الخميس 17 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • جفاف ينبع وتوقف خط شرق غرب بالأرقام

جفاف ينبع وتوقف خط شرق غرب بالأرقام

يأتي تعليق عمليات التحميل في ميناء ينبع في لحظة حساسة للغاية لسوق الطاقة العالمي، إذ لم تعد الأزمة مجرد عطل فني، بل تحولت إلى اختبار لقدرة العالم على تحمل صدمة إمداد مفاجئة.

خط الأنابيب شرق غرب، الذي تعرض للهجوم يوم الخميس، هو شريان الطاقة الأهم في المملكة. يمتد لمسافة 1200 كيلومتر من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وطاقته التصميمية تبلغ حوالي خمسة ملايين برميل يوميًا، ويعمل فعليًا بمتوسط أربعة ملايين برميل يوميًا. هذا الرقم وحده يمثل نحو أربعة بالمائة من الاستهلاك العالمي، البالغ حوالي 103 ملايين برميل يوميًا، وهي نسبة كافية لقلب السوق إذا غابت لأسابيع.
ميناء ينبع نفسه ليس ميناءً عاديًا، فهو المنفذ البديل الذي استثمرت فيه السعودية مليارات الدولارات تحديدًا لتجاوز مضيق هرمز. عبر هذا الميناء، كانت المملكة تصدر ما بين مليون ونصف ومليوني برميل يوميًا إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. اليوم، هذا المنفذ متوقف بالكامل عن التحميل، وأبلغت أرامكو مشترين أوروبيين بإلغاء شحنات نهاية سبتمبر، ومشترٍ آسيوي واحد على الأقل تلقى إخطارًا بتأجيل شحنته دون تحديد موعد جديد.
رد فعل السوق كان فوريًا. يوم الثلاثاء وحده، ارتفع خام برنت بمقدار 3.49 دولارًا ليغلق عند 109.20 دولارًا للبرميل، بينما قفز خام غرب تكساس الوسيط بمقدار 5.08 دولارًا ليصل إلى 106.46 دولارًا. وفي اليوم التالي، الأربعاء، تراجعت الأسعار قليلًا بنحو 93 سنتًا لبرنت إلى 107.82 دولارًا، و97 سنتًا لخام تكساس إلى 104.86 دولارًا، لكنها لا تزال عند أعلى مستوى منذ 19 مايو الماضي. والسبب في هذا التراجع المؤقت هو إعلان أمريكي عن ارتفاع غير متوقع في المخزونات الأمريكية بمقدار 7.1 مليون برميل في أسبوع واحد، مقابل توقعات بانخفاض 1.6 مليون برميل.
الأخطر كان في سوق الشحنات الفورية. فبينما العقود الآجلة تسلم في نوفمبر، الشحنات الفورية تسلم خلال أسابيع، وهنا جن جنون المشترين. قفز خام فورتيس من بحر الشمال، البديل المباشر للنفط السعودي الخفيف في أوروبا، إلى 136.75 دولارًا للبرميل، ليقترب من أعلى مستوى تاريخي له على الإطلاق عند 147.37 دولارًا، الذي سجله في 13 أبريل الماضي بعد حرب إيران. هذا يعني أن المصافي الأوروبية تدفع اليوم علاوة سعرية تتجاوز 25 دولارًا فوق سعر برنت الآجل فقط لتأمين برميل فوري.
كما انخفضت حركة ناقلات السلع عبر مضيق هرمز من متوسط 14 رحلة يوميًا إلى أقل من 10 رحلات في مطلع هذا الأسبوع، ما يعني أن 5 بالمائة من تجارة النفط العالمية، التي تمر عادة عبر المضيق، أصبحت مهددة، بالإضافة إلى الأربعة بالمائة المفقودة من خط شرق غرب.
على الورق، السعودية تصدر نحو 7 إلى 7.2 مليون برميل يوميًا، وإيراداتها النفطية تمثل حوالي 70 بالمائة من إيرادات الدولة. فقدان مليوني برميل من قدرة التصدير عبر ينبع لمدة شهر كامل، بأسعار 109 دولارات، يعني خسائر إيرادات نظرية تبلغ حوالي 6.5 مليار دولار، لكن في الواقع المملكة لن تخسرها بالكامل لأنها تملك حلًا طارئًا. لديها نحو 15 إلى 20 مليون برميل مخزنة في سيدي كرير بمصر وبالقرب من سلطنة عمان، ويمكنها إعادة توجيه شحناتها عبر الخليج العربي، رغم أن ذلك يعيدها لمخاطر هرمز التي كانت تحاول تجنبها.
التكلفة غير المباشرة أكبر. كل يوم تأخير في إصلاح الخط يرفع تكلفة التأمين على الناقلات السعودية بنسبة تقدر بين 15 إلى 20 بالمائة، كما يجبر أرامكو على تقديم خصومات سعرية لتعويض المشترين عن التأخير. وإذا استمر العطل من خمسة إلى ستة أسابيع، كما تقدر بعض المصادر، فإن المخزون المتاح للتصدير قد ينفد خلال أيام قليلة، وفقًا لمشترين تحدثوا لرويترز، مما سيضطر السعودية للسحب من احتياطياتها الداخلية أو خفض الإنتاج مؤقتًا.
العالم يخسر مؤقتًا 4 بالمائة من إمداداته، وأوروبا تدفع 136 دولارًا للبرميل الفوري بدلًا من 107 دولارات للآجل، والسعودية تخاطر بسمعتها كمورد موثوق مقابل تعويض سعري مؤقت. إذا عاد الخط خلال أيام، كما يأمل الأمريكيون، فالأزمة ستبقى مجرد هزة سعرية عابرة. أما إذا امتدت لستة أسابيع، فنحن أمام عجز فعلي قد يدفع برنت إلى 120 دولارًا، ويعيد التضخم العالمي إلى الواجهة من جديد.