قرارٌ غير مسبوق للمجلس الانتقالي الجنوبي.. إلى أين تمضي الأمور؟
تطورٌ لا فت ذلك البيان الذي أصدره المجلس الانتقالي الجنوبي باسم القوات المسلحة الجنوبية عبر قناة عدن المستقلة يوم الثلاثاء بعدم مشاركة القوات الجنوبية بالحرب ضد الحركة الحوثية، (يقصد البيان عدم المشاركة العسكرية بالعمق الشمالي)،فقد نفى البيان نفياً قاطعاً صدور أي بيان رسمي عنها يعلن المشاركة في أي عمليات عسكرية جديدة ضد الحوثيين، وذلك رداً على تسريبات وبيانات منسوبة إليها تم تداولها على نطاق واسع في اليومين الماضيين اللذان تليا واقعة الطائرة الايرانية.
ماذا يعني هكذا بيان موقف من المجلس الانتقالي الجنوبي؟…العلاقة السعودية مع الانتقالي تدهورت إلى أبعد حد بعد احداث حضرموت الدامية مطلع يناير كانون الثاني الماضي وخروج الانتقالي من شراكته السياسية مع مجلس الرئاسة الذي يترأسه الرئيس رشاد العليمي وحكومته.
فهذا الموقف للانتقالي أحدث حالة من الدهشة لدى الكثير من المراقبين بالداخل والخارج، فلطالما أبدى الانتقالي ولائه المفرط للتحالف دون مقابل أو وضع شروط ،وظل يتحدث عن نيته لخوض أي حرب حتى بالعمق الشمالي، بل ذهب قائده السيد الزبيدي ذات يوم إلى أبعد من ذلك، حين ابدى استعداده لأن يكون المجلس وقواته بيد التحالف رهن الاشارة ليضرب بها داخليا وحتى خارجيا،حسب الزبيدي.
وجه الدهشة ليس ان الانتقالي لن يشارك باية معركة قادمة ضد الحوثيين- ونقصد شمالا - فالمملكة التي انحصر التحالف بها لم تعد تخطط لاية مواجهة مع الحركة الحوثية لأسباب يطول شرحها بل في الهوة السحيقة التي تتسع بين الانتقالي والسعودية وتشي بأن العلاقة بينهما قد وصلت الى مرحلة شبه الطلاق البائن مما يعني بالضرورة أننا أمام مرحلة قادمة من تعقيدات مكثفة للمشهد جنوبا أمام فصل جديد من عدم اليقين.
هذه الصورة هي بالمناسبة انعكاسا واضحا لمرآة العلاقة المتدهورة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ، فالدولتان لا تخفيان أطماعهما وتنافسهما بالجنوب والشمال أيضا ،وكل منهما يتكىء لإنفاذ مصالحة على قوى محلية ،وهو الأمر الذي ألقى بظلاله القاتمة على المشهد برمته ،وكان سببا لما جرى في حضرموت وما يجري اليوم. فالامارات بالجنوب اعتمدت بشكل كبير على الانتقالي، فهي تجحظ بعينيها بقوة على مدن الموانئ والجُزر من المهرة شرقا حتى باب المندب مرورا بجزيرة سقطرى الاستراتيجية غربا بحكم اعتماد اقتصادها اي الإمارات على اقتصاد الموانئ والمناطق الحرة.ولما كانت حضرموت في صدارة حساباتها فقد حثت الانتقالي إلى التوجه صوبها ولكنها خذلته مع أول ضربة طيران سعودي استهدف القوات الجنوبية هناك مما جعل ظهر المجلس الانتقالي مكشوفا في صحارى وقفار حضرموت المهرة الشاسعة و يشعر بالغبن مما جرى، ويضع بالتالي السعودية في قائمة الأعداء بعد سنوات من الود ، وما هذا الموقف اليوم إلا واحدا من المواقف الغاضبة منه تجاه المملكة التي تدير له ظهرها بل وتمضي دون هوادة على تفكيكه وتكسير بندقيته.
لطالما نصحنا قيادات الانتقالي بان لا يذهب بعيدا بإبداء ولاء الطاعة للسعودية، وللإمارات أيضا، حرصا مِنا على بناء علاقة ندية متكافئة لا تابعا فيها ولا متبوع، ولئلا يكون الجنوب مجرد بندقية أجيرة بيد الغير، ولكن للأسف ذهبت نصائحنا أدراج الرياح.
اليوم ليس الانتقالي وحده من عاد القهقرى بل القضية الجنوبية برمتها عادت الى المربع الاول من الضياع والتشتت وهي القضية العادلة ملىء السماء والارض.
ومن على منبر موقع صحيفة" الند" الغراء التي وقفت ووقف نشرها الزميل السامي "سامي غالب "والتي نعود بكل زهو ومحبة للكتابة فيها بعد انقطاع طويل نتوخى من قيادات الانتقالي- او بالاحرى من بقي منها قابضا على جمر الوفاء- ومن كل القوى والشخصيات الجنوبية المؤمنة بعدالة هذه القضية الوطنية نتوخى تصحيح ما أفسدته العشرية الماضية وضبط بوصلتها بالاتجاه الصحيح دون ارتهان لأحد ولا تفريط بها، وبالوقت عينه فتح آفاق رحبة من التواصل مع كل القوى دون استثناء بالجنوب ومع قوى وأحزاب بالشمال بمن فيها أحزاب المؤتمر الشعبي العام بكل أجنحته والاصلاح والحركة الحوثية في صنعاء ومأرب والمخاء وإعادة ترميم العلاقة المتصدعة مع الاقليم للوصول إلى تسوية عادل للأزمة اليمنية وللقضية الجنوبية. فعشر سنوات من الاحتراب دون الوصول الى بر الامان كافية لمراجعة حسابات الجميع. فهذه الحرب قد وصلت الى درب مطروق من الفشل،ولم يعد بالتالي أمام الجميع سوى درب التسوية والمصالحة، فلا حلول تأتي من خلف الحدود، فما يأتي من هناك في أغلبه يكون مبعث للفتن والشقاق والمحن، هكذا يحدثنا التاريخ، وللتاريخ ذاكرة لا تخون ولاتتزهمر.
