أيوب طارش.. صوتُ الأرض والشعب
في البدءِ كانت الأرضُ، وكان الطينُ يفتشُ عن نبضِهِ الأوّلِ في سفوحِ الجبالِ اليمنيّةِ العصيّةِ، حيث الخطى المجهدةُ تبحثُ عن صدى يحنو على تعبِها المريرِ.
ولم يكن هذا الصدى بحاجةٍ إلى أجنحةٍ مستعارةٍ تعبرُ المحيطاتِ، أو جوازِ سفرٍ يطوفُ عواصمَ العالمِ لِيُثبتَ شرعيّةَ وجودِهِ في وجدانِ البشريّةِ.
إنَّ العظمة الحقيقيّة لِمَنْ يمنحُ الوجودَ نغماً لا تُقاسُ بمدى اتساعِ رقعةِ الخارطةِ التي يترددُ فيها اسْمُه، بل بمدى عُمْقِ الجذورِ التي يغرسُها في تربةِ وطنهِ لِتتغذى من مياهِهِ الجوفيّةِ النقيّةِ.
المبدعون الكبارُ في أوطانهمِ، هم أولئك الذين انحازوا للينابيع الأولى ولم تغرهم بروقُ المنافي، فصاروا شديدي الالتصاقِ ببيئتِهم، كشجرِ البُنِّ الذي لا ينبتُ إلا في عليائه العاليةِ لِيمنحَ الكونَ كُلَّه نكهتَه الفريدةَ.
هل كان على حُداةِ السودانِ الشقيقِ، بألحانهم الخماسيّةِ المترعةِ بالشجنِ الكونيِّ والصفاءِ الفطريِّ، أن يستجدوا ذائقةً خارجيّةً لِيَعبروا إلى ضفةِ الخلودِ؟

وهل يحتاجُ مغنو البرازيل الذين يسكبونَ حشرجاتِ أرواحِهم في رقصاتِ السامبا، أو عازفو الصين الذين يُحركون السكونَ بأوتارِ "الغوِتشين" العتيقةِ، إلى تَصديقٍ من الشرقِ أو الغربِ لِيَتبوّؤوا مقاعدَ العمالقةِ؟
بالتأكيد لا، فالانكفاءُ على الذاتِ الوطنيّةِ والخصوصيّةِ الشعبيّةِ ليسَ سِجناً ضيقاً، بل هو المِحرابُ الأوحدُ الذي تنبثقُ منه معجزاتُ التعبيرِ الإنسانيِّ الشاملِ.
حينَ تغوصُ في أعمقِ نقطةٍ من ذاتِكَ وفي تفاصيلِ مجتمعكَ، تلمسُ دونَ وعيٍ الجوهرَ الإنسانيَّ المشتركَ، وتُصبحُ الأكثرَ قدرةَ على صياغةِ البقاءِ وتحدي الفناءِ.
من هذا المِحرابِ اليمنيّ الطاهرِ الممتدِ عبرَ التاريخِ، أطلَّ أيّوب طارش عبسي، حاملاً عودَهُ الخشبيَّ كأنه فأسٌ يفلحُ بهِ الهواءَ، وروحَه المثقلةَ بأشواقِ الرعاةِ، والفلاحين، والعمالِ، والمسافرين المغتربين، والمنتظرين والمنتظراتِ عودةَ الغائبين خلفَ البحارِ.
لم يكنْ مجردَ حنجرةٍ تمرُّ عابرةً عبرَ أثيرِ الإذاعاتِ في الصباحاتِ الباكرةِ، بل كانَ وجيبَ كلِّ قلبٍ ينبضُ بالحياةِ بين سفوحِ "صبر" الحانيةِ ووديانِ "حضرموت" العميقةِ.
إنّه فنانُ الشعبِ اليمنيّ، بلا منازعٍ تفرضُهُ سلطةٌ، وبلا حاجةٍ لصكوكِ اعترافٍ تأتي من وراءِ الحدودِ، لقد تربعَ على عرشِ القلوبِ شمالاً وجنوباً، في السهلِ والجبلِ والساحلِ، وهذا المَجدُ الروحيُّ يكفيهِ ويزيدُه رفعةً وتسامقاً.
لقد استطاعَ أيّوب أن يصهرَ التناقضاتِ الجغرافيّةَ والشقاقاتِ التي تصنعُها السياسةُ في بوتقةِ صوتهِ النقيِّ، لِيُصبحَ القاسمَ المشتركَ الأعظمَ لأمّةٍ أتعبتْها الدروبُ الطويلةُ وضَلّتْ عنها الراحةُ.
الجميعُ اختلفوا في التوجهاتِ والمصالحِ والراياتِ، لكنّهم التَقوا، بدموعٍ خفيّةٍ ونوايا صادقةٍ، عندَ نبرةِ صوتِ أيّوب وهو يودعُ مسافراً يشقُّ المجهولَ، أو يُحيي حقولَ الصيفِ الوفيرةِ، أو يزف عروسةً متهدجةً بالخجلِ لعريسها، أو يغرس الولاءَ النقيَّ في أنفسِ النشءِ والكبارِ على حدٍّ سواءٍ.
وحين أطلتْ أنشودتُه الأخيرةُ "شعارنا إنسانية"، التي صاغَ كلماتِها المترعةَ بالمحبةِ الدكتور عبدالله الخميسي، وداعبت أوتارَها ونغماتِها أناملُ الموسيقار أحمد فتحي، وجدنا أنفسَنا أمامَ تحولٍ وجوديّ ينضحُ بالوقارِ والسكينةِ.
لقد جاءتْ كلماتها لِتطرقَ أبوابَ الضميرِ البشريِّ في زمنِ الرمادِ:
شعارنا رمز السلام رمز المحبة والوئام
رمز التضامن والنظام والبر بالإنسانية
شعارنا إنسانية
شعارنا ضد الحروب يسعى لأنسنة الخطوب
والحب يغرس في القلوب للبر بالإنسانية
شعارنا إنسانية
بالحب ضمدنا الجراح للسلم ألقينا السلاح
حيا على خير الكفاح والبر بالإنسانية
شعارنا إنسانية
إنا جنودك يا هلال في السهل في قمم الجبال
لا عنف لا ..لا اقتتال عطفا على الإنسانية
شعارنا إنسانية
من أجل طفل أو جريح للمصطفى أو للمسيح
لا ننثني لا نستريح بخدمة الإنسانية
شعارنا إنسانية
عند الكوارث والمحن في أي شعب أو وطن
نسعى لتوفير المؤن والبر بالإنسانية
نسعى لتحقيق النجاح فالسعي مفتاح الفلاح
للعاملين على الصلاح والبر بالإنسانية
شعارنا إنسانية.
حين أطلت هذه الأنشودةُ بملامحِها الوادعةِ، انقسمَ الناسُ كعادتهم دَوْماً، بين باحثٍ عن الصدى الحماسيّ القديمِ ذي الإيقاعِ المرتفعِ الذي اعتادوه في ألحان وأداء أيوب إبانَ سنواتِ التوهجِ الأولى، وبين متأملٍ في المنعطفِ الجديدِ الذي ظهرت به هذه النغمةُ.
والذين لم تروقهم القصيدة لم يتأملوا ما تفيض به هذه الأنشودة من دلالات إنسانية عميقة وقيم جمالية رفيعة.
لقد ارتقت بالخطاب الإبداعي من حيز الإقليمية الضيق إلى رحاب العالمية الشاملة، وتجلت جماليات النص في المقابلات الثنائية البديعة، حيث الحب ينتصر على جراح الحروب، ويحل السلم بديلاً عن لغة السلاح والاقتتال.
كما اكتسبت الأبيات أبعاداً روحية ووجدانية سامية من خلال توظيف الرموز الكونية والدينية كـ "الهلال، المصطفى، والمسيح"، دلالةً على ذوبان الفوارق والامتداد الأخلاقي للفن في إغاثة الإنسان أينما كان وتحت أي ظرف.
إن هذه الأنشودةَ، وإن بدت في ظاهرِها مغايرةً لقوةِ وجزالةِ فتراتِهِ السابقةِ، إلا أنها بالقياسِ إلى كلِّ النتاجِ الصوتيِّ الذي أُنتجَ على مدى عقدينِ من الزمنِ، تعدُّ الأكثرَ نضجاً ونقاوةً من حيثُ أبعادُها الوجدانيّةِ وقيمُها التعبيريةُ.
لقد تجاوزت هذه الأغنيةُ كلَّ الأنماطَ الجاهزةَ والقوالبَ الصامتةَ التي استسلمتْ لها الذاكرةُ الجمعيّةُ المحاصرةُ بالنمطِ والتكرارِ.
وليسَ من الإنصافِ في شيءٍ، بل ليسَ من العدلِ الإنسانيِّ، أن يظلَّ المبدعُ أسيراً لنَسَقٍ واحدٍ صاغَه في عنفوانِ الشبابِ وحماسةِ الخطابِ المباشرِ الصاخبِ.
إنَّ نتاجَهُ الأخيرَ جاءَ روحياً متأملاً، يسيلُ هدوءاً ووقاراً، ويتناسبُ تماماً مع حكمةِ سِنّهِ الحاليةِ، ومع طبيعةِ المرحلةِ الراهنةِ المثقلةِ بالانكساراتِ والتي تمرُّ بها البلادُ والعبادُ.
لقد تخلتِ الأنشودةُ عن صخبِ الطبولِ المدويةِ لِتَدخلَ في مَلكوتِ التأملِ الجوانيِّ العَميقِ، وصارتْ أشبهَ بصلاةٍ خاشعةٍ وتبتلٍّ يبحثُ عن السلامِ الداخليِّ ومداواةِ الذاتِ بعد عقودٍ مأساويّةٍ من الحروبِ والشظايا والدماءِ.
إنّها تعبيرٌ صاعقٌ عن النضجِ الإنسانيِّ الأعلى، الذي يرى في الغناءِ مَهمةً مقدسةً لترميمِ الأرواحِ المنكسرةِ والقلوبِ الجريحةِ، لا لإشعالِ الحماسِ العابرِ وإذكاءِ النيرانِ.
هذا التحوّلُ النبيلُ والواعي في مسيرةِ أيّوب، يُذكرنا بالضرورةِ بالمسارِ الحياتيّ والفكريِّ لرفيقِ الكلمةِ والوجعِ اليمانيِّ الممتدِّ، رائي اليمن الكبير عبد الله البردوني.
فكثيرٌ من المتذوقين لنتاجِ البردوني يكتفونَ، للأسفِ الشديدِ، بالوقوفِ عندَ تخومِ قولهِ المبكرِ، يعيدونَ ويجترونَ قصائدَه العموديةَ الكلاسيكيةَ ذاتَ الإيقاعِ المألوفِ والرنينِ المنبريِّ الحادِ، تلك التي ضمّتها دواوينُه الأولى مثل "من أرض بلقيس"، و"في طريق الفجر"، و"مدينة الغد"، و"لعيني أم بلقيس".
بيِّدَ أنَّ قريحةَ البردوني الأغزرَ، والأكثرَ عُمقاً وتَجذراً في استشرافِ الغيبِ وتفكيكِ الواقعِ، هي تلك التي سكبَها في نصوصِهِ المتأخرةِ ودواوينِهِ الأخيرةِ التي حطمتِ الأطرَ الضيقةَ.
تجلت تلك الروائعُ في دواوينَ من وزنِ "السفر إلى الأيام الخضر"، و"وجوه دخانية في مرايا الليل"، و"زمان بلا نوعية"، و"ترجمة رملية لأعراس الغبار"، و"كائنات الشوق الآخر"، و"رواغ المصابيح"، و"جواب العصور"، و"رجعة الحكيم بن زائد".
هناك، في فضاءاتِ البردوني الأخيرة تحررتِ الكلمةُ من قيودِ الاستعراضِ والرضا الجماهيريِّ السريعِ، ودخلتْ في حوارٍ كونيٍّ شاملٍ مع الموتِ والحياةِ والتحولاتِ الوجوديّةِ الكبرى.
وهنا في نتاج أيّوب المتأخرِ، أعاد صياغةَ علاقتِه بالكونِ واللحنِ، متعالياً عن الرغبةِ في إرضاءِ الهتافاتِ الصاخبةِ أو مجاراةِ الإيقاعاتِ السطحيّةِ.
إنّه ينتقلُ بوعيٍ تامٍ من فكرةِ إطرابِ الأجسادِ وحثِّ الخطى في الحقولِ، إلى فكرةِ ملامسةِ الجوهرِ الإنسانيِّ الصافي والبحثِ عن الطمأنينةِ المفقودةِ.
من هنا، يتجلى لنا بوضوحٍ أنَّ أيّوب طارش ليس مجردَ مؤدٍّ يمتلكُ حنجرةً ذهبيةً، بل هو قامةٌ معرفيّةٌ نوعيّةٌ تفوقُ ما يمكنُ للمرءِ أن يتخيلَه.
غيرَ أنَّ مَعارفَهُ لم تكن من النوعِ الجافِ الذي يُستعرضُ في الندواتِ المغلقةِ أو يُباعُ في سوقِ الكلامِ، بل ترجمَها، بكلِّ عفويةٍ وأمانةٍ، في ثنايا ألحانِهِ وتحوّلاتِ نوتاتِهِ الموسيقيةِ الباهرةِ.
إنَّ المفهومَ الحقيقيَّ للوعيِ والارتقاءِ البشريِّ ليسَ مجردَ شهادةٍ أكاديميةٍ تُعلّقُ على الجدرانِ الصامتةِ، وليست بامتلاكِ قاموسٍ لغويٍّ متقعرٍ يُثيرُ دهشةَ العامةِ.
وهي قطعاً ليستِ القدرةَ الزائفةَ على صياغةِ الخطاباتِ الرنانةِ، أو البراعةَ المصطنعةَ في الحديثِ أمامَ الحشودِ والعدساتِ.
إن الوعيَ الحقَّ، هو مجموعةُ العاداتِ والتقاليدِ، والموروثِ الكبيرِ المتراكمِ من الفنونِ التاريخيّةِ والوجدانيّةِ لشعبٍ من الشعوبِ.
هو ذلك التراكمُ الاجتماعيُّ الكثيفُ للسلوكياتِ المتوارثةِ، التي تَصهرُ هويّةَ الإنسانِ وتمنحُه مَعنى حقيقياً للوجودِ والانتماءِ في بقعةٍ ما من هذه الأرضِ.
ووفقاً لهذا المعيارِ العَميقِ والراقي يكون أيّوب طارش دونَ مبالغة الأكثرَ وعياً ومعرفةً بوجدانِ هذه الأمةِ.
إنّه يتفوقُ حتى على كبارَ الكتّابِ والمُنظرينَ، ويتجاوزُ كثيراً الدكتور قايد غيلان وغيرَهُ من الذين غرقوا في لُجّةِ التنظيراتِ الجافةِ والكلماتِ التي لا روحَ فيها.
وبمناسبة ذكر الدكتور قائد غيلان الذي كتب ذات يوم ينتقد أيوب طارش لأنه غنى قصيدة غنائية بعنوان "حنين المفارق"، وانتقد بشدة كلمات القصيدة التي تقول:
يا حاملات الشريم والطل فوق الحشائش
معطرات الزنان فوق الصدور الزراكش
هيا اسبقين الطيور وغردين بالغباشش
لمين حشيش البكور وأطوين سبول عالمحاجش
ومن ندى الغيم رشين قليب ولهان عاطش
وغنيين للبعاد للي ترك قلب فاتش
هاجر ولوعة حبيبه تسكب دموعه درادش
سحابة الفجر سيري مع حنين المفارق
رشي فؤاد المتيم ندى سخى العطر عابق
من مخمل الغيم غطي لواعجي بالبيارق
بلي بهطلك قليب صبابته كالحرائق
وجنحي عالذي شوقي إليه سيل دافق
وبلغيه بالمراد إني بعهده لواثق
يا شارح الحول بشرى حولك يفتح فراجم
مثل الجنان بسبوله أخضر بكل المواسم
عراجش السوم تزهر ورده بوصلك هايم
والأقحواني متيم شوفه إليك شوق صائم
اذكر عهود الشواجب همس العيون والمباسم
عود يا حبيبي لحولك خير الصراب فيك حالم.
حينها ثار كل من قرأ نقد غيلان للقصيدة وللفنان، وانهالوا عليه بالكتابات التي لم تخلُ بعضها من سبه وشتمه، واتهامه بأنه يسعى للظهور والشهرة على حساب أيوب طارش وأغنيته "حاملات الشُرَيم".
خاصة وأنها للشاعر والمناضل راشد محمد ثابت، ومن توزيع الموسيقار المصري طاهر حسن.
وتعد هذه الأغنية إحدى الروائع الفنية التي تجاوزت حدود الغناء التقليدي لتصبح وثيقة جمالية وإنسانية تختزل هوية الريف اليمني، وتدمج ببراعة فائقة بين قدسية العمل وكفاح الأرض.
قصيدة يبدو أن ناقدها لا يفقه خصوصية اللهجة التعزية، ولا يعرف سمات الشعر العامي وقدرته على تصوير المشاهد اليومية البسيطة لحياة الناس على نحو أمضى بكثير من الشعر الفصيح
طبعاً لم يستطع قائد غيلان حينها إدراك كيف استطاع الشاعر راشد محمد ثابت في قصيدة حنين المفارق أن يرسم المشهدية البصرية الحركية المفعمة بالنشاط والحياة في الفجر الباكر (الغباشش) حيث يحتفي بالمرأة الفلاحة لا كعاملة كادحة فحسب، بل كأيقونة جمالية نابضة بالأصالة يمتزج كفاحها اليومي بعفوية الزينة والملابس التقليدية (الزنان، الصدور الزراكش).
كما يلاحظ التجلي الكبير في النص من خلال التناغم الإنساني الفريد مع الطبيعة عبر أنسنة عناصرها فتطالب الفلاحات بمسابقة الطيور في التغريد في الحين الذي تتحول سحابة الفجر والندى الغيمي إلى مراسيل دافئة تحمل لواعج الأشواق وتطفئ حرائق الوجد.
ورغم الأجواء الصباحية المبهجة تنطوي الأغنية على شجن يمني دافئ يجسد معاناتي الفراق والاغتراب (هاجر ولوعة حبيبه)، ومع ذلك لا يستسلم هذا الشجن لليأس، بل يتسلح بالوفاء والثقة بالعودة (إني بعهده لواثق).
وفي ذروة النص تتصاعد رمزية الخصوبة، والنماء من خلال استدعاء مفردات الأرض والبراعم المتفتحة (الفراجم) وموسم الحصاد (الصراب)، لتتحول الأرض المشتاقة لزارعها إلى دعوة وطنية واجتماعية مضمرة تحث الطاقات المهاجرة على العودة لبناء الوطن.
صيغت القصيدة بمحلية حميمة استثمرت ألفاظ الأرض الدارجة (الشريم، المحاجش، الحول) لتمنح النص رائحة التراب اليمني، مدعومة بموسيقى داخلية وقوافٍ ساكنة تحاكي إيقاع المناجل.
وجاء لحن أيوب طارش الرعوي الشجي، مع التوزيع الأوركسترالي المتناسق لطاهر حسن، ليمنحا الكلمات أجنحة حلّقت بها في عمق الوجدان الشعبي، محولين العمل والكفاح اليومي إلى طقسٍ خالص من طقوس الحب، الأمل، والجمال.
إن أيوب طارش لم يكن في استطاعته تجاوز كل أولئك المنظرين، وامتيازه بخلق تلك الألحان الفريدة لكل أغانيه دونما يستوعب بكلِّ جوارحِهِ ووجدانهِ خلاصة زبدة الإرثِ الثقافيِّ والشعريِّ واللحنيِّ بجميعِ تضاريسِهِ المتنوعةِ وألوانِهِ الزاهيةِ في اليمن.
وأيضاً لم يكتفِ أيوب باستيعابِ ذلك الإرث استيعابا سلبيِاً أو قام بتقليده تقليدِاً أعمى فحسب، ولكنه استطاعَ بناءَ تجربةٍ تعبيريّةٍ فريدةٍ، مزجت عراقةَ الماضي بحيويّةِ الحاضرِ، وجعلتِ التراثَ كائناً حياً ينبضُ بالحياةِ ويتنفسُ الصدقَ.
هذه التجربةُ الاستثنائيّةُ الفذةُ هي التي أجبرتْ ملايينَ اليمنيّين، بمختلفِ مشاربهم وانتماءاتِهم، على إعطائِهِ، طواعيةً وحبّاً خالصاً، لقبَ "فنان الشعب، والأرض".
وحين نَصفُ أيّوب بأنّه فنانُ الشعبِ، فإننا نَمنحُ التسميةَ لِمَنْ يستحقُّها بجدارةٍ صلبةٍ، دونَ أن نَقعَ في فخِّ المقارناتِ الظالمةِ أو الإجحافِ بحقِّ الآخرين.
إننا لا نبتغي، بأيِّ حالٍ من الأحوالِ، التقليلَ من شأنِ العمالقةِ الآخرين الذين أثثوا الوجدانَ اليمنيَّ وملؤوا ليلَهُ بالجمالِ.
فلا يمكنُ لأيِّ منصفٍ أن يُنكرَ العبقريّةَ الباذخةَ للراحلِ المقيمِ أبو بكر سالم بلفقيه، الذي حملَ نغماتِ الدانِ الحضرميّ وصعدَ بها إلى أقاصي الوجودِ والانتشارِ.
ولا يمكنُ تجاوزُ الريادةِ الشامخةِ لعلي بن علي الآنسي، الذي سكبَ روائعَ الغناءِ الصنعانيّ في قوالبَ تفيضُ بالهيبةِ والنورِ.
أو محمد مرشد ناجي، ذلك المجددُ والمؤرخُ والقامةُ الموسيقيةُ الوارفةُ التي زلزلتْ أركانَ الأغنيةِ الحديثةِ وأعادت صياغةَ هويّتِها.
إنّهم جميعاً كواكبُ مضيئةٌ في سماءِ الفنِّ، ولهم في نفوسِنا كلُّ الإجلالِ والتقديرِ والمحبةِ المستدامةِ.
لكنَّ تميزَ أيّوب وحيازتَهُ للقبِ "فنان الشعب" يرتكزانِ على حقيقةٍ ملموسةٍ، ميزتُه عن بقيةِ رفاقِ الدربِ.
أيّوب طارش، ومحمد مرشد ناجي هما الوحيدان بامتيازٍ مذهلٍ، اللذان غنيا بكلِّ لهجاتِ اليمنِ دونَ استثناءٍ، من الساحلِ التهاميِّ المشتعلِ باللوعةِ والحنينِ، إلى الجبلِ التعزيِّ الشامخِ بالصبرِ، وصولاً إلى الصنعانيّ والحضرميّ واللحجيّ.
كانا الإثنان ينتقلان بين هذه اللهجاتِ المتنوعةِ كمن يتحركُ بين غرفِ بيتِهِ الواحدِ، دونَ تكلّفٍ أو اصطناعٍ، وبأصالةٍ مدهشةٍ تجعلُ ابنَ كلِّ منطقةٍ يوقنُ تماماً أنَّ أيّوب، والمرشدي قد نبتا من طينِ قريتِيه، وتغذيا من مائِه.
غير أن ما يميز أيوب طارش عن المرشدي، وسائر المطربين اليمنيين هو أنه الوحيدُ الذي
تعامل ببراعةٍ نادرة مع النصِّ الحكَميِّ الصوفيِّ المترعِ بالزهد كقصائد الشيخ أحمد بن علوان، وعبد الرحيم البرعي، والإمام السامعي، وأبي العتاهية وغيرهم.
إنَّ مَنْ يتعاملُ مع ذلك الكمِّ الهائلِ والزاخرِ من القصائدِ التي لحنَها أو طوّرَ عوالمَها، لا يمكنُ أن يَصدرَ نتاجُه عن مَحضِ صدفةٍ عابرةٍ أو موهبةٍ غريزيةٍ مجردةٍ من الوعي.
لا يمكنُ لِهذا الشلالِ الإبداعيِّ أن يتدفقَ بهذا البهاءِ والخلودِ، إلا لأنَّ صاحبَهُ يمتلكُ عُمقاً معرفياً نادراً، وإدراكاً حاداً مَكّناه من فَهمِ أسرارِ ومكنوناتِ تلك النصوصِ وتفكيكِ شيفراتِها.
لقد غاصَ في جوهرِ الكلماتِ، وعرف خبايا البحورِ والإيقاعاتِ، مِمّا أتاحَ له إعطاءَ كلِّ قصيدةٍ ما يليقُ بها ويستحقُّه مَعناها من ألحانٍ ترفضُ النسيانَ وتستعصي على الأيام.
كانَ يجعلُ من اللحنِ غطاءً شفافاً يناسبُ جَسدَ القصيدةِ تماماً، فلا يَطغى النغمُ على الكلمةِ، بل يمتزجانِ في عناقٍ سرمديٍّ لِيُصبحا كائناً واحداً يُدعى "الأغنيّة الأيّوبيّة".
إنَّ هذا الفهمَ العَميقَ للتراثِ والكلمةِ، هو الذي صَيّرَ أغنياتِهِ وثائقَ وجدانيّةً وهويّاتيةً تُشكلُ الملامحَ الأساسيّةَ للشخصيّةِ اليمنيّةِ المعاصرةِ وتمنحُها مبرراتِ صمودِها.
حين يُغني أيّوب للأرضِ والترابِ، تشعرُ أنَّ الطينَ نفسَه هو الذي يرتلُ حنينَه، وحين يُغني للحبِّ والوجدِ، يمنحُ اللوعةَ طهارةَ العابدِ الزاهدِ في صومعتِه.
إنَّ الأثرَ الباقي لِهذا الصوتِ لا يتوقفُ عندَ حدودِ الإمتاعِ السمعيِّ العابرِ، بل يمتدُ لِيُصبحَ ركيزةً متينةً في بناءِ الجسورِ بين أجيالٍ تفرقتْ بها السبلُ وانقطعت بها حبالُ التواصلِ.
وعندما نُفتشُ في ثنايا الألحانِ التي صاغَها أيّوب طارش، نجدُ أنَّ الروحَ المبدعةَ لا تجدُ مستقرَّها إلا في السيرِ الحثيثِ نحو مَرافئِ الخلودِ الوجدانيِّ النقيِّ.
فالذين يظنونَ أنَّ البقاءَ في ذاكرةِ الشعوبِ يمكنُ أن يُشترى ببريقِ الدعايةِ، أو يُصنعَ في غرفِ التخطيطِ الباردةِ، يجهلونَ أنَّ المحبةَ الحقّةَ رزقٌ سماويٌّ يُساقُ لِمَنْ أخلصَ لِطينِ الأرضِ وتماهى مع أوجاعِ الكادحينَ.
الصدقُ الذي يتدفقُ من حنجرةِ أيّوب ليسَ موهبةً مُكتسبةً من دروسِ الأداءِ، بل هو فيضٌ إنسانيٌّ يخرجُ من قلبٍ ذاقَ مَرارةَ الغربةِ وعاشَ تفاصيلَ الكفاحِ في جبالِ اليمنِ وسهولِها.
لهذا السببِ، ظلَّ صوتُه عصياً على التقادمِ، وظلت نبرتُه قادرةً على إيقاظِ الشوقِ الكامنِ في نفوسِ الصغارِ والكبارِ، على حدٍّ سواءٍ، لِتُعيدَهم إلى النبعِ الأوّلِ كلّما أغرتْهم مساراتِ الحداثةِ الجافةِ.
إنَّ هذا الشلالَ النغَميَّ المستمرَ يَحملُ في طياتِهِ أمانةَ الصدى، ويحرسُ الأحلامَ الصغيرة لِلفلاحينَ الذين يترقبونَ المطرَ، ولِلمسافرينَ الذين يغزلونَ من خيوطِ الفجرِ أملَ العودةِ الوادعةِ لِديارِهم.
وفي الختامِ، لا نملكُ أمامَ هذا النبعِ المتدفقِ إلا أن نرفعَ قلوبَنا إجلالاً وتكريماً، لِنقولَ لِهذا الرمزِ الإنسانيِّ الكبيرِ: شكراً لكَ يا أيّوب.
شكراً لأنّكَ كنتَ، ولا زلتَ، الحقيقةَ الأجملَ فينا، تسكنُ تفاصيلَ أيامِنا المريرةِ والجميلةِ، وتمنحُنا القدرةَ على البكاء الصافي، الفرحِ النبيلِ، والرجاء لِغدٍ أفضلَ.
لقد كنتَ قامةً واعيةً هضمتْ روحَ الأمةِ تاريخَها، ومطرباً داوى جراحَها الثخينةَ، وصانعاً ماهراً صاغَ هويّتَها النغميةَ الفريدةَ التي نلوذُ بها كُلما عصفتْ بنا الأنواءُ.
ستظلُّ الحنجرةَ التي لم تخذلِ الأرضَ والإنسانَ يوماً، وسيظلُّ صوْتُكَ هو "صوتُ الأرضِ" النابضِ بالخلودِ والمحبةِ والسلامِ العالميِّ الشاملِ.
