إعادة تدوير الفشل وأزمة القيادة في اليمن
ما يحدث في اليمن ليس أزمة أدوات فقط، ولا مجرد تعثر عابر في إدارة المشهد، بل هو أزمة أعمق تتصل بالقيادة والوعي والقدرة على قراءة الواقع والتعامل مع متغيراته. فالمشكلة لا تكمن في استمرار الأزمات وحدها، وإنما في الإصرار على إدارة هذه الأزمات بالعقول والأساليب والوجوه نفسها التي أسهمت، بصورة أو بأخرى، في إنتاجها أو عجزت عن تجاوزها.
ومن أكثر الظواهر إثارة للقلق إعادة تدوير الوجوه والقوى التي سبق أن خاضت تجارب طويلة، وأتيحت لها فرص متعددة، لكنها لم تستطع تقديم نموذج ناجح في إدارة الشأن العام أو الوصول إلى حلول مستدامة. ومع ذلك، تعود الأسماء ذاتها، وتُستعاد الأدوات ذاتها، وتُكرر الخطابات والرهانات ذاتها، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن التجارب السابقة لم تترك وراءها ما يستوجب المراجعة والتقييم.
فالعمل السياسي في جوهره هو القدرة على فهم المجتمع، وقراءة موازين القوى، واستشراف التحولات، وإدارة المصالح المتعارضة، واختيار الوسائل المناسبة لتحقيق الأهداف. وحين يعجز من يتصدرون الشأن العام عن قراءة التحولات، يصبحون أسرى للماضي، وتتحول خبرتهم من مصدر قوة إلى قيد يمنعهم من رؤية الواقع الجديد.
وهنا تظهر إحدى مشكلات المشهد اليمني: الخلط بين الخبرة والنجاح. فطول البقاء في العمل العام لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على القيادة، وكثرة التجارب لا تعني بالضرورة حسن الاستفادة منها. قد يمتلك من يمارس العمل العام سنوات طويلة من الحضور، لكنه يكرر الأخطاء ذاتها؛ وقد يمتلك خبرة واسعة في إدارة الصراع، لكنه يفتقر إلى القدرة على إدارة السلام وبناء الدولة. والقيادة لا تُقاس بعدد السنوات، وإنما بما تنتجه هذه السنوات من معرفة ونضج وقدرة على التغيير.
المشكلة الأكبر تبدأ عندما يتحول الفشل إلى أمر قابل للتطبيع، وعندما تصبح الإخفاقات المتكررة جزءًا من المشهد المعتاد، فلا أحد يسأل: لماذا فشلنا؟ ومن المسؤول؟ وما الذي ينبغي تغييره؟ وبدلًا من مراجعة التجربة، يجري البحث عن مبررات جديدة، أو تحميل المسؤولية للآخرين، أو إعادة استخدام الأدوات نفسها في ظروف مختلفة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب من يتصدرون المشهد هو العجز عن الاعتراف بالفشل؛ لأن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، وإنما شرط أساسي للتعلم. أما إنكار الفشل فيقود إلى تكراره، وتكرار الفشل يقود إلى تعميق الأزمة، حتى يصبح الخطأ ممارسة متكررة، والممارسة أزمة، والأزمة واقعًا مفروضًا على المجتمع.
وفي هذا السياق، تلعب العوامل النفسية دورًا مهمًا في سلوك بعض القيادات. فالخوف من فقدان السلطة أو النفوذ، والتشبث بالموقع، والشعور بأن التراجع اعتراف بالهزيمة، والثقة المفرطة بالذات، كلها عوامل قد تدفع صاحب القرار إلى الدفاع عن خياراته السابقة بدل مراجعتها. وقد يصبح الحفاظ على الصورة والمكانة أهم من البحث عن الحل الصحيح.
وهنا تكمن المفارقة: قد يعرف من يمارس السلطة في قرارة نفسه أن أدواته لم تعد صالحة، لكنه يستمر في استخدامها لأنه لا يريد الاعتراف بأنها لم تعد صالحة. وقد يدرك أن الواقع تغير، لكنه يفضل تفسير الواقع بما يتناسب مع قناعاته القديمة بدل أن يراجع قناعاته في ضوء الواقع الجديد.
وهذه ليست مشكلة فردية فحسب، بل مشكلة أوسع عندما يصبح الشأن العام دائرة مغلقة تتكرر فيها الوجوه والأفكار والممارسات، بينما يبقى المجتمع خارج دائرة التأثير الحقيقي في صناعة القرار، في ظل غياب الدولة ومؤسساتها القادرة على تنظيم المجال العام وضبط ممارسة السلطة.
اليمن تغير كثيرًا، والظروف التي كانت تحكم المشهد في مراحل سابقة لم تعد هي الظروف نفسها اليوم. تغيرت موازين القوى، وتبدلت الأولويات، واتسعت دائرة المعاناة، وتراكمت آثار الحرب والانقسام، وتراجعت الثقة بالخطابات التقليدية. ومع ذلك، ما زال بعض من يتصدرون المشهد يتعاملون مع الواقع بأدوات تنتمي إلى مراحل سابقة، وكأن المطلوب من اليمنيين أن يعيشوا الماضي مرة أخرى.
إن استمرار تعدد مراكز القوة، وغياب الدولة، واستمرار الصراع، وتداخل المصالح الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، جعل المشهد اليمني أكثر تعقيدًا من أن يُدار بالشعارات أو بالمقاربات القديمة. فالواقع الجديد يحتاج إلى عقل قادر على فهم التحولات، وإلى أدوات أكثر مرونة، وإلى قدرة على التفاوض وإدارة الاختلاف وبناء التوافقات، وليس إلى إعادة إنتاج الصراع بالوسائل نفسها.
كما أن القيادة التي لا تمتلك رؤية للمستقبل ستظل أسيرة للحظة الراهنة. والقيادة التي لا تستطيع تغيير تكتيكاتها وفق تغير الظروف ستفقد قدرتها على التأثير. فالثبات على المبادئ لا يعني الجمود في الوسائل، والتمسك بالأهداف لا يعني تكرار التكتيك نفسه مهما تغيرت الظروف.
فالسياسة الناجحة تحتاج إلى مرونة محسوبة؛ وصاحب القرار الذي لا يغير أدواته عندما تتغير الظروف يشبه من يحاول فتح باب بمفتاح لم يعد يناسب القفل. وقد يكون المفتاح صحيحًا في زمن سابق، لكنه يصبح عديم الفائدة عندما تتغير الآليات والظروف.
ومن هنا فإن اليمن بحاجة إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن شخصنة السلطة إلى بناء الدولة، ومن إعادة تدوير النخب إلى فتح المجال أمام الكفاءة والخبرة الجديدة، ومن احتكار القرار إلى توسيع المشاركة في الشأن العام.
ولا يعني ذلك إلغاء أصحاب الخبرة أو تجاهل الأجيال السابقة، وإنما يعني وضع الخبرة في مكانها الصحيح: الاستفادة منها لا تحويلها إلى احتكار دائم للمشهد. فالتجديد لا يعني إقصاء الماضي، وإنما يعني الاستفادة من دروسه دون الوقوع في أسره.
إن المجتمعات لا تتقدم بمجرد تغيير الأشخاص، وإنما عندما تتغير قواعد العمل السياسي وممارسة السلطة. فإذا بقيت العقلية نفسها، وأدواتها نفسها، ومنهجها نفسه، فإن تغيير الأسماء لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير النتائج.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: من سيأتي إلى السلطة؟ وإنما: بأي عقلية ستُدار البلاد؟ وبأي أدوات؟ ولأي غاية؟
فالمطلوب ليس مجرد استبدال وجه بوجه، أو موقع بموقع، أو تحالف بتحالف، ثم العودة إلى الدورة نفسها. المطلوب تحول حقيقي في طريقة التفكير وإدارة الشأن العام، يقوم على المسؤولية والمساءلة والكفاءة والقدرة على التعلم من التجربة.
إن الشعوب لا تدفع ثمن أخطاء من يتصدرون السلطة مرة واحدة؛ فهي قد تدفع الثمن سنوات طويلة عندما يُصر المتصدرون للمشهد على تكرار الأخطاء ذاتها. واليمن دفع بالفعل أثمانًا باهظة من الحرب والانقسام والفقر وتراجع الدولة وتآكل الثقة، ولم يعد يحتمل المزيد من التجارب الفاشلة أو إعادة إنتاج الصراعات بالوجوه والأدوات نفسها.
ولذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلب قيادات تمتلك الشجاعة لمراجعة الماضي، لا تقديسه؛ والقدرة على الاعتراف بالأخطاء، لا إنكارها؛ والاستعداد لتغيير الوسائل، لا تكرارها؛ والقدرة على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والحزبية والمصلحية الضيقة.
فالقيادة ليست امتيازًا، وإنما مسؤولية. والموقع في السلطة ليس ملكية خاصة، وإنما تكليف يرتبط بقدرة صاحبه على خدمة المجتمع وتحقيق المصلحة العامة. ومن يفشل في أداء هذه المسؤولية ينبغي أن يخضع للتقييم والمساءلة، لا أن يتحول الفشل إلى جواز عبور نحو موقع جديد.
إن اليمن لا يحتاج إلى المزيد من تدوير الماضي، بل إلى صناعة مستقبل مختلف. ولا يمكن صناعة هذا المستقبل بالعقلية التي أنتجت أزمات الماضي، ولا بالأدوات التي أثبتت التجربة محدوديتها، ولا بقيادات ترفض مراجعة نفسها.
لقد آن الأوان لكسر دائرة إعادة تدوير الفشل، وفتح الطريق أمام تجديد حقيقي في القيادة والممارسة السياسية؛ تجديد يعيد الاعتبار للكفاءة، ويميز بين السياسي المؤهل والدخيل على السياسة، ويكافئ النجاح، ويحاسب على الفشل، ويضع اليمن ومصلحة شعبه فوق الأشخاص والمواقع والنفوذ. فالمستقبل لا يُبنى بإعادة إنتاج الماضي، وإنما بإرادة تمتلك شجاعة التغيير.



