محمود الصبيحي.. القائد الذي يحضر حيث تكون المعركة
في زمن تختلط فيه المعارك الوطنية بالحسابات السياسية والمناطقية، تظل قيمة القائد الحقيقي في قدرته على التمييز بين ما هو عابر وما هو مرتبط بمصير الوطن.
الفريق الركن محمود الصبيحي، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، يقدم في حضوره الميداني صورة للقائد الذي يدرك أن رفع معنويات المقاتلين جزء من مسؤولية القيادة، وأن الجندي في الخطوط الأمامية يحتاج إلى من يشاركه لحظة الخطر، لا إلى تعليمات تصله من خلف المكاتب.

وجوده بين المقاتلين في جبهات تعز وباب المندب، وتفقده مواقعهم والاستماع إلى قياداتهم والمرابطين فيها، يحمل رسالة تتجاوز الزيارة العسكرية: أن المعركة لا تدار بالسلاح وحده، وإنما بالثبات والانضباط والثقة بالهدف.
والقائد الذي يعرف طبيعة الميدان يدرك أن لحظات الحرب تختبر الرجال قبل أن تختبر الإمكانات. ففي تلك اللحظات تصبح الكلمة الصادقة، والحضور المسؤول، والقدرة على بث الطمأنينة والاستبشار، عناصر مؤثرة في تماسك المقاتلين واستمرارهم في أداء واجبهم.
قد يختلف الناس مع الصبيحي في السياسة، وقد ينتقدون أداءه أو أداء مجلس القيادة، وهذا حق مشروع في أي مجتمع يسعى إلى بناء دولة تقوم على النقد والمساءلة. لكن تحويل الخلاف السياسي إلى شتائم، أو اختزال الموقف الوطني في الانتماء المناطقي، لا يخدم قضية ولا يبني دولة.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح المعركة الوطنية صغيرة في نظر من ينظر إلى الوطن من نافذة المنطقة.
فتعز ليست قضية أهل تعز وحدهم، وباب المندب ليس شأنًا محليًا لمن يعيش بالقرب منه؛ فالأمن والسيادة وحماية الدولة قضايا تتجاوز الجغرافيا والانتماءات الضيقة.
إن احترام المقاتلين وتقدير من يقف إلى جانبهم لا يعني منح أي قائد حصانة من النقد، بل يعني الفصل بين النقد السياسي المشروع وبين الإساءة التي تهدم قيمة الحوار العام.
والتاريخ لا يحتفظ بالقادة بسبب كثرة ما قالوه، وإنما بما فعلوه في اللحظات الصعبة، وبقدرتهم على تحمل المسؤولية عندما تكون الكلفة مرتفعة.
لهذا فإن حضور الصبيحي في الميدان يستحق أن يُقرأ في سياقه الصحيح: قائد عسكري بين جنوده، يرفع معنوياتهم ويؤكد تماسك الجبهة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توسيع مفهوم الوطن لا إلى تضييقه.
فالمعركة الوطنية لا تُقاس بحجم المنطقة التي تدور فيها، وإنما بحجم القضية التي تمثلها.
ومن لا يرى في الوطن إلا حدود منطقته، سيظل عاجزًا عن رؤية اليمن كما ينبغي أن يكون: وطنًا واحدًا تتعدد فيه المناطق والانتماءات، وتجمعها المواطنة والدولة والمصلحة العامة.



