عبدالله أبو الغيث.. صلابة المبدأ وأستاذية التخصص

ثمة نماذج إنسانية استثنائية يصح القول عنها إنها وُلدت ناضجة، وعاشت بالحرية وللحرية، إن لم تكن مكتملة الصفات؛ رجولةً ورشداً ونباهةً وفراسة. نماذج عصية على الترويض، عنيدة التطويع على غير ما تؤمن به، صعبة التكيف مع اللاقناعة واللاحقيقة، وترفض الانخراط في ثقافة السوق السياسي والنخاسة الحزبية.
وأشهد أن البروفيسور/ عبدالله أبو الغيث، أستاذ التاريخ والحضارات القديمة بجامعة صنعاء، واحد من أبرز هذه النماذج؛ شخصية جمعت بين الصلابة الأخلاقية والرصانة العلمية، وبين الاستقلال الفكري والثبات على المبدأ.
عرفته عن قرب، فوجدته صاحب رأي مستقل لا شريك له في تكوين قناعاته، وخبرته عن تجربة فوجدته من أكثر الناس التزاماً بما يؤمن به، ورضاً بفلسفة الصرامة مع الذات قبل الآخرين. وإذا كانت مؤلفاته وأبحاثه العلمية المحكمة، ومقالاته الفكرية والسياسية الجريئة، قد كشفت بوصلة توجهاته الفكرية ومنهجه في التفكير، فإنها في الوقت ذاته تعكس عقلانية الرؤية، وموضوعية القراءة، وتقدم للمتلقي عالماً متمكناً في تخصصه، وخبيراً نبيهاً في مجاله.
لم أجده إلا عاشقاً للحقيقة، ومنتصراً للموضوعية التاريخية والفكرية، ومناضلاً في سبيل الحرية والمواطنة المتساوية. يمقت التزلف والخنوع، ويستهجن التهريج والادعاء، ويحرص على أن يظل القول منسجماً مع الفعل، والظاهر مطابقاً للباطن.
وتكشف سيرته المبكرة عن ملامح هذه الشخصية المستقلة. فمنذ سنوات الدراسة الإعدادية والثانوية في مخلاف شرعب بمحافظة تعز، كان شغوفاً بالقراءة والمطالعة، ولا سيما الكتب السياسية والفكرية والأدبية والتاريخية. وكان يستعير كل كتاب يقع تحت يده، ويوفر من مصروفه القليل لشراء الكتب من مدينة تعز. ولم يكن غريباً أن يقتني كتاب (قصة الفلسفة) وهو ما يزال في الصف الثالث الإعدادي، إلى جانب عدد من الكتب المتعلقة بالشأن اليمني مثل كتاب البردوني (اليمن الجمهوري) وكتاب المقالح (عبدالناصر واليمن)، وكتاب (أوراق ووثائق الثورة اليمنية) الذي أعده مجموعة من الضباط الاحرار .
كما كان يجد متعة خاصة في إعداد الكلمات وإلقائها في الطابور الصباحي، مستنداً إلى رصيد معرفي مبكر صنعته تلك القراءات المتنوعة، وهو ما أسهم في صقل شخصيته الخطابية والفكرية منذ وقت مبكر.
ولأن القراءة الواعية تلد حساً نقدياً مبكراً، فقد قاد أول مظاهرة طلابية من مدرسته إلى مدينة تعز احتجاجاً على تأخر صرف الكتب المدرسية، وهو في الصف الثالث الثانوي. وكانت تلك الواقعة إحدى المحطات الأولى التي عكست ميله الطبيعي إلى الدفاع عن الحقوق ومواجهة الاختلالات، مهما كانت التبعات.
واستمر هذا النهج خلال دراسته الجامعية، حيث تبنى مع زملائه حملة للمطالبة بتعديل نظام احتساب المعدل في كلية الآداب بجامعة صنعاء، وتمكنوا من تحقيق ذلك عبر القنوات المؤسسية. كما نشط في الجمعية التاريخية بالقسم، وأسهم من خلال مجلة (أرض الجنتين) في طرح رؤى وأفكار لتطوير القسم والجامعة والوطن.
ومع تخرجه وتعيينه معيداً بالتزامن مع قيام الوحدة اليمنية، انخرط في العمل النقابي والأكاديمي، وظل حاضراً في مختلف القضايا المتعلقة بأعضاء هيئة التدريس والجامعة، محتفظاً بذات الروح النقدية والاستقلالية التي رافقته منذ شبابه.
أما اهتمامه بالشأن العام فقد تجلى مبكراً عبر الكتابة الصحفية، إذ نشر أول مقالاته وهو في سنة الخدمة العسكرية قبل التحاقه بالجامعة، واستمر في الكتابة حتى اليوم، معبراً عن رؤاه تجاه مختلف القضايا اليمنية والعربية، ومقدماً نموذجاً للمثقف الذي لا ينفصل عن هموم مجتمعه.
وعلى الرغم من ترحيبه بالتعددية الحزبية عند قيام الوحدة اليمنية، فإن تجربته الحزبية لم تدم طويلاً. فقد اصطدم، كما يرى، بثقافة الاستتباع وهيمنة النخب الضيقة داخل كثير من الأحزاب، الأمر الذي جعله غير قادر على التكيف مع عقلية القطيع أو تقديم الولاء التنظيمي على المصلحة الوطنية. لذلك آثر تجميد تجربته الحزبية، محتفظاً بحقه في النقد والمراجعة والتعبير الحر.
وقد انعكس هذا الموقف في كثير من مقالاته التي تناولت إشكالات العمل الحزبي وأزماته، مؤكداً أن مصلحة الوطن يجب أن تعلو على كل الاعتبارات الأخرى، وأن الشراكة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تقوم في ظل عقلية الإقصاء والاستحواذ.
أما رؤيته لمستقبل اليمن، فتقوم على نقد الواقع المختل والدعوة إلى بناء دولة المواطنة المتساوية والشراكة العادلة، بما يفضي إلى الأمن والاستقرار والتنمية. وهي رؤية قد تبدو للبعض أقرب إلى الحلم، لكنها بالنسبة له ضرورة وطنية لا غنى عنها مهما تعثرت الظروف.
وفي قراءته للتاريخ يرفض المقولة الشائعة بأن التاريخ يعيد نفسه بصورة آلية، ويرى أن البشر هم الذين يعيدون إنتاج التاريخ الذي يختارون استدعاءه؛ فمن يبحث في الماضي عن لحظات الوحدة والنهضة سيبعثها، ومن ينقب عن أسباب الفرقة والثأر سيعيد إنتاجها من جديد. وله في هذا السياق رؤية فكرية متكاملة عرضها في كتاباته ودراساته المتعددة.
إنه البروفيسور/ عبدالله أبو الغيث؛ روزنامة للرشد السياسي، وأيقونة للعمق الفكري والتاريخي، ونموذج للمثقف الذي حافظ على استقلاله الفكري، وثباته الأخلاقي، وإيمانه الدائم بأن الحقيقة والوطن أكبر من كل الانتماءات الضيقة.
