محاكمة نجلي صالح في باريس تفتح ملف ثروة العائلة ومصادرها

بدأت، اليوم الاثنين، أمام المحكمة الجنائية في باريس محاكمة أحمد علي عبدالله صالح وخالد علي عبدالله صالح، نجلي الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح، في قضية تتعلق بشبهات غسل أموال يُعتقد أنها متحصلة من اختلاس أموال عامة وفساد في اليمن، في ملف يعيد إلى الواجهة ثروة عائلة الرئيس السابق والأصول اليمنية الموجودة في الخارج.
وتنظر المحكمة، خلال الفترة من 7 إلى 14 سبتمبر، في قضية تعود التحقيقات فيها إلى عام 2019، وتتمحور حول امتلاك نجلي صالح سبع شقق فاخرة في العاصمة الفرنسية، تُقدّر قيمتها الإجمالية بأكثر من 19 مليون يورو، إلى جانب سيارة من طراز «بورشه باناميرا».
وبحسب الصحافة الفرنسية، يواجه المتهمون في القضية اتهامات بصياغتها القانونية تتعلق بـ«غسل أموال ناتجة عن اختلاس أموال عامة وفساد ضمن عصابة منظمة»، وهي تهمة تختلف قانونيًا عن التعبير المتداول عربيًا «الكسب غير المشروع». وينفي أحمد وخالد صالح الاتهامات الموجهة إليهما.
عقارات فاخرة في قلب باريس
تتركز التحقيقات على سبع وحدات عقارية اشتراها أحمد وخالد صالح، أو أشخاص وشركات مرتبطة بهما، في عدد من الأحياء الراقية بالعاصمة الفرنسية.
ومن أبرز هذه الممتلكات شقة في شارع تيلسيت، بالقرب من قوس النصر، قيل إنها اشتريت عام 2010 بنحو 6.5 ملايين يورو، إلى جانب عقارات أخرى في محيط الشانزليزيه وشارعي غاليلي وإينا. وتُقدّر القيمة الإجمالية للعقارات المشمولة بالتحقيق بأكثر من 19 مليون يورو.
ولا تقتصر القضية على ملكية تلك العقارات، إذ يبحث المحققون كذلك في أدوار الأشخاص الذين تولوا إدارتها بين عامي 2005 و2021، وما إذا كانت مهامهم اقتصرت على الإدارة وتحصيل الإيجارات، أم امتدت، وفق فرضية الادعاء، إلى إخفاء المالكين الحقيقيين أو المساعدة في تمرير الأموال.
ويرى الادعاء المالي الفرنسي أن المتهمين في الملف أدوا أدوارًا متفاوتة ضمن منظومة يُشتبه بأنها أتاحت توظيف أو إخفاء أموال يعتقد أنها متحصلة من الفساد واختلاس المال العام.
وتتمثل إحدى أبرز مهام الادعاء خلال المحاكمة في إثبات وجود صلة مباشرة بين الأموال المستخدمة في شراء الممتلكات الفرنسية وبين ثروة تكونت خلال سنوات حكم علي عبدالله صالح.
76 مليون دولار من سويسرا إلى سنغافورة
ولا تتوقف التحقيقات عند حدود فرنسا. فبحسب ما أوردته صحيفة «لوموند» الفرنسية، كشفت التحقيقات عن حركة مالية واسعة عبر حسابات مرتبطة بعائلة صالح.
وأشارت الصحيفة إلى تحقيق للشرطة الفيدرالية السويسرية خلص إلى وجود نحو 76 مليون دولار مرتبطة بعلي عبدالله صالح ومقربين منه في بنك UBS بسويسرا في نهاية عام 2010، قبل تحويل المبلغ بالكامل إلى حساب مصرفي في سنغافورة باسم نجله خالد صالح، بالتزامن تقريبًا مع اندلاع احتجاجات عام 2011 في اليمن.
وتكتسب هذه التحويلات أهمية بالنسبة إلى التحقيق الفرنسي، إذ توسع نطاق القضية من مجرد شراء عقارات في باريس إلى تتبع شبكة من التدفقات المالية العابرة للحدود بين اليمن وسويسرا وسنغافورة وفرنسا.
الدفاع: الأموال ليست مختلسة
في المقابل، يرفض دفاع نجلي صالح الاتهامات، ويتمسك بعدم وجود دليل مادي يثبت أن الأموال المستخدمة في شراء العقارات مصدرها اختلاس المال العام أو الفساد.
ويقول محامياهما، كلارا جيرار-رودريغيز وبيير-أوليفييه سور، إن عائلة صالح لم تُخف ملكيتها للعقارات، وإن امتلاك ثروة كبيرة لا يشكل، في حد ذاته، دليلًا على أن مصدرها غير مشروع.
وبحسب «لوموند»، يقول نجلا صالح إن جانبًا من ثروتهما يعود إلى هدايا تلقياها من قادة دول أخرى، بينها السعودية وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة.
وهنا تتركز واحدة من أهم نقاط النزاع أمام المحكمة: هل يستطيع الادعاء إثبات أن الأموال التي موّلت شراء الممتلكات في فرنسا متحصلة بالفعل من جرائم فساد واختلاس، أم أن الأدلة المقدمة لا تكفي لإثبات الصلة بين الثروة ومصدر غير مشروع؟
ثروة عائلة صالح تحت المجهر
تتجاوز القضية، في تناول الصحافة الفرنسية، حدود النزاع حول عدد من العقارات والحسابات المصرفية، لتعيد فتح ملف الثروة التي تكونت حول نظام علي عبدالله صالح خلال أكثر من ثلاثة عقود من حكم اليمن.
وتربط «لوموند» القضية بتقارير سابقة لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة تناولت ثروة صالح وشبكات النفوذ المحيطة بنظامه، وما أثير من اتهامات بالفساد واستغلال موارد الدولة.
كما يعيد الملف إلى الواجهة العلاقات اليمنية-الفرنسية خلال عهد صالح، إذ تشير الصحيفة إلى العلاقات الوثيقة التي جمعت الرئيس اليمني السابق بالقيادة الفرنسية آنذاك، وإلى الدور الذي لعبه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في دعم اتفاق الغاز اليمني مع شركة «توتال».
ويرى الباحث المتخصص في الشأن اليمني في معهد العلوم السياسية بباريس لوران بونفوا، وفق ما نقلته الصحيفة، أن القضية تسلط الضوء على آليات الفساد التي كانت قائمة في اليمن، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة بشأن مستوى التساهل الفرنسي معها خلال تلك المرحلة، في ظل أولوية ملفات مكافحة الإرهاب والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
أين ستذهب الأموال إذا صودرت؟
لا تتوقف أهمية القضية بالنسبة إلى اليمن عند احتمال إدانة نجلي صالح. ففي حال صدور حكم بالإدانة، قد يقرر القضاء الفرنسي مصادرة العقارات المشمولة بالقضية، إلى جانب أموال أخرى مجمدة.
وبحسب «لوموند»، تشمل الأموال محل الإجراءات نحو 493 ألف يورو في حسابات فرنسية، إضافة إلى قرابة 3 ملايين دولار في حساب مصرفي سويسري.
لكن مصادرة هذه الأصول، إن حدثت، لا تعني بالضرورة تسليمها مباشرة إلى الحكومة اليمنية.
فوفق الآلية الفرنسية الخاصة بإعادة الأموال المتحصلة من قضايا «الممتلكات غير المشروعة»، يمكن توجيه الأموال المصادرة لتمويل مشاريع يستفيد منها سكان البلد الذي يُعتقد أن الأموال نُهبت منه، مع اعتماد ترتيبات وضمانات تحول دون تعرضها للاختلاس مجددًا.
وفي هذا السياق، أوردت الصحيفة اسم جمعية «Awtad»، التي تسعى إلى الاستفادة من هذه الآلية لتمويل مشاريع تنموية في اليمن، وتقول إن هدفها تطبيق قانون «Warsmann» بما يتيح إعادة الأموال إلى الشعب اليمني بدلًا من تسليمها مباشرة إلى مؤسسات الدولة.
قضية قد تتجاوز نجلي صالح
قد تكتسب المحاكمة أهمية تتجاوز مصير المتهمين والممتلكات موضوع القضية. فإذا نجح الادعاء الفرنسي في إثبات أن الأموال المستخدمة في شراء الأصول متحصلة من الفساد أو اختلاس المال العام، فإن الحكم قد يشكل محطة مهمة في مسار ملاحقة واستعادة أموال يمنية موجودة في الخارج، وربما يفتح الباب أمام البحث في أصول أخرى مرتبطة بعائلة صالح أو بشبكات رجال أعمال ومسؤولين ارتبطوا بالنظام السابق.
أما إذا أخفق الادعاء في إثبات الصلة المباشرة بين الأموال والجرائم المفترضة، فستكون القضية اختبارًا لحدود تطبيق التشريعات الفرنسية المتعلقة بـ«الممتلكات غير المشروعة» على ثروات تعود إلى مسؤولين وعائلات حاكمة أجنبية، خصوصًا في ملفات مضى على وقائعها سنوات طويلة.
وفي مفارقة لافتة، لم تتقدم الدولة اليمنية، بحسب «لوموند»، كطرف أمام القضاء الفرنسي للمطالبة بهذه الأموال.
وبذلك تدور المواجهة القضائية حاليًا بصورة أساسية بين الادعاء الفرنسي والمتهمين ودفاعهما، بينما يظل السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى اليمنيين معلقًا على نتيجة المحاكمة: إذا انتهت القضية إلى مصادرة هذه الأموال والعقارات، فهل تجد طريقها في نهاية المطاف إلى اليمنيين؟



