العم حمود … صاحب ديلوكس
كانت صنعاء تتثاءب، فتحت عينيها على العهد الجديد…
لأول مرة يتغير اسم "شرارة" إلى ميدان التحرير…
يستحدث علي عبدالمغني، بعد أن كان ثمة طريق للأرجل بجانب سور صنعاء…
يجري هدم السور، وتنبت مكانه عمارات…
يأتي الجديد مع الثورة المباركة.
يكون القادم ساعات رولكس، رومر أبوصليب، وسجائر أبوجنيه، كِنت، وعطور من كل نوع، ومناديل للأيدي، وراديوهات من كل نوع، ومسجلات تنقل الأصوات الجميلة إلى كل بيت، وتعرف صنعاء "الروتي" لأول مرة… وتتعدد المطاعم، وتفتح الفنادق، وتستنشق صنعاء رائحة ثورة 26 سبتمبر 62…
يفتتح المبنى الجديد للبنك اليمني للإنشاء والتعمير، بجانبه كان ثمة مسجد، وأمامه عمارة الوتاري. فيما بعد تأسس المبنى الجديد للبنك على طريقة قصر غمدان، حيث عدد نوافذه 365 نافذة، على عدد أيام العام… وتمر أشعة الشمس طوال اليوم، نافذة نافذة، هكذا قيل… وفي نهاية الشارع ينتصب البنك المركزي. تتأطر الثورة بين الإنشاء والسياسة النقدية لأول مرة. فتش عن اسم عبدالغني علي، ستجده في الفئات الورقية، واسمه تكرر في كل أدبيات الثورة المالية والنقدية، ليأتي بعده عبدالعزيز عبد الغني ومحمد عبدالوهاب جباري…
هناك ثمة مبنى صغير أمام البنك، ومن الزقاق الذي يفصله عن عمارة الوتاري كانوا يمرون إلى لجنة النقد اليمنية قبل أن تتحول إلى البنك المركزي…

من عدن قدم الناس إلى تعز مع أول نداء للثورة، وكل واحد أتى بمهنته، ومن تعز صعدوا إلى صنعاء وذهبوا إلى الحديدة. كانت أشعة شمس الثورة تصافح خدود البلاد، تطبع قبلتها الأولى، مبشرة بالمستقبل الذي وُئد فيما بعد…
قدم العم حمود من عدن… وفي تلك العمارة فتح أول مطعم أنيق في صنعاء، "مطعم ديلوكس"، ونحن فتحنا "مخبز الثورة" في باب اليمن…
بسيارة الروتي كنت أذهب مع سعيد الصلوي، أتلصص بعد أن نضع الروتي في الخلف، لأرى كيف يبدو المطعم من الداخل، لأنبهر بالنظافة ومكوناته من كؤوس وصحون وماسات تلمع، ورجل يلبس ملابس أنيقة، "العم حمود"…
كثيرون جلسوا إلى كراسي العم حمود، وبالذات مقاتلو الثورة من كل الوحدات. كان دفتر العم حمود جاهزًا ليسجل معظم من يأكل اسمه إلى نهاية الشهر، عندما يتسلم الراتب…
استمر ديلوكس سنوات أفخم المطاعم في العاصمة…
فجأة أغلق العم حمود مطعمه وغاب…
قيل إنه ذهب إلى السعودية وترك الدفتر مليئًا بالمدينين، وخاصة جنود وضباط الجيش…
فجأة عاد العم حمود… عرفنا أنه عاد بافتتاحه مطعمًا صغيرًا في اللفة التي تؤدي بك من شارع القصر إلى شارع جمال… تدفق إليه الجميع، كانت طباخة العم حمود متميزة… وفتح دفترًا جديدًا للزبائن الجدد.
مرة أخرى غاب العم حمود.
قلت فيما بعد لطه عُبيد:
والدفتر القديم حق ديلوكس؟
قال طه:
تصدق، لقد قال هكذا:
هؤلاء دافعوا عن الثورة والجمهورية، وكتب في كل صفحة "مسامحين"…
لم أسأله:
وأين ذهب؟
في هذه البلاد أشياء وأشخاص وأماكن رائعون يظهرون ويختفون بدون تفسير!!!
السلام على روح العم حمود العريقي.



