تشتت أهل اليمن بين نازحين ولاجئين
نزح بعض سكان اليمن إلى بوادي البلاد، ناصبين خيامهم، يستقبلون المساعدات الغذائية والصحية من المنظمات و الدول الشقيقة والصديقة، وآخرون يشكلون الأغلبية لجأوا أشتاتًا إلى بلدان الغير لقساوة الحياة وعدم توفر الخدمات ، والرواتب والمعاشات التقاعدية، فضلًا عن عدم توفر الأمن والأمان والاستقرار.
تشتت أهل اليمن
إن للجوء أسبابًا نود أن نوضحها بشفافية على النحو الآتي: شهدت اليمن شمالًا وجنوبًا ظاهرة عدم الاستقرار منذ قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م ،وجلأ الاستعمار البريطاني من الجنوب في 30 نوفمبر 1967م ، وزادت الاغتيالات ، والحروب الداخلية، والقتل منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وفي التسعينيات تحديدا بعد قيام الوحدة اليمنية المباركة في 22 مايو 1990م .
وقد زاد الأمر حدة منذ مطلع الألفية الثالثة حتى بداية العقد الثاني من هذا القرن (21) ، بنشوب حروب داخلية، بالتزامن مع سوء الأحوال السياسية والاقتصادية في معظم البلدان العربية، وكانت النتيجة قيام ثورات الشباب العربي على الأنظمة العميقة، ومنها ثورة الشباب في اليمن، بتاريخ 11 فبراير 2011م، إذ اتخذ الشباب من الساحات منابر لإسماع أصواتهم إلى العالم، واضعين أيديهم على بطونهم الخاوية، يطالبون بتحسين ظروفهم المعيشية، لشدة ما يعانونه من فقر، وجوع، وسقم.
وفي سياق متصل، استمرت الأحوال في اليمن من سيئ إلى أسوأ بعد اختراق الساحات من قبل أحزاب متنافسة على السلطة، وبخاصة بعد مأساة مجزرة (جمعة الكرامة) في صنعاء، واستشهاد 52 شابًا، في18 مارس 2011م. وكذا احراق الشباب في( ساحة تعز) .
وقد ركن الشباب في الزاوية، ونزلت الأحزاب الساحات. ولحسن الطالع ، تدخل مجلس التعاون العربي الخليجي لتسوية الوضع في اليمن، فأعيد النظام العميق بحزبيه المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، وما أضيف إليهما، خلال الفترة 2012 _ 2014م. وقد عمت الفوضى وعدم الاستقرار وتردي الأحوال الاقتصادية.
للأسف الشديد، دخلت البلاد في أتون صراعات داخلية وتدخلات خارجية، وبخاصة منذ منتصف العقد الثاني، إذ اشتدت الفوضى وعدم الاستقرار، وزاد النزوح واللجوء بمئات الآلاف من السكان فرارًا من الحياة القاسية.
حقيقة الأمر، إن الصراعات الداخلية منذ الثلث الأخير من عام 2014م، وتدخل التحالف العربي لدعم الشرعية منذ مارس 2015م، لم يغير النتيجة، إذ بقيت اليمن مقسمة بين "سلطة أمر واقع" في الشمال بقيادة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، و"سلطة شرعية" في الجنوب، تشمل أيضًا مأرب، وتعز، وساحل جنوب الحديدة، ويحكمها بعد تنازل الرئيس (عبد ربه منصور هادي) عن السلطة، في 7 أبريل 2022م، مجلس رئاسي انتقالي برئاسة( د. رشاد العليمي، وسبعة أعضاء).
وخلال الفترة ساءت الخدمات في عموم البلاد، وتصاعدت المشاكل الداخلية، وتشتت المزيد من أهل اليمن نحو سائر أنحاء المعمورة طلبًا للرزق والأمن والأمان.
تفرقوا أيدي سبأ
في واقع الأمر، إن هناك مفارقة بين سوء الاحوال الداخلية في اليمن ،وشتات اهلها الذي تحدثنا عنها آنفا ، وما حدث بعد انهيار سد مأرب بـ"سيل العرم" قبل 20 قرنًا ،" وبعدما "تفرقوا أيدي سبأ"، وانتشروا في شبه الجزيرة العربية، والحبشة، ومصر.. وكان لهم الفضل بإقامة ممالك وإمارات، شملت: الغساسنة في الشام، والمناذرة في الحيرة (العراق )، ومملكة كندة في نجد، ومن احفادهم الانصار والاوس والخزرج في المدينة المنورة ومكة المكرمة.
وهاجر السبئيون ايضا الى صعيد مصر ليلتحقوا بقبيلة بني مرة التي هاجرت قبل انهيار السد.. وكان لحكام مصر علاقات طيبة مع تببابعة اليمن .
وعلى الصعيد نفسه ، كان للسبئيين علاقات مع بلدان شرق افريقيا وبخاصة الحبشة، وكانت الهجرة قبل وبعد انهيار سد مارب مستمرة، وقد حكم السبئيون من (مارب الى اكسوم). .
.ومن منطقة (حبشت ) بحضرموت ، هاجرت القبائل الى الهضبة الحبشية _ المشتقة من كلمة (حبشت)، كما كانت اللغة الجعزية مشتقة من كلمة (الأجاعز ) _إحدى القبائل اليمنية التي هاجرت أيضا من حضرموت بعد انهيار سد مارب _ و هي اللغة الرسمية لمملكة اكسوم القديمة، وماتزال اللغة المقدسة للكنيسة الإثيوبية ..ومن الجعزية تفرعت اللغات :االامهرية والتيغراي، والتيغرينية .
و لأحفاد سبأ ،وحمير من قبائل: همدان ، ومذحج ، وحضرموت ، صولات وجولات في الفتوحات الإسلامية وقيادة الجيوش، وقد رصع تاريخها بأحرف من نور ..
الخاتمة
جوهر القول، إن إنقاذ اليمن في الربع الساعة الأخير يتوقف على جلوس الفرقاء على طاولة المفاوضات، والعودة إلى مؤتمر الحوار الوطني في عام 2014م، والعمل على تنفيذ مخرجاته، قبل خسارة المزيد من مساحة اليمن.
إن الشعب اليمني لا يريد أن يفاجأ في يوم ما بتقسيم اليمن إلى دويلات، وبخاصة إذا ما استمرت المكابرة بين الفئات المتصارعة في هذا الوضع اليمني الرديء، الآيل للانهيار.
وزاد التخوف عند غالبية الشعب اليمني، أنه لم يعد يسمع أو يعرف عن مصير الجزر اليمنية في البحر الأحمر وبحر العرب، وبخاصة أرخبيل سقطرى، وارخبيل حنيش ، و جزر كمران وزقر وميون...الخ.
