الخميس 16 يوليو 2026

حين يصبح التحريض وقوداً للعنف

الصحفي الذي تعرض للضرب وتحطيم كاميرته لم يكن الضحية الأولى لخطاب التحريض، ولن يكون الأخيرة ما لم تتوقف هذه الثقافة الخطيرة. فقد سبقته حالات عديدة دفعت ثمن الشحن والتعبئة التي تجعل من مجرد إطلاق وصف على شخص مبرراً للاعتداء عليه.

يكفي أن يصرخ أحدهم وسط جمع من الناس: "هذا إخواني"، حتى يندفع بعض المغرر بهم بعنف وكأنهم أمام عدو يجب القضاء عليه. والمفارقة المؤلمة أن حدة هذا السلوك قد تفوق أحياناً ما قد يحدث تجاه من يصفونه بخصم خارجي. وهذا يكشف حجم التشوه الذي أصاب الوعي عندما يتحول الخصم السياسي إلى هدف مباح.

إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس الاختلاف السياسي، بل استلاب العقول لشعار أو راية أو زعيم، حتى يصبح من يخالف الشعار خائناً، ومن ينتقد الراية متهماً، ومن يعارض الزعيم مستحقاً للإقصاء وربما الاعتداء. إنها عقلية لا تعرف من السياسة إلا قشورها، ولا من الحوار إلا ما يوافق أهواءها، ولا من الديمقراطية إلا ما يخدم مصالحها.

ما حدث ليس حادثة عابرة، بل مؤشر خطير على أن بعض المشاريع السياسية لم تعد تُقاس بقدرتها على بناء وطن يتسع للجميع، وإنما بقدرتها على إخضاع المختلف وإرهابه وإسكات صوته. وعندما يصبح الرأي جريمة، والنقد خيانة، والمخالفة سبباً للعنف، فإن الجميع يصبحون مهددين، مهما كانت انتماءاتهم.

لقد تحول خطاب الكراهية والإقصاء إلى بيئة خصبة لإنتاج العنف، وتحول الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من أن يكون مساحة للتعايش والشراكة. ومن يقول كلمة حق في زمن تحكمه عقلية الإقصاء قد يدفع ثمن موقفه غالياً، لكن الأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تستقر بالتحريض، وإنما بالعدالة، واحترام الإنسان، وحماية حق الجميع في الاختلاف.