الأربعاء 22 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الخرافة بين الوظيفة الاجتماعية والتوظيف السياسي(٢)

الخرافة بين الوظيفة الاجتماعية والتوظيف السياسي(٢)

إذا كانت الخرافة قد ولدت في أحضان الجهل الإنساني الأول، فإن استمرارها لم يكن مرهوناً بالجهل وحده، بل بقدرتها الفائقة على التكيف مع تحولات المجتمعات، وإعادة إنتاج نفسها في صور وأشكال مختلفة. فهي لا تموت بانقضاء عصر، ولا تختفي بظهور معرفة جديدة، وإنما تتبدل أدواتها وخطاباتها بما يتلاءم مع البيئة الثقافية والاجتماعية التي تعيش فيها. ولهذا بقيت الخرافة حاضرة، بدرجات متفاوتة، حتى في المجتمعات التي بلغت شأواً متقدماً في العلم والتكنولوجيا، وإن اختلفت صورها ووسائل انتشارها.

ولا تنشأ الخرافة في الفراغ، وإنما تتولد غالباً في البيئات التي يسودها القلق، أو يغيب عنها التفسير العلمي، أو تشتد فيها الأزمات والتحولات الكبرى. ففي مثل هذه الظروف يبحث الإنسان عن إجابات سريعة لما يعجز عن تفسيره، وعن قوة خفية ترد عنه الخوف، أو تمنحه أملاً في الخلاص، فتغدو الخرافة ملاذاً نفسياً قبل أن تكون تصوراً فكرياً.

ومن هنا ارتبطت معظم خرافات الشعوب بحاجاتها الوجودية؛ فهي تارة تعبر عن الرغبة في الانتصار على القهر، وتارة تجسد حلم العدالة، وأخرى تمنح الضعفاء شعوراً معنوياً بالتفوق على الأقوياء. فكثير من الروايات الشعبية لا تعكس الواقع كما هو، وإنما تصوغ الواقع كما تتمنى الجماعة أن يكون، فتنتصر فيها العدالة دائماً، ويهزم الطغيان، وتسقط القوى المتجبرة، حتى وإن لم يتحقق ذلك في الحياة الفعلية. ولهذا يمكن النظر إلى الخرافة بوصفها تعبيراً عن الوعي الجمعي بقدر ما هي تعبير عن العجز الجمعي.

ولعل هذا ما يفسر كثرة الحكايات التي نسجتها الشعوب حول الشخصيات الخارقة، والكرامات، والقوى الغيبية، والمخلص المنتظر، إذ تمثل جميعها محاولة رمزية لتعويض اختلال موازين القوة في الواقع، وبعث الطمأنينة في النفوس، وإشاعة الاعتقاد بأن للكون عدالة خفية ستنتصر في نهاية المطاف.

ولأن الخرافة تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في المخيال الشعبي، فقد أدركت السلطات السياسية والدينية، منذ أقدم العصور، قيمتها في توجيه الرأي العام، وتشكيل الوعي الجمعي، فعملت على توظيفها بما يخدم مصالحها، سواء بإضفاء القداسة على الحكام، أو بإحاطة بعض الشخصيات بهالة من العصمة، أو بتبرير الحروب والصراعات، أو بإضفاء الشرعية على نظم الحكم القائمة. فكلما ازدادت الرواية بعداً عن النقد العقلي، ازدادت قابليتها للتأثير في جمهور يبحث عن الإيمان أكثر مما يبحث عن البرهان.

ومن هنا، فإن العلاقة بين الخرافة والسلطة لم تكن علاقة عابرة، بل علاقة وظيفية في كثير من الأحيان؛ إذ لم يكن الهدف دائماً صناعة الكذب لذاته، وإنما صناعة قناعة عامة، يصبح معها الوهم حقيقة اجتماعية، وتغدو الرواية المؤسطرة جزءاً من الذاكرة الجمعية، مهما افتقرت إلى الدليل التاريخي أو العقلي.

ولا يقتصر هذا التوظيف على المجال السياسي وحده، بل يمتد إلى المجال الديني والاجتماعي أيضاً، حيث استعملت الخرافة لإضفاء المشروعية على بعض الممارسات، أو لتكريس أنماط معينة من التفكير، أو لإخضاع الجماعة لسلطة رمزية تتجاوز سلطة القانون والعقل. وهنا تصبح الخرافة أداة لإنتاج الطاعة بقدر ما هي وسيلة لإنتاج المعنى.

وفي هذا السياق، يلفت عبد الله البردوني النظر إلى جانب مهم من مصادر الخرافة الشعبية، حين يميز بين ما تنتجه العامة وما يصنعه بعض المنتفعين بالدين. فالحكايات المرتبطة بالحياة اليومية، كالخصومات والزراعة والعلاقات الاجتماعية، كثيراً ما تكون من نسج المخيال الشعبي، أما الروايات المتعلقة بالجن، والتمائم، والسحر، ووسائل الشفاء الخارقة، فقد وجد فيها بعض المشعوذين باباً للنفوذ والكسب، فعملوا على إعادة إنتاجها، وإكسابها هالة من القداسة، حتى غدت جزءاً من الموروث الشعبي الذي يتناقله الناس بوصفه حقائق لا تقبل النقاش.

غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل الخرافة نتاج المجتمع، أم أن المجتمع هو الذي يعاد تشكيله من خلالها؟ وهل هي مجرد انعكاس للثقافة السائدة، أم أنها تتحول، مع الزمن، إلى أداة لإعادة إنتاج تلك الثقافة وتوجيهها؟

والراجح أن العلاقة بين الطرفين علاقة جدلية؛ فالمجتمع ينتج خرافاته، ثم تعود تلك الخرافات لتعيد تشكيل وعيه، وتؤثر في نظرته إلى التاريخ، والدين، والسياسة، والعلاقات الاجتماعية، حتى تصبح جزءاً من منظومته الفكرية، يصعب الفكاك منها دون مراجعة نقدية شاملة، قوامها العلم، وإعمال العقل، والتحرر من سلطان الرواية غير الممحصة.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الخرافة مجرد تراث شفهي أو حكايات موروثة، وإنما تتحول إلى بنية ثقافية قادرة على التأثير في صناعة الأحداث، وفي تفسير الوقائع، وفي بناء الصورة الذهنية للأشخاص والجماعات. ولهذا فإن دراسة الخرافة لا تندرج ضمن فضول المعرفة بالماضي، بقدر ما تمثل مدخلاً لفهم الحاضر، واستشراف الكيفية التي يُصنع بها الوعي الجمعي، وتُدار بها كثير من الصراعات الفكرية والسياسية.