الخميس 16 يوليو 2026

هل آن الأوان؟

إطلالة الرئيس رشاد العليمي تطلق شارة الخروج من طائلة الصبر الممل إلى رحاب الفعل المقتدر، فالسيادة إما أن تصان بقوة الفعل والإرادة الفاعلة، أو الصمت المريب. فما بعد امتهان السيادة، إن رافقها صمت مريب، مدلول خطير بالسياسة. يعني مثل ذلك أن رد الفعل لم يرقَ لمستوى المسؤولية التاريخية للدفاع عن سيادة وطن جرت عملية امتهانه عمدًا. هنا يصبح الأمر متعلقًا بالسؤال الأكبر: ولكن ماذا بعد هذا التحدي؟

الأوضاع التي على قاعدتها تأسس فعل عمدي لخرق سيادة البلد مرتبط بقراءات ذات أبعاد جيوسياسية، يدور فلكها حول الأمور التالية:

1. مآلات المواجهات الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.

2. معادلة هذه المآلات باتت أبعد من مذكرة التفاهم التي كانت نتيجة جهد الوسطاء، وتعمد الفهم المتباين لكل فقرة بين الخصمين، إيران وأمريكا، وعيون نتنياهو تتلصص.

3. ما زال المضيق بيضة القبان، وكلا الخصمين، إيران وترامب، يعتبره خاتمًا بمعصمه يحركه ويلمعه كما يشاء، وكما تشاء حكمته أو خيبته، مع أن المنطق يقول إن مسؤولية حمايته على دول الإقليم المطلة عليه، فما دخل نتنياهو وترامب؟ هي إذًا لعبة أمم من طراز خبيث.

4. الحرب قد قامت وأدت ما عليها، ولم يتحقق منها المراد.

5. نظام إيران ما زال يناور.

6. وضع ترامب رهين بعامل الوقت، لذا نراه يتخبط تخبط الغريق في مياه مضيق هرمز، وحلفاء له يدفعون الثمن، ولم يتحقق بعد الإنجاز المطلوب.

7. إعادة هيكلة الشرق الأوسط وفق هوى ترامب ونتنياهو.

8. ما زال الأمر مناطًا بأمريكا، وهي تقدم حالها قائدة للعالم، لتعيد ترتيب الأوضاع الأمنية لمنطقة الخليج أساسًا، والشرق الأوسط، وباقي العالم عمومًا، لكن وفق قراءات إبراهيمية. واضح أن إيران، وهي تدرك ذلك، تلعب لعبة أخرى لتدخل لعبة: عليَّ وعلى أعدائي، ليتحول هدم المعبد إليها ودول الجوار وتدفع الثمن، لا أمريكا البعيدة ولا إسرائيل التي تدفع بأمريكا للانتقال إلى مرحلة الحرب البرية للسيطرة على هرمز. وهنا ثالثة الأثافي، لذا يتأرجح موقف ترامب، وهو يمارس ألعابه بالساحة الإيرانية ضربًا وحصارًا، ومهما غالى نراه، وهو يتخبط، يبحث عن ذريعة لإنهاء الحرب الخاسرة التي غامر بدخولها بتحريض نتنياهو، يلوح بأنه لم يفقد الأمل بتاتًا بالتسوية السلمية مع إيران. إنها لعبة النفس الطويل، وإيران تمتلك فيها رصيدًا مشهودًا وإمكانات، ولعل إثارتها لمغامرة مطار صنعاء وراءه ما وراءه، أو كما يقال: ماذا وراء الأكمة؟

9. إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى تهييج أوضاع الاقتصاد الدولي في مجالي الطاقة وتزايد أسعارها وانعكاساتها، وتعطل سلاسل الإمداد، خاصة تضخم تأثير غياب الأسمدة على قطاع الغذاء، وعلينا إلقاء نظرة على حال الاقتصاد الأوروبي.

10. ترامب عيونه على تفاعلات الداخل الأمريكي والانتخابات القادمة خلال شهرين، وما بات يراه من تغول قوة التيار الليبرالي الاشتراكي، وتأثير تعاظم أصوات اليسار التي افتتح ميدانها ممداني، عمدة نيويورك. ترامب مرتبك من قوة تحمل إيران، ومن تفاعلات الداخل الأمريكي التي تأكل وتخصم من رصيده، واحتمالات تتعلق بنتائج الانتخابات، كما أن خلافاته مع الحلفاء الأوروبيين، حتى إن اجتماع الحلفاء بتركيا لم يشكل مسارًا جديدًا لحلف الأطلسي. وإسرائيل تلوح من بعيد بأنها، وإن تخلصت إلى حد ما من سموه وحدة الساحات من قبل حلفاء إيران، فإن عيونها شاخصة تجاه تركيا وما تمثله، ناهيك عن دور باكستان المتصاعد كقوة إسلامية نووية.

ذكرت ما سبق لأصل إلى المقصود، وهو: ماذا سيحدث بعد قصف مطار صنعاء؟ الرئيس العليمي يؤكد أن المواجهة لا تستهدف المدنيين ولا تريد إحداث أضرار بالممتلكات، كما أنه أكد أن المزيد من التصعيد ليس واردًا.

نقول: نعم، لا نريد مزيدًا من الحرب والدمار، ولكن ما البديل؟ ذلك سيتضح مع الساعات القادمة.

كيف ستتم معالجة حالة الطائرة الإيرانية الجاثمة بمطار الحديدة؟ وكيف ستدير المملكة أمورها مع شقيقتها سلطنة عمان؟ وكيف ستنظر لمستقبل علاقات إيران بالخليج، وهي تعيد تقييم آثار رحلتي الطيران الإيراني المتعدي للسيادة اليمنية، عابرًا أجواء سلطنة عمان، مع ما يعنيه كل ذلك؟

يظل واضحًا بأن توسيع رقعة الحرب الإيرانية الأمريكية هي أساسًا رغبة إسرائيلية، والمتضرر إلى جانب إيران جوارها الخليجي وباقي العالم، وبلادنا إن اتسع مدى ومجال الحرب لتعود بلادنا للاختراق بأتونها.

الأمر في منتهى التعقيد والخطورة من حيث عدم التفريط بالسيادة وويلات الحرب وآثارها المدمرة، والأمر برمته مرتبط بالوصول إلى حلول مقبولة لكل الأطراف تعالج الحرب وتأثيراتها المدمرة للمنطقة كلها. وعلينا الأخذ بعين الاعتبار أن تطورات طائرة مطار صنعاء، إن استمرت تسير سلبًا، ستعني في لحظة ما فتح جبهة باب المندب، إن اشتد الخناق على طهران، ليمثل باب المندب وساحة البحر الأحمر ملاذًا يخفف ما يتراكم من أعباء على كاهل طهران.

وهنا يبدو السؤال: كيف ستتحرك الأمور بين مآلات الحرب ومبتغى السلام، حيث تكمن مصلحة اليمن شعبًا وأرضًا، والخليج أيضًا؟ وهنا التحدي، والأيام حبلى بالمثير، والأمل أن تأتي بمولود يحمل السلم والأمان والاستقرار الدائمين لنا وللإقليم وباقي دول العالم، وفي البدء مدخلًا لحل مشكلة الشرق الأوسط والسلام الدولي، وعنوانه إقامة الدولة الفلسطينية. عدا ذلك سراب.