سلام الشجعان (الطريق إلى استعادة الدولة وإنقاذ اليمن)
لم تعرف الأمم عبر التاريخ قرارًا أشد أثرًا في مصيرها من قرار الحرب أو قرار السلام؛ فالأول قد يُتخذ في لحظة انفعال أو تقدير خاطئ، لكن نتائجه تمتد لسنوات، وربما لأجيال، أما الثاني فلا يعني الضعف أو التراجع، بل قد يكون أسمى صور الحكمة السياسية حين يُقدِّم مصلحة الوطن على الحسابات الآنية، ويحفظ الدماء، ويصون الدولة من الانهيار.
واليمن اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي، بعد أكثر من أحد عشر عامًا من الصراع الذي استنزف الإنسان، وأرهق الاقتصاد، وأضعف مؤسسات الدولة، وترك ملايين اليمنيين يواجهون الفقر، والنزوح، وتعثر الخدمات الأساسية، وتأخر صرف المرتبات، وانسداد آفاق التنمية. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال: كيف ننتصر في معركة جديدة؟ بل كيف ننتصر لليمن نفسه، ونستعيد الدولة، ونعيد اللحمة الوطنية، ونفتح أمام الأجيال القادمة بابًا إلى مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.
إن مسؤولية القيادة، في مثل هذه اللحظات المفصلية، لا تُقاس بقدرتها على رفع سقف الخطاب، ولا باستدعاء المواجهات، وإنما بقدرتها على قراءة موازين القوى، واستشراف مآلات القرارات، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على كل اعتبار. فالتاريخ لا يخلّد من أشعل الحروب، بقدر ما يخلّد من امتلك الشجاعة لإيقافها حين أدرك أن استمرارها لن يورث إلا الخراب.
ومن هذا المنطلق، فإن تحقيق السلام العادل، وإنهاء الانقسام، واستعادة مؤسسات الدولة، ينبغي أن يكون القرار الوطني الأهم في هذه المرحلة، لأنه المدخل الحقيقي لإعادة بناء الاقتصاد، وتحسين معيشة المواطنين، وإطلاق مشاريع الإعمار والتنمية، وإعادة الثقة بين أبناء الوطن الواحد. فالأوطان لا تُبنى على أنقاض الصراعات المستمرة، وإنما تُبنى عندما تتوحد الإرادة الوطنية حول الإنسان بوصفه الغاية الأولى لأي سياسة رشيدة.
وقد علمنا الإسلام أن الأصل في العلاقات هو السلم، وأن الحرب استثناء تفرضه الضرورة، لا خيار دائم. كما جعل حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة، ودعا إلى دفع الفتن وحقن الدماء كلما وُجد إلى ذلك سبيل. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وهي مبادئ تؤكد أن الحكمة ليست في خوض كل معركة، وإنما في معرفة أي المعارك تستحق أن تُخاض، وأيها ينبغي تجنبها حفاظًا على الدين والوطن والإنسان.
دروس التاريخ: لماذا انتصرت الشعوب التي اختارت السلام؟
يكاد التاريخ الإنساني يجمع على حقيقة واحدة؛ وهي أن الحروب، مهما رفعت من شعارات، لا تُقاس بنتائج معاركها الأولى، بل بما تتركه من آثار بعيدة على الإنسان والدولة. فما أكثر الحروب التي بدأت تحت عناوين المجد والانتصار، ثم انتهت بخراب العمران، واستنزاف الموارد، وتمزيق المجتمعات. وفي المقابل، فإن كثيرًا من الأمم التي امتلكت شجاعة مراجعة قراراتها، واختارت طريق السلام في اللحظة المناسبة، استطاعت أن تستعيد قوتها، وتبني نهضتها من جديد.
لقد قدّم القرآن الكريم نماذج خالدة للحكمة في إدارة الأزمات وتجنب الصدام غير الضروري. ومن أبلغ تلك النماذج قصة ملكة سبأ، التي لم تستجب لحماسة قومها عندما أعلنوا استعدادهم للحرب بقولهم: ﴿نحن أولو قوة وأولو بأس شديد﴾، بل نظرت إلى ما وراء لحظة المواجهة، وقدّرت مآلاتها، وقالت قولتها التي خلدها القرآن: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾. فلم يكن قرارها نابعًا من ضعف، وإنما من بصيرة سياسية أدركت أن تجنيب شعبها ويلات الحرب أولى من خوض معركة مجهولة العواقب. وكانت النتيجة أن انتهى الموقف إلى السلام والهداية، لا إلى الدمار والاقتتال.
وفي السيرة النبوية، يُعد صلح الحديبية واحدًا من أعظم الدروس في القيادة الاستراتيجية. فقد قبل النبي محمد صلوات الله عليه شروطًا رآها بعض الصحابة قاسية، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشكلها في حينها، غير أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان ينظر إلى ما بعد اللحظة الآنية، ويقرأ المستقبل بمنطق القائد الذي يوازن بين المكاسب والخسائر. ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى وصف القرآن ذلك الصلح بقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾، لأنه فتح أبواب الأمن، وهيأ البيئة المناسبة لانتشار الدعوة، وأثبت أن السلام قد يكون أعظم انتصار عندما يحقق من المصالح ما تعجز عنه الحروب.
ولم تقتصر هذه السنن على التاريخ الإسلامي، بل تكررت في تجارب الأمم عبر العصور. فالحروب الصليبية، التي استمرت قرابة قرنين من الزمن، أزهقت أرواح الملايين، واستنزفت مقدرات الشرق والغرب، وانتهت في النهاية إلى ما كان يمكن الوصول إليه منذ البداية؛ وهو الاعتراف بضرورة التعايش، وفتح أبواب التجارة والتواصل، وتبادل المصالح بين الشعوب. وما عجزت عنه السيوف طوال مائتي عام، حققته المصالح المشتركة والحوار في سنوات قليلة، لتتحول العلاقة بين الطرفين لاحقًا إلى تعاون حضاري واقتصادي امتد أثره قرونًا.
وفي العصر الحديث، تقدم اليابان نموذجًا بالغ الدلالة. فبعد الحرب العالمية الثانية كانت البلاد مدمرة، ومدنها الكبرى ركامًا، واقتصادها منهارًا، وشعبها يواجه ظروفًا قاسية. ومع ذلك، اختارت قيادتها أن توقف الحرب، وأن تحول موارد الدولة من ساحات القتال إلى ميادين التعليم والصناعة والبحث العلمي. وخلال عقود قليلة، أصبحت اليابان واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم، ولم يتحقق ذلك بالسلاح، بل ببناء الإنسان.
ولم تكن ألمانيا الغربية بعيدة عن هذا المسار. فبعد أن خرجت من أكثر الحروب تدميرًا في التاريخ الحديث، لم تجعل من الثأر مشروعًا للمستقبل، بل جعلت من إعادة البناء والمصالحة والانفتاح الاقتصادي أساسًا لنهضتها، حتى أصبحت لاحقًا القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، وشريكًا رئيسيًا للدول التي كانت تخوض ضدها الحرب قبل سنوات قليلة.
أما رواندا، فقد قدمت للعالم واحدًا من أكثر الدروس إيلامًا وإلهامًا في الوقت نفسه. ففي عام 1994 شهدت البلاد إبادة جماعية راح ضحيتها نحو ثمانمائة ألف إنسان خلال مائة يوم فقط، ووصل الانقسام المجتمعي في راوندا إلى حد أن قتل الجار جاره، والابن أباه، وأبلغ بعض الآباء عن أبنائهم، وتفككت الأسرة الواحدة تحت وطأة الكراهية. وكان من السهل أن يستمر مسلسل الانتقام لعقود، لكن القيادة السياسية اختارت طريقا آخر؛ طريق العدالة والمصالحة الوطنية، وإنشاء مؤسسات للحقيقة والمساءلة، وإعادة دمج المجتمع. وبعد سنوات، تحولت رواندا إلى واحدًا من أسرع الاقتصادات نموًا في إفريقيا، وأصبحت تجربتها تُدرَّس بوصفها نموذجًا في تجاوز آثار الحروب الأهلية.
وتتكرر الصورة ذاتها في جنوب إفريقيا، حيث خرجت البلاد من عقود طويلة من الفصل العنصري دون حرب أهلية شاملة، لأن قيادتها آمنت بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى بالانتقام، وإنما بالمصالحة والعدالة والاعتراف بالحقوق. كما شهد لبنان، بعد خمسة عشر عامًا من الحرب الأهلية، أن لا سبيل لإنقاذ الدولة إلا بالحوار والتسوية السياسية، مهما كانت صعوبتها.
إن الجامع بين هذه التجارب جميعًا ليس تشابه الظروف، وإنما تشابه الحكمة. فكل تلك الشعوب أدركت، بعد أن دفعت أثمانًا باهظة، أن استمرار الصراع لن يحقق لها ما عجزت عن تحقيقه سنوات طويلة من القتال، وأن السلام لم يكن نهاية الكرامة، بل بداية استعادة الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد، وعودة الإنسان إلى ممارسة حياته الطبيعية.
وهذه هي الرسالة التي يكررها التاريخ بلا انقطاع: ليست البطولة في إطالة أمد الحروب، وإنما في معرفة اللحظة التي يصبح فيها السلام هو القرار الأكثر شجاعة، والأكثر وفاءً لمصلحة الوطن، والأكثر حفاظًا على الإنسان.
ولنتساءل: لماذا أصبحت الأولوية للسلام وإعادة بناء الدولة؟
إذا كانت الأمم الرشيدة تستفيد من دروس التاريخ قبل أن تتخذ قراراتها الكبرى، فإن اليمن اليوم أحوج ما يكون إلى قراءة واقعه بعين العقل لا بعاطفة اللحظة. فبعد أكثر من أحد عشر عامًا من الحرب والانقسام، لم يعد أحد يستطيع إنكار حجم الكلفة التي تكبدها الوطن، ولا حجم التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع والاقتصاد.
لقد أثقلت الحرب كاهل اليمنيين، وتعطلت عجلة التنمية، وتراجعت الخدمات الأساسية، وتدهورت قيمة العملة في أجزاء واسعة من البلاد، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة، وتوسعت دائرة النزوح، وأصبح ملايين المواطنين يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية. كما تعثرت عملية صرف المرتبات لفئات واسعة من موظفي الدولة، وتأثرت معاشات المتقاعدين، وتراجعت قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى كل موارده وإمكاناته لإعادة البناء، لا إلى استنزافها في صراعات مفتوحة.
إن أية دولة تواجه مثل هذه الظروف تجعل من استعادة الاستقرار أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل؛ لأن التنمية لا تزدهر في ظل المدافع، والاستثمار لا يأتي إلى مناطق الصراع، والمؤسسات لا تستعيد فاعليتها في ظل الانقسام، كما أن المواطن لا يستطيع أن يبني مستقبله في بيئة يغلب عليها الخوف وعدم اليقين.
ومن هنا، فإن إنهاء الانقسام واستعادة اللحمة الوطنية ليسا مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة وجودية تسبق كل الملفات الأخرى. فلا يمكن بناء اقتصاد قوي في وطن منقسم، ولا إعادة إعمار المدن والقرى دون مؤسسات دولة موحدة، ولا استعادة ثقة الداخل والخارج في ظل استمرار الصراع.
وخلال الأعوام الأحد عشر الماضية، شهد اليمن تطورات إقليمية ودولية متلاحقة انعكست بصورة مباشرة على أوضاعه الداخلية، سواء من خلال اتساع رقعة المواجهات في بعض المحافظات، أو التوترات المرتبطة بالبحر الأحمر، أو الضربات العسكرية التي استهدفت المطارات والموانئ ومحطات الكهرباء والمنشآت الاقتصادية ومصانع الأسمنت، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وما نتج عنها من تعقيد إضافي للأوضاع الاقتصادية والإنسانية. وكل ذلك يؤكد أن اتساع دائرة الصراع لا يزيد معاناة اليمنيين إلا عمقًا، ويجعل مهمة التعافي أكثر صعوبة وكلفة.
ومن هنا تبرز مسؤولية متخذ القرار السياسي والعسكري. فالقرارات المتعلقة بالحرب ليست شأنًا عاطفيًا، ولا تُبنى على ردود الأفعال أو الخطابات الحماسية، وإنما على دراسة دقيقة لموازين القوى، وحساب المصالح الوطنية، وتقدير الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية، واستشراف ردود الفعل المحتملة. فالقائد الناجح لا يقيس نجاحه بعدد المعارك التي يخوضها، وإنما بعدد الأرواح التي يحميها، والمؤسسات التي يحافظ عليها، والفرص التي يهيئها لشعبه كي يعيش بأمن وكرامة.
وليس من الحكمة أن تُزج دولة تعاني أصلًا من أزمات داخلية مركبة في صراعات إقليمية أو دولية تزيد من أعبائها، مهما كانت الدوافع أو الشعارات. فالقضايا العربية والإسلامية هي مسؤولية جماعية، تتشارك فيها الدول وفق إمكاناتها وقدراتها، أما واجب كل قيادة تجاه شعبها فهو أن تجعل حماية الوطن، وصيانة وحدته، وتأمين حياة مواطنيه، في مقدمة أولوياتها.
ولا يعني ذلك الانعزال عن قضايا الأمة أو التخلي عن المواقف المبدئية، وإنما يعني ترتيب الأولويات وفق قاعدة شرعية وعقلية راسخة، وهي أن فاقد القدرة على معالجة أزماته الداخلية لن يكون أكثر قدرة على معالجة أزمات الآخرين. ولذلك، فإن إعادة بناء الدولة اليمنية، وإنهاء الانقسام، وتحقيق السلام المستدام، تمثل اليوم أعظم إسهام يمكن أن يقدمه اليمن لنفسه أولًا، ولمحيطه العربي والإسلامي ثانيًا.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي استنزفت نفسها في الحروب الطويلة دفعت أثمانًا باهظة، بينما استطاعت الشعوب التي اختارت السلام في الوقت المناسب أن تعيد توجيه مواردها نحو التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والاستثمار، وبناء الإنسان. واليمن ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو يمتلك رصيدًا حضاريًا عريقًا، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وثروة بشرية قادرة على النهوض إذا توافرت لها بيئة مستقرة ومؤسسات فاعلة ورؤية وطنية جامعة.
ولعل أعظم ما يحتاجه اليمن اليوم هو الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة الدولة؛ فالانتصار الحقيقي لا يقاس بما يتحقق في ميدان القتال، وإنما بما يتحقق في ميادين التعليم والإنتاج والاقتصاد، وبقدرة الدولة على توفير الأمن والعدالة والعيش الكريم لمواطنيها. فالأوطان لا تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة، وإنما بعدد المدارس والمستشفيات والمصانع والجامعات التي تُبنى، وبمستوى الحياة الذي ينعم به المواطن.
لقد آن الأوان لأن يصبح السلام مشروعًا وطنيًا جامعًا، لا هدنة مؤقتة، وأن تكون إعادة بناء الإنسان اليمني قبل إعادة بناء الحجر، وأن تُوجَّه الطاقات والإمكانات نحو التنمية بدلًا من استنزافها في صراعات لا رابح فيها. فاليمن الذي أنجب عبر التاريخ حضارات عظيمة، قادر على أن يستعيد مكانته، متى ما اجتمعت إرادة أبنائه على أن المستقبل يُصنع بالحكمة، لا بإطالة أمد الحرب، وبالوحدة، لا بالانقسام، وبالدولة، لا بالصراع.
