من وحي الصورة…
شدتني الصورة أبعد مما أتصور.
ظللت لدقائق أنظر إلى تفاصيلها، وأتذكر آثار أقدامي، والأثر الذي تركته يدي على الجدران التي كنت أمر بجانبها في اليوم مرات. ينعطف شارع 26 سبتمبر بتعز نحو عقبة مفرح، هناك من جانب المصطبة التي كان يقف عليها رجل المرور، جندي الحراسة ليلًا…

ها أنا أجول بنظري يمينًا وشمالًا.
عدت للتو من مقهاية الشباب، التي عملت ضجة كبيرة في تعز، ونلت أنا بسببها علقة، ولا أسوأ، من عمي… فقط لأنني حاولت استعراض مدنيتي. ناديت من ينزل الشاي للزبائن:
يا وليد، واحد دبل نص.
عمي القادم من القرية سحبني من أذني حتى وصلنا إلى بيت المخلافي، الكائن في حارة "العدينة"، وإذ وصلنا قال يخاطب عمه، وقد استغرب ما يرى:
أنا أرسلته لكم من القرية مؤدب، والمدينة علمته قلة الأدب.
طيب، أيش فعل؟
يقول للمقهوي: واحد نص.
وراح جدي لأول مرة يدافع عني، ويحاول أن يشرح مفهوم الطلب، بدون جدوى.
لا تزال أذني تذكرني بما حدث حتى اللحظة…
بخيالي، ها أنا أمر أمام جامع الغفران، وأسمع صوت الشعراني يملأ تعز بصوته، الذي كان يشبه صوت عبد الباسط عبد الصمد. كان عبدالعزيز يسر، والآخر صوته لحن من السماء…
هناك دكان غيلان للخياطة.
أرى شقيقه واقفًا يفصل القماش، وغيلان يخيط أزرار القمصان.
هناك استديو أحمد عمرو، وهناك الحلاق الذي طردني ذات مرة، لأن رأسي ممتلئ ببياض "الصيبان"…
مخبز العبسي، وأرى الكيك الذي كان يسيل له لعابي، فلا أجد في الجيب "بقشة" واحدة، حتى لأشتري بها حبة كيك…
بالمقابل دكان الوعيل، وشعرة، والعطاب هناك، وخيري رضا، طبيب الأسنان، لوحة ترتفع فوق دكان أمين قاسم مغلس..
يذهب بي خيالي اللحظة إلى مخبازات "الشيابنة"، كما كان عبده صبري يسميهن. قال في لحظة، وقد سألته:
هناك من يقول إن تعز لا تقبل، ولم تقبل، الآخرين.
فانفجر غاضبًا: ونحن ماذا كنا نفعل؟؟
وعاد يقول:
لن أنسى ما حييت عندما طردونا من القسم الداخلي.
خرجنا نهيم على وجوهنا في الشوارع، بلا هدف، وبطوننا خاوية، حتى وصلنا إلى أمام المخبازات، فإذا بردمان يصيح:
أنتم من القسم الداخلي؟
بالكاد أجبنا بأصوات خفيضة، بسبب الجوع:
نعم.
قال: تعالوا، اجلسوا هناك، في اليوم ثلاث مرات، على حسابي.
وهكذا فعل أصحاب المخبازات الأخريات.
لن أنسى ذلك أبدًا.
وكلما أنزل إلى تعز، لا بد أن أذهب إلى المكان، وأترحم عليهم.
في الركن منتزه ورزان لعبدالله القدسي، مقابله في الركن النجاشي، الذي كان من فرط حماسه يغلق المقهاية ليلًا، ويقوم بتدريب عماله لينضموا إلى المقاومة، دفاعًا عن الثورة والجمهورية…
هناك دكان إسماعيل عبدالله نعمان.
وبجانبه باب مدرسة ناصر الغربي، قبل أن يهدم المبنى كاملًا.
وبالمقابل المكتبة الصغيرة لعبد الجبار، والذي كان يهددني كلما يراني:
أين حق الدفاتر، وإلا أكلم الشيخ.
بجانبه باب بيت الطيارين، كنت أرى الزريقي داخلًا وخارجًا منه إليه…
كنت أسدد عندما يصلني الريال من عمي عبد الحبيب، يرسله من صنعاء مع سيف عقلان…
هناك الصيدلية تحت حدبة.
وأمامها الزقاق المؤدي إلى مطعم مرجان، وباب الكبير…
وهناك، وآه من هناك، حلاوة اللحجي، وما أدراك ما حلاوة اللحجي! إذ لأول مرة نرى صاحب الحلاوة يقصقصها قطعًا صغيرة، ويخلطها بالهريسة. كانت حكاية ظلت تعز تتحدث عنها طويلًا، ويسيل لعابنا عليها… تتجه الطريق نحو عقبة مفرح…
أتحدث خيالًا عن أجمل الأيام، ستينيات شارع 26 سبتمبر وضفافه، يوم أن كان الحلم يضج في كل الأنحاء…
