السبت 11 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • تأثير الحرب على واقع التعليم ومستقبله في اليمن

تأثير الحرب على واقع التعليم ومستقبله في اليمن

يُعد قطاع التعليم في اليمن من أكبر ضحايا الصراع المستمر منذ أكثر من عقد. بعد أن كان التعليم يواجه تحديات هيكلية واقتصادية قبل الحرب، تحول بفعل الصراع إلى بيئة طاردة ومهددة لمستقبل الأجيال. وتبرز أهمية قطاع التعليم بأنه يستهدف 60% من السكان والذين هم في الفئات العمرية أقل من 24 سنة (ما يساوي أكثر من 24 مليون نسمة) حسب إحصائيات الأمم المتحدة للسكان في اليمن، وهذه الفئات تشمل التعليم الأساسي والثانوي والجامعي،

فالمشهد التعليمي الحالي يتسم بانهيار شبه كامل في البنية التحتية والمنظومة المؤسسية، ويمكن تلخيص أبرز مظاهره في النقاط التالية:

- تدمير البنية التحتية للمدارس، تضررت آلاف المدارس نتيجة الغارات الجوية لدول التحالف، أو تحولت إلى ثكنات عسكرية ومستودعات، أو استُخدمت كمراكز إيواء للنازحين.

- انقطاع مرتبات المعلمين، يعاني المعلمون في المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف الصراع من انقطاع المرتبات لسنوات، مما دفع الكثير منهم إلى هجرة التدريس والبحث عن أعمال بديلة لتوفير قوت يومهم.

- ارتفاع معدلات التسرب من التعليم، تشير التقارير الدولية إلى وجود ملايين الأطفال خارج المدرسة وخاصة الفتيات، إما بسبب النزوح، أو الفقر المدقع الذي يجبر العائلات على الدفع بأطفالها إلى سوق العمل (عمالة الأطفال)، أو بسبب تجنيد القاصرين.

- تسييس المناهج التعليمية، استغلت بعض أطراف النزاع المدارس لتغيير المناهج الدراسية وإدخال أيديولوجيات طائفية أو سياسية، مما يهدد السلم الاجتماعي والهوية الوطنية.

ولم تعد الحرب في اليمن مجرد عامل تدمير للبنية التحتية التعليمية فحسب، بل أفرزت واقعاً جيوسياسياً أدى إلى تجزئة المنظومة التعليمية إلى نظامين منفصلين بآليتين مختلفتين.

فالتعليم في مناطق سلطة عدن يعيش تدهوراً مستمراً ومقلقاً، بسبب إنخفاض المستوى المعيشي لأرباب الأسر وللمدرسين الناتج عن تدهور القوة الشرائية للعملة والارتفاع الحاد لأسعار السلع الاستهلاكية، وهذا يرجع إلى السياسات المالية والنقدية الخاطئة التي أتبعتها سلطة عدن، إضافة إلى الإضرابات المتكررة للمعلمين للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية وصرف مرتباتهم دون إنقطاع، مما تسبب في إغلاق المدارس لأسابيع وأشهر طويلة خلال العام الدراسي الواحد، وضياع المحتوى المعرفي على الطلاب.

وفي مناطق سلطة صنعاء، تنصلت الحكومة عن دفع مرتبات المدرسين مما أثر سلبا على إنتظام العملية التعليمية في معظم المدارس وخاصة في المناطق الريفية، وهذا أدى إلى تدهور المستوى العلمي لمخرجات التعليم الأساسي والثانوي، كما تم دمج ثلاث وزارات أساسية (التعليم العام، التعليم الفني والتدريب المهني، والتعليم العالي والبحث العلمي) في كيان وزاري واحد، وقد أدى هذا الدمج غير المدروس إلى ترهل إداري حاد، وضعف شديد في أداء كل مستوى تعليمي؛ حيث تلاشت الخصوصية الأكاديمية والمهنية لكل قطاع، وذابت الميزانيات والجهود في قالب بيروقراطي واحد عاجز عن تلبية متطلبات أي منها. ويلاحظ، أيضا، السيولة المفرطة في منح الشهادات العليا وخاصة الدكتوراه من الجامعات في مناطق صنعاء بدون الإلتزام بأبسط معايير التأهيل للدراسات العليا، مقارنة بما هو متبع في معظم الجامعات العربية والأجنبية، مما يضع علامة استفهام كبيرة حول نوعية مخرجات هذا النوع من التعليم، وحول القيمة العلمية لذلك النوع من الأطروحات والشهادات، ويطرح أسئلة جادة حول جودة هذه البرامج وإسهاماتها العلمية والأكاديمية،

ورغم الانقسام الإداري والسياسي والاقتصادي، يلتقي النظامان في صنعاء وعدن في ممارسات ونتائج كارثية موحدة تعصف بالعملية التعليمية من الداخل، فالنظامان يتشاركان في تعريض المعلم لسياسة التجويع؛ فبينما انقطعت المرتبات تماماً في مناطق صنعاء لسنوات، تآكلت القيمة الشرائية لمرتبات المعلمين في مناطق عدن بسبب الانهيار التاريخي للعملة المحلية وتأخر صرفها، مما جعل "عدم القدرة على العيش من مهنة التدريس" قاسماً مشتركاً بين معملي اليمن شرقا وغرباً وشمالاً وجنوباً.

وتحول الغش في الامتحانات (خاصة الشهادتين الأساسية والثانوية) من سلوك فردي إلى ظاهرة مجتمعية ومؤسسية مقننة بتواطؤ أو عجز من السلطات التعليمية في كلا الجانبين. ويُعد هذا الانتشار تدميراً ممنهجاً لمبدأ تكافؤ الفرص، ونسفاً للقيمة العلمية للشهادة اليمنية محلياً ودولياً. إضافة إلى بروز ظاهرة عزوف الطلاب عن الالتحاق في كليات التربية في مناطق صنعاء وعدن أو قبول الطلاب فيها بمعدلات نجاح منخفضة جدا، مما يعني وجود كارثة مستقبلية لندرة المعلم الكفوء وعدم توفر المعلمين بشكل عام للقيام بمهام التدريس في مدارس التعليم العام،

وفي ظل هكذا وضع، فإن المستقبل لقطاع التعليم سيؤكد شرعنة جيلين بهويتين متناقضتين، فاستمرار الانفصال وتسييس التعليم سينتج مخرجات تعليمية متباينة فكرياً وثقافياً، مما يجعل إعادة دمج المنظومة التعليمية مستقبلاً أمراً شبه مستحيل. كما سيقود الوضع إلى الانهيار الكلي للتعليم المهني والجامعي، بسبب إهمال قطاع التدريب الفني والتعليم العالي في صنعاء نتيجة الدمج، وتدهوره اقتصادياً في عدن، وستفقد اليمن مخزونها من الكفاءات المهنية والأكاديمية.

وإجمالا، لا بد على كل المهتمين بقطاع التعليم، في كل من سلطتي عدن وصنعاء، إتخاذ كافة الضغوط لاعتبار منظومة التعليم في اليمن قطاعا سياديا ومحايدا، وتأسيس "صندوق وطني مستقل لمرتبات المعلين" تشرف عليه جهة دولية محايدة (مثل اليونيسف) يتم تغذيته من الموارد السيادية والمساعدات الدولية لضمان صرف راتب عادل وموحد لجميع المعلمين في اليمن دون استثناء سياسي. وإعلان "حالة طوارئ تربوية" لمكافحة الغش، من خلال تشكيل لجان رقابة مجتمعية ومستقلة للإشراف على الامتحانات، وإلغاء المراكز الاختبارية التي يثبت فيها التواطؤ، لحماية ما تبقى من سمعة التعليم اليمني. وضرورة وضع المعايير الوطنية للرقابة والتفتيش التربوي، بعيداً عن الولاءات السياسية أو الحزبية في كلا السلطتين. إضافة إلى أهمية مراجعة برامج منح شهادات الدكتوراه وضرورة إتباع القواعد والمتطلبات الأكاديمية والعلمية للقبول في هذه البرامج والحرص على التأهيل العلمي السليم للمنتسبين لهذه البرامج، حتى يكون هناك تميز نوعي في المخرجات، وفي الإنتاج العلمي والأكاديمي يتنافس مع نظرائه في الجامعات العربية والأجنبية،