيين، وخصوصًا في مأرب وتعز. وتشير دراسات عن مأرب إلى انضمام أعداد من أعضاء الإصلاح إلى المقاومة الشعبية ثم إلى تشكيلات الجيش، وتولي بعضهم مواقع قيادية خلال الحرب.
هذه التضحيات ينبغي الاعتراف بها، لكنها لا تلغي السؤال الأهم:
هل أدى هذا الحضور إلى تقوية مؤسسات الدولة باعتبارها مؤسسات لكل اليمنيين، أم أدى في بعض المناطق إلى تقوية نفوذ الحزب داخل تلك المؤسسات؟
في تعز، وثّقت دراسات لمركز صنعاء نفوذًا واسعًا لقوى مرتبطة بالإصلاح داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وتحدثت عن إدماج مقاتلين موالين للحزب في تشكيلات قائمة، وتشكيل وحدات جديدة، ومنح بعض المدنيين رتبًا عسكرية، إضافة إلى تعيين شخصيات محسوبة على الحزب في مواقع قيادية.
وفي مأرب، الصورة أكثر تعقيدًا؛ فقد نشأ تحالف واسع بين القبائل والإصلاح وقوى أخرى لمواجهة الحوثيين، وأسهم ذلك في الدفاع عن المحافظة. وفي الوقت نفسه، وثقت دراسات شكاوى من قوى محلية وسياسية غير إصلاحية بشأن تعيين موالين للحزب في مواقع سياسية وأمنية وإدارية وعسكرية.
ولهذا فإن القضية بالنسبة لي ليست إنكار تضحيات الإصلاح، ولا اتهام كل من ينتمي إليه، وإنما قراءة ما يحدث عندما تتداخل حدود الحزب والجيش والدولة.
التضحية للوطن أم الاستثمار في النفوذ؟
يمكن للحزب أن يقدم آلاف المقاتلين والشهداء، وأن يمتلك إعلامًا قويًا، وأن يتصدر مواجهة خصم مسلح، ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا:
لمن تتراكم نتائج هذه التضحيات؟
إذا كان الشاب يقاتل تحت راية الدولة، فيجب أن يكون الجيش الذي يقاتل فيه جيش الدولة، لا جيش حزب داخل الدولة.
وإذا جرى تجنيد المواطنين، فينبغي أن يتم ذلك وفق قوانين ومعايير المؤسسة العسكرية، لا وفق الولاء السياسي.
وإذا مُنحت الرتب والمناصب، فيجب أن تكون وفق الكفاءة والقانون والمسار العسكري، لا باعتبارها مكافآت على الانتماء أو الولاء.
وإذا تحررت مدينة أو محافظة، فينبغي أن تعود إلى مؤسسات الدولة والمجتمع بكل قواه، لا أن تصبح منطقة نفوذ مغلقة للقوة التي كان لها الدور الأكبر في تحريرها.
فالتضحية لا تمنح أي حزب صك ملكية للدولة.
أخطر أنواع التمكين هو الذي يجري باسم الدولة
الجماعة المسلحة الموجودة خارج مؤسسات الدولة يمكن رؤيتها بوضوح، أما الخطر الأصعب فهو عندما تصبح الحدود بين التنظيم والدولة غير واضحة: مسؤول مدني يتحول إلى قائد عسكري، وكادر حزبي يحصل على رتبة، ومؤسسة رسمية يصبح ولاؤها الفعلي لشبكة سياسية، وإعلام يحول الشخصيات الحزبية إلى رموز وطنية ثم يهمش أو يهاجم كل من يقف خارج المشروع.
عندها قد تبقى لافتة المؤسسة باسم الدولة، لكن السؤال يصبح: لمن تعمل هذه المؤسسة فعليًا؟
وهذه ليست مسألة تخص الإصلاح وحده. اليمن عانى ويعاني من تعدد مراكز القوة والولاءات العسكرية والسياسية؛ وتشير دراسات إلى أن تفكك المؤسسات العسكرية وارتباط تشكيلات مختلفة بقوى سياسية ومحلية وإقليمية أصبح أحد الملامح الرئيسية للحرب اليمنية.
ولذلك فإن رفضنا لهيمنة الحوثيين على مؤسسات الدولة يجب ألا يقودنا إلى قبول النموذج نفسه عندما يأتي من طرف آخر.
لا نستبدل جماعة بجماعة
الخطر الحقيقي على مستقبل اليمن هو أن نخرج من مشروع جماعة تستولي على الدولة لنجد أنفسنا أمام مشاريع أخرى تنتظر حصتها منها.
قد تختلف الشعارات والأيديولوجيات والتحالفات، لكن الدولة تضيع في النهاية إذا أصبحت الوزارات والألوية والأجهزة الأمنية والمحافظات حصص نفوذ بين الجماعات.
الدولة الحديثة لا تحتاج حزبًا يملك جيشًا، ولا جماعة تملك أجهزة أمن، ولا قائدًا عسكريًا يتلقى توجيهه السياسي من تنظيمه.
إنها تحتاج جيشًا واحدًا، وأمنًا واحدًا، وقانونًا واحدًا، ومؤسسات تتسع للإصلاحي والمؤتمري والاشتراكي والناصري والمستقل ولكل مواطن، دون أن تكون ملكًا لأي منهم.
المشكلة ليست في قوة الحزب... بل في ضعف الدولة أمامه
لا أخشى وجود حزب قوي يمتلك جمهورًا وإعلامًا وتنظيمًا واسعًا؛ فهذا أمر طبيعي في السياسة إذا خضع للدستور والقانون والتداول السلمي للسلطة.
ما أخشاه هو حزب يصبح أقوى من الدولة التي يعمل داخلها.
حين يستطيع الحزب أن يؤثر في التعيين العسكري، والتجنيد، والأمن، والإدارة والإعلام، بينما تضعف قدرة المؤسسات على العمل باستقلال عنه، فنحن لم نعد أمام مجرد منافسة سياسية طبيعية، بل أمام مشكلة في بنية الدولة نفسها.
ولا أستطيع أن أجزم بوجود «ساعة صفر» محددة أو خطة سرية للاستيلاء على الحكم دون دليل مباشر. لكن تراكم النفوذ الحزبي داخل المؤسسات العسكرية والأمنية يستحق النقاش والرقابة بذاته، دون الحاجة إلى افتراض نوايا غير موثقة.
والاختبار الحقيقي لأي حزب ليس ما يقوله عندما يكون ضعيفًا، وإنما كيف يتصرف عندما يصبح قويًا:
هل يقبل بشراكة حقيقية مع المختلفين معه؟
هل يقبل بأن يقود المؤسسة شخص لا ينتمي إليه؟
هل يقبل بجيش لا يخضع لنفوذه؟
هل يقبل بتداول السلطة إذا جاءت صناديق الاقتراع بخصمه؟
وهل يستطيع أن يقدم مصلحة الدولة على مصلحة التنظيم عندما تتعارضان؟
هذه هي الأسئلة التي تكشف الفرق بين حزب يريد أن يكون جزءًا من الدولة، وتنظيم يريد أن تصبح الدولة جزءًا من مشروعه.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون معركتنا في اليمن من أجل نقل السلطة من جماعة إلى جماعة، ولا من مشروع تمكين إلى مشروع تمكين آخر.
المعركة الحقيقية هي استعادة الدولة نفسها.
دولة لا يملكها الحوثي، ولا الإصلاح، ولا المؤتمر، ولا الانتقالي، ولا أية جماعة أو حزب أو قبيلة.
دولة يكون فيها الجيش للوطن، والمؤسسة للمواطن، والسلطة وظيفة مؤقتة لا غنيمة دائمة.
فالوطن أكبر من كل الجماعات،
والدولة لا تُبنى لمصلحة حزب.



