شيخ مشائخ الجنس الأسود!
لا بأس أن نعود إلى الوراء، إلى زمن الإمام أحمد رحمه الله، كإنسان.
كانت سنة الجوع، هكذا كان أهلنا يصفونها عندما يتذكرونها. توافدت البرقيات إلى الإمام أن ينقذهم، وقرؤوا له البرقيات حتى توقف أمام برقية التوقيع الذي عليها: "شيخ مشائخ الجنس الأسود". سأل الإمام:

من هذا؟
قيل له:
هذا الشيخ عبدالله عبدان.
ابتسم الإمام وقال:
ذكي، أعطوه قبل الآخرين
لتثبت الصفة.
تذكرته، ربما للمرة الألف، عندما قرأت لـ أو عن القيرعي مقالة تطالب بإعطاء المهمشين حقوقهم.
دعوني أقول، مثلما نقول، بدون تلوين: "الأخدام"، وهم في الأول والآخر بشر مثلنا. ولو سألتني: من هو من أكثر الناس احترامًا لك؟
لقلت فورًا: الرز.
الشيخ عبدالله عبدان أحد أولئك الذين ركبوا البحر، وفي مارسيليا كان هو، وهائل سعيد، والبحار المخلد في قريتنا، وذاكرتنا الجمعية "محمد سلام خويلد"، من عاش الدنيا بطولها وعرضها، وعرف من اللحم الأبيض هناك ما لم يعرفه ويتذوقه كثيرون... تعمر حوالي الـ110 سنوات، وعبدان 113 عامًا، وظلت ذاكرته حية إلى أن غادرنا.
كنا أصدقاء، برغم فارق العمر الكبير، وكان دائمًا يرسل إليَّ رسائل شفوية تعلمني عنه وعن حياتهم الكثير.
ذات رسالة شفوية قال لحاملها: قل لبجاش: ما عاد بيننا الأشبرين، رسالة بعد أن ذهب حفيده إلى دمشق.
ومرت الأيام،
وتغيرت الأحوال، وصار "الأخدام" "مهمشين"، وأنا أقول عنهم: بشرًا مثلنا، لا أخدام ولا مهمشين... وحكايتهم مرتبطة بالتطور...
ضاقت الأحوال، أرسل إليَّ رسالة قال فيها: الجامعيين ما عاد رضوا يضربوا على الطاسة والمرفع أيام الأعياد وفي الأعراس.. متنا جوع!!
قلت: هل الجامعة هي السبب؟
قال: لا،
بل هو دبورنا، قلنا نشتي "نتقبيل" ونقع مشائخ مثلكم، والآن ضعنا..
قد كنا الغداء من بيت "ستي"، والصبوح من بيت "سيدي"، ما رضينا.. والمجتمع رفض أن يقبلنا بحلتنا الجديدة، ونحن غلطنا...
قالت حفيدته: تخرجت من، ذهبت بملفي إلى الخدمة، "قرحت الحرب"، عدت خادمة!!
سلام الله عليه.
