الجنوب وتجريف الذاكرة (8)
المتتبع للتركيبة العشائرية في الجنوب اليمني سيجد أن أغلب عشائر المحافظات الجنوبية متفرعة عن عشائر شمالية، وفي الشمال توجد مئات العشائر ذات الأصول الجنوبية تتداخل في تركيبة سكان محافظات الشمال. ومن العشائر القاطنة في الجنوب وهي عشائر ذات أصول شمالية، عشيرة "آل كثير" وعشيرة "آل قعيط"، ويعود نسب "آل كثير" إلى "همدان" القبيلة اليمنية المشهورة، والتي ذكرها الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في واحد من أبياته الشعرية، فقال:
"ولو كنت بوابًا على باب جنة/ لقلت لهمدان ادخلي بسلام"
وهذه القبيلة لاتزال قاطنة في أكثر من أربع محافظات في الشمال اليمني.
وأما "آل قعيط" فلايزال لهم تواجد وحضور في محافظات شمالية، وفي محافظة تعز، وتحديدًا في قضاء الحجرية، وتسكن في مديرية المعافر في عزلة السواء، وتنقسم إلى قسمين: "قعيطة الجبل" و"قعيطة الوادي".
وقد أقام "آل كثير" و"آل قعيط" سلطنات في مناطق الجنوب، وتحديدًا في حضرموت، وظلت هذه السلطنات قائمة حتى استقلال جنوب اليمن عن الاستعمار البريطاني عام 1967م.
وبالمقابل، استوطنت عشائر جنوبية أغلب مناطق الشمال، ومن تلك العشائر "آل السقاف" المعروفة مناطقهم بالحضارم، وسكنوا قضاء الحجرية وتهامة واب وصنعاء، ومازالت مناطقهم هجرًا للعلم، ولرجال هذه العشيرة حضور في المشهد السياسي والقبلي اليمني الشمالي، ومنهم الوزراء والقادة والمصلحون ورجال الأعمال والصحافة، وأبرزهم الدكتور الشهيد عبدالعزيز ياسين السقاف، صاحب جريدة "يمن تايمز"، وابنته الوزيرة نادية السقاف، ولآل السقاف حضور واسع في المناطق الوسطى من اليمن، وفي مديرية نهم شرق صنعاء لهم حضور كبير في الأوساط القبلية، ويحظون باحترام وتقدير القبائل هناك، وفي مديرية المواسط بمحافظة تعز يتواجد آل السقاف في عزلتي بني حماد وبني يوسف، وفي خولان توجد عشيرة آل السقاف، ومنهم الشاعر الذي قال أشهر زوامل الحرب الجمهورية الملكية أثناء حصار صنعاء، إذ قال:
"حيد الطيال اعلن وجاوب كل شامخ في اليمن
ما بانجمهر قط لو نفنى من الدنيا خلاص
لو يرجع أمس اليوم والا الشمس تشرق من عدن
والأرض تشعل نار وامزان السما تمطر رصاص"
وفي مدن "تهامة" اشتهرت قامات كبيرة تعود أصولها إلى حضرموت، منهم الأستاذ عبدالرحمن عبدالله الحضرمي، والشيخ عبدالرحمن الطيب بعكر الحضرمي، والشيخ مهدي أمين الصافي، العالم الفلكي المعروف، مؤلف النتيجة الفلكية المعروفة بنتيجة بيت الفقيه. وإلى حضرموت ينسب الشاعر المتصوف الكبير عبدالرحيم البرعي المهاجري.
وإذا عدنا إلى التاريخ الإسلامي، سنجد أن هناك الكثير من القادة الكبار القادمين من الجنوب، وحكموا مدن الشمال حتى صعدة، وأولهم القائد علي بن الفضل، مؤسس الدولة القرمطية في اليمن، العائدة أصوله إلى قبيلة "خنفر"، التي مازالت واحدة من مناطق محافظة أبين المنسوبة لتلك القبيلة، وقد اتخذ علي بن الفضل من مذيخرة في العدين عاصمة لحكمه حتى اغتاله العباسيون بواسطة طبيب دس له السم، مما أدى إلى وفاته.
وإذا قرأنا التركيبة العشائرية والاجتماعية شمالًا وجنوبًا، سنجد أن هناك زعماء من أصول جنوبية حكموا الشمال، وأن زعماء من أصول شمالية حكموا الجنوب، فعشيرة الفقراء التي ينتمي إليها الرئيس الجنوبي الأسبق سالم ربيع علي الفقير، هي عشيرة شمالية وأصولها في مديرية نهم. وقد ذكر مكان تواجد تلك العشيرة الأستاذ محمد عبدالقادر بامطرف، في كتابه "جامع شمل أعلام المهاجرين المنتسبين إلى اليمن وقبائلهم".
وعلى العكس، فقد كانت أصول الرئيس الجنوبي الأسبق عبدالفتاح إسماعيل في الشمال، وتحديدًا في منطقة الجوف، إذ ينسب الرئيس عبدالفتاح إسماعيل إلى أشراف الجوف المعروفين بالأشراف "آل الضمين". وقد ذكر الشيخ سنان بن عبدالله أبو لحوم في مذكراته "اليمن حقائق ووثائق عشتها"، أنه التقى الرئيس عبدالفتاح إسماعيل في الكويت، على هامش انعقاد قمة الكويت، وذكر أن الرئيس عبدالفتاح إسماعيل أخبره أنه من قبيلة بكيل اليمنية، وأن أصوله في الجوف. وقد ورد اسم الرئيس عبدالفتاح إسماعيل في أول تشكيلة وزارية عقب الاستقلال باسم عبدالفتاح إسماعيل عمر الجوفي، وهو الرئيس الذي في عهده وصلت القوات الجنوبية بقيادة العميد صالح مصلح قاسم، إلى مشارف نقيل يسلح الواقع في ضواحي العاصمة، عام 1979م.
ويذكر التاريخ أن قوات عبدالله بن يحيى العلوي، الخارج من حضرموت، وصلت إلى صنعاء، ومنها انطلق ليحتل مكة المكرمة.
وعندما نورد في هذه السطور هذه الأسماء سواء كانت من الشمال أو من الجنوب، إنما لنؤكد أن الشمال والجنوب من أصل واحد، والدليل وجود تلك العشائر وتلك الأسماء في الجانبين، ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك، وذلك التداخل العجيب يؤكد أننا كنا في يوم من الأيام أسرة واحدة وبلدًا واحدًا.
وإذا قرأنا التاريخ اليمني القريب سنجد أن الثورة اليمنية في صنعاء عام 1962م دافع عنها أبناء الجنوب وأبناء الشمال، وحين اندلعت ثورة 14 أكتوبر عام 1963م، منطلقة من جبال ردفان، كان السلاح الذي بيد الثوار قادمًا من الشمال، والذين خاضوا معارك التحرير في عدن ضد المستعمر البريطاني كان منهم الكثير من أبناء الشمال. وعندما قامت حكومات اليمن الجمهوري شمالًا وجنوبًا، كانت حكومات عدن المتتالية حتى عام 1990م، تضم عددًا من الوزراء العائدة أصولهم إلى الشمال، وكانت حكومات صنعاء تضم عددًا من الوزراء العائدة أصولهم إلى الجنوب. وأيام الكفاح المسلح، وأثناء الصراع بين الفصائل المسلحة في عدن، كانت تعز ملاذًا آمنًا لجبهة التحرير وللهاربين من تلك الحرب. وعلى العكس كانت عدن ومدن جنوبية ملاذًا للهاربين من الشمال عقب المواجهات المسلحة في صنعاء بين قوات جمهورية عقب أحداث أغسطس عام 1967م. وفي سنوات حرب المناطق الوسطى كانت عدن المدينة التي احتضنت الآلاف من النازحين جراء تلك الأحداث، ومازالت مدن الشمال والجنوب تحتضن نازحي تلك الحروب إلى اليوم، سواء كانت في صنعاء أو كانت في عدن. وقد استقبلت عدن قوات المظلات وقائدها عبدالله عبدالعالم السقاف، عام 1978م، وبالمقابل استقبلت صنعاء ومدن شمالية أخرى قوات جنوبية بقيادة الرئيس الجنوبي علي ناصر محمد، عقب أحداث يناير عام 1986م.
وحقائق التاريخ القديم والوسط والحديث تؤكد أن اليمن تظل تحتضن أبناءها شمالًا وجنوبًا في كل الظروف، وفي مختلف المراحل. وفي فترات الشتات يظل اليمن الأصل ملاذًا لكل أبنائه، وفي عهد الحروب والحواجز يظل الحلم بدولة عادلة تحكم هذه المساحة، وتلملم هذا الشتات، وتنتصر لحق سكانها بالحياة الكريمة والعيش الكريم أينما كانوا. وما يعتمل في الواقع الجنوبي اليوم ما هو إلا مراهقة سياسية لا علاقة لأبناء الجنوب بها، ويقف وراءها مستفيدون من الخارج يدعمون إحدى دول الإقليم لتكون الوكيل الحصري لذلك، وتحاول تلك المراهقة تجريف ذاكرة التاريخ شمالًا وجنوبًا، وهذا التجريف يبدو ظاهرًا في الإعلام ووسائل التواصل في الجنوب، وخصوصًا تلك الوسائل التي تعمل على تهييج الشارع الجنوبي ضد أبناء الشمال البسطاء العاملين في مدن الجنوب، المتعاطفين مع القضية الجنوبية أكثر من هؤلاء الذين يسيئون للجنوب وعاداته وتقاليده وأخلاق أبنائه، متناسين أن الجنوب كان منبرًا للتعايش الإنساني الذي يضرب به المثل. وكانت عدن العاصمة في يوم من الأيام تجمعًا للبشر من مختلف القارات ومن مختلف الأديان والأعراق، ومازالت معابد وقبور معتنقي تلك الديانات موجودة في عدن، شاهدة على ذلك التسامح، وشاهدة على ذلك الرقي الإنساني الفريد.
