موسم نجم البلدة.. ظاهرة بحرية تنعش السياحة وتحيي تراث حضرموت

مع منتصف يوليو من كل عام، تتحول مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، إلى وجهة يقصدها آلاف الزوار للاستمتاع بظاهرة طبيعية فريدة تعرف محليًا بـ"نجم البلدة"، حيث تنخفض درجة حرارة مياه البحر بصورة ملحوظة، في مشهد ارتبط بالذاكرة الشعبية لأبناء حضرموت، واكتسب مع مرور الزمن أبعادًا سياحية واقتصادية وثقافية، إلى جانب ما يتداوله الأهالي من فوائد صحية للاغتسال في مياهه الباردة.
وانطلقت هذا العام فعاليات مهرجان موسم نجم البلدة على شواطئ المكلا، متضمنة عروضًا فلكلورية وتراثية، وإطلاق الحمام الزاجل، وفعاليات كشفية، ومشاركات لذوي الإعاقة، إلى جانب القرية التراثية والمأكولات الشعبية، ضمن برنامج يستمر طوال الموسم بهدف تنشيط الحركة السياحية وإبراز الموروث الثقافي الحضرمي.
وقبيل شروق الشمس من كل يوم، يتوافد سكان المكلا وزوارها من مختلف مديريات حضرموت ومحافظات أخرى إلى الشواطئ للاستمتاع بالمياه الباردة، التي يعتقد كثيرون أنها تمنح الجسم النشاط والانتعاش، فيما أصبحت هذه العادة جزءًا من الطقوس السنوية التي توارثتها الأجيال.
ولا يمثل موسم البلدة مناسبة للاستجمام فحسب، بل يعد أيضًا أحد أبرز المواسم الاقتصادية في مدينة المكلا، إذ تشهد الفنادق والمنشآت السياحية والمطاعم والأسواق حركة نشطة مع تزايد أعداد الزائرين، الأمر الذي ينعكس على مختلف الأنشطة التجارية والخدمية.
ظاهرة طبيعية
يوضح المؤرخ عبدالرحمن الملاحي أن "البلدة" ترتبط بمنزلة من منازل القمر، وتتزامن مع تغيرات مناخية وبحرية تحدث خلال شهر يوليو، أبرزها نشاط الرياح الجنوبية الغربية المعروفة محليًا بـ"الكوس"، إلى جانب تأثير التيارات البحرية العميقة التي تدفع المياه الباردة من الأعماق إلى سطح البحر، ما يؤدي إلى انخفاض درجة حرارة المياه والهواء في المناطق الساحلية.

ويشير إلى أن هذا الموسم ارتبط تاريخيًا بحياة سكان حضرموت، إذ يتوقف كثير من الصيادين عن الإبحار بسبب اضطراب البحر، ويتجهون للعمل في مزارع النخيل التي يتزامن موسمها مع نضج التمور، بينما يتخذ الأهالي من هذه الفترة فرصة للاستجمام والاغتسال في البحر.
ويؤكد الملاحي أن الاعتقاد الشعبي بفوائد مياه البلدة العلاجية متوارث منذ أجيال، وإن كانت هذه المعتقدات لا تستند إلى إثباتات علمية قاطعة، إلا أنها لا تزال حاضرة في الوجدان الشعبي، ويعبر عنها المثل المتداول: "غمسة في البلدة تساوي حجامة سنة".
التفسير العلمي
من جانبه، يوضح الدكتور أوسان معروف باهرمز، أستاذ العلوم البيئية والأحياء البحرية بجامعة حضرموت، أن الظاهرة ليست مرتبطة بالنجم ذاته، وإنما بموسم الرياح الموسمية الصيفية (المونسون)، الممتد من يونيو حتى أغسطس، غير أن ذروة انخفاض حرارة مياه البحر تتزامن عادة مع موعد ظهور نجم البلدة.
ويبين أن التفسير العلمي للظاهرة يعود إلى ما يعرف بـ"الانبثاق القاعي" (Upwelling)، حيث تؤدي الرياح الجنوبية الغربية إلى إزاحة المياه السطحية الدافئة بعيدًا عن الساحل، فتندفع بدلًا منها كتل المياه الباردة القادمة من الأعماق، وهو ما يفسر الانخفاض الملحوظ في درجة حرارة مياه البحر خلال هذه الفترة.
ويضيف أن تأثير هذه الظاهرة يكون أوضح بالقرب من السواحل، ويتراجع كلما اتجهنا نحو أعماق البحر.
إرث ثقافي واجتماعي
ويرى الباحث خالد القحوم أن نجم البلدة تجاوز كونه ظاهرة مناخية ليصبح جزءًا من الهوية الثقافية والاجتماعية في حضرموت، إذ ارتبط بالمزارعين والصيادين ومواسم الزراعة والتمور، كما شكّل محطة سنوية لعقد الاتفاقات الزراعية وتنظيم الأعمال الموسمية.
ويشير إلى أن اضطراب البحر خلال هذه الفترة كان يحد من نشاط الصيد، ما دفع الصيادين قديمًا إلى ممارسة أعمال أخرى مرتبطة بالزراعة أو الحرف التقليدية حتى انتهاء الموسم.

ومع تزايد الإقبال على الشواطئ، تنفذ إدارة الأمن وقوات خفر السواحل في حضرموت خطة ميدانية لتأمين مرتادي البحر، تشمل نشر فرق الإنقاذ على امتداد الشريط الساحلي، وتوعية الزوار بالأماكن الآمنة للسباحة، والتحذير من المواقع الخطرة، إلى جانب تقديم خدمات الإنقاذ والإسعاف عند الحاجة.
وأدخلت خفر السواحل هذا العام وسائل حديثة في عمليات الإنقاذ، من بينها استخدام طائرة مسيّرة مخصصة لإيصال عوامات النجاة إلى الغرقى، بمشاركة فرق تطوعية والجهات الصحية المختصة.
مهرجان يحتفي بالتراث
ولا تقتصر فعاليات الموسم على السباحة والاستجمام، بل تشمل برنامجًا متنوعًا من الأنشطة التراثية والثقافية والفنية والرياضية، من بينها كرنفال القوافل، والقرية التراثية، وسينما البلدة، وعروض الفلكلور والرقص الشعبي بمشاركة فرق من حضرموت وعدد من المحافظات، إضافة إلى حضور فنانين يمنيين، في إطار جهود تهدف إلى إبراز الموروث الحضرمي وتنشيط السياحة الداخلية.

وبمرور السنين، ظل موسم نجم البلدة واحدًا من أبرز المناسبات السنوية في حضرموت، جامعًا بين خصوصية الظاهرة الطبيعية، وعمق الإرث الثقافي، والحراك السياحي والاقتصادي الذي تشهده مدينة المكلا مع كل صيف، ليبقى شاهدًا على علاقة الإنسان الحضرمي بالبحر، وعلى تقاليد ما زالت حية في ذاكرة المكان وسكانه.
