حين جلس ابن خلدون تحت شجرة العلوم الإنسانية
حوار في العمران والعصبية والمعاش بين ابن خلدون وهيغل وماركس وأوغست كونت

لم تكن الجلسة في جامعة، ولا في قاعة فلسفة.
كانت تحت شجرة عتيقة، جذورها ضاربة في الأرض، وأغصانها تمتد نحو السماء.
قال الشاب الجالس تحتها:
ما سر هذه الشجرة؟
فأجابه الشيخ:
إنها شجرة العلوم الإنسانية... ومن أراد فهم أغصانها فعليه أن يعود إلى جذورها.
رفع الشاب عينيه وقال:
ومن أنت؟
ابتسم الشيخ:
أنا عبدالرحمن بن خلدون.
ماركس يسأل عن البداية
اقترب رجل يحمل كتابًا ضخمًا.
قال:
أنا كارل ماركس. لدي سؤال يا ابن خلدون.
كيف استطعت أن تدرك أن المجتمع ليس مجموعة أفراد متفرقين، بل بناء له قوانينه وحركته؟
كيف وصلت إلى مفهوم العمران البشري؟
أجاب ابن خلدون:
لم أبدأ من الكتب، بل من الواقع.
رأيت الإنسان وهو يعيش في جماعة، ورأيت الجماعات وهي تنتقل من البداوة إلى الريف ثم إلى الحضر.
ورأيت الدولة كيف تولد من العصبية، وكيف تبلغ القوة، ثم كيف يصيبها الضعف حين يتغير العمران.
فأدركت أن هناك علمًا جديدًا يحتاجه الإنسان لفهم مجتمعه.
ليس التاريخ عندي مجرد أخبار الملوك، بل هو معرفة بالقوانين التي تحكم الاجتماع الإنساني.
قال ماركس:
إذن أنت جعلت المجتمع موضوعًا للعلم؟
قال ابن خلدون:
نعم.
وقلت إن لهذا العلم موضوعًا، وهو:
العمران البشري، أي الاجتماع الإنساني وأحواله.
وله منهج، وهو تتبع الظواهر في مسارها التاريخي، ونقد الأخبار، وربط الحوادث بأسبابها الاجتماعية.
كونت يدخل الحوار
دخل أوغست كونت وقال:
هذا قريب مما سعيت إليه أنا.
كنت أبحث عن تأسيس علم للمجتمع، علم يقوم على الملاحظة والقانون.
وقد استعنت بصورة العلوم الطبيعية، وبخاصة الفيزياء، لكي أجعل دراسة المجتمع علمًا له انتظامه.
ابتسم ابن خلدون وقال:
وهنا يوجد الفرق بيننا.
أنت انطلقت من سؤال:
كيف نجعل دراسة المجتمع علمًا؟
أما أنا فانطلقت من سؤال:
كيف يتحرك المجتمع نفسه؟
لم أبحث عن تشبيه المجتمع بالطبيعة، بل بحثت عن قوانين العمران من داخل المجتمع.
قال كونت:
ولهذا قسمت التاريخ إلى مراحل تطور الفكر الإنساني.
أجاب ابن خلدون:
أما أنا فلم أبدأ بتقسيم مراحل العقل، بل درست تحول أنماط الاجتماع نفسها:
من البداوة إلى الحضارة،
ومن العصبية إلى الدولة،
ومن القوة إلى الترف ثم الضعف.
هيغل وسؤال التاريخ
دخل هيغل وهو يحمل كتابًا عن الروح.
قال:
لكن التاريخ ليس مجرد اقتصاد وعمران.
هناك فكرة كبرى تحرك الإنسان.
قال ابن خلدون:
لا أنكر دور الأفكار.
لكنني أسأل أولًا:
أين يعيش الإنسان الذي يحمل هذه الأفكار؟
إنه يعيش في عمران.
ويحتاج إلى معاش.
وتحكمه علاقات اجتماعية وسياسية.
فلا يمكن فهم الفكرة قبل فهم المجتمع الذي أنتجها.
قال هيغل:
أنا أرى التاريخ حركة للروح نحو الوعي بذاتها.
ابتسم ابن خلدون:
وأنا أرى التاريخ حركة للعمران بين القوة والضعف، وبين البداوة والحضارة.
أنت تبدأ من الكلي المجرد.
وأنا أبدأ من الواقع المشاهد.
المعاش... والجسر إلى ماركس
اقترب ماركس مرة أخرى وقال:
لكنني توقفت عند عبارتك:
"ليس اختلاف الناس في عوائدهم ونحلهم، وإنما اختلافهم في معاشهم".
هذه عبارة تحمل سؤالًا كبيرًا.
هل كنت ترى أن طريقة إنتاج الحياة المادية تؤثر في بناء المجتمع؟
قال ابن خلدون:
بالتأكيد.
فالإنسان لا يعيش في الفراغ.
طريقة تحصيله للرزق تغير عاداته، وعلاقاته، وقوته السياسية.
فالراعي ليس كالمزارع.
والبدوي ليس كالحضري.
والمجتمع الذي يقوم على نوع معين من المعاش يختلف عن غيره.
لكن لا تنسَ يا ماركس أنني كنت أدرس عصرًا غير عصرك.
أنت عشت عصر المصنع والرأسمالية والصراع بين الطبقات.
أما أنا فعشت عالم القبيلة والدولة والجباية والعمران.
قال ماركس:
إذن نحن نلتقي في أهمية الواقع المادي، ونختلف في تفسيره.
قال ابن خلدون:
وهذا هو شأن العلوم.
لا يولد الفكر من فراغ، بل كل مفكر يجيب على أسئلة عصره.
العصبية والملك
سأل ماركس:
وماذا عن العصبية؟
قال ابن خلدون:
العصبية هي قوة التضامن التي تمنح الجماعة القدرة على الفعل.
وبها تقوم الدولة.
وغايتها الكبرى في دورة العمران هي الملك.
لكن الملك إذا تحول إلى ترف وانفصل عن القوة الاجتماعية التي صنعته، يبدأ الضعف.
قال الشاب:
إذن أنت لا تدرس الدولة فقط، بل تدرس دورة حياتها؟
أجاب ابن خلدون:
نعم.
فالدول كالأجسام لها نشأة وقوة وشيخوخة.
الخاتمة: عودة الجذر إلى الشجرة
ساد الصمت.
نظر الأربعة إلى الشجرة.
قال ماركس:
لقد جعلت التاريخ يتحرك على الأرض.
وقال كونت:
وجعلت المجتمع موضوعًا للعلم.
وقال هيغل:
وجعلت الواقع ينافس الفكرة في تفسير التاريخ.
ابتسم ابن خلدون وقال:
لم أبحث عن منافسة أحد.
كنت أبحث عن الإنسان.
فالعلوم الإنسانية لا تبدأ من الشعارات، بل من سؤال بسيط:
كيف يعيش الناس؟ وكيف يبنون عمرانهم؟ وكيف تتحول حياتهم إلى تاريخ؟
ثم نهض الشيخ وغادر.
وبقيت الشجرة.
فروعها في كل مكان...
لكن جذورها مازالت تذكّر الباحثين:
أن فهم الإنسان يبدأ من الإنسان نفسه.
