السبت 11 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • صدى الـ90 عاماً على العلاقات اليمنية الروسية: حين توارت الدبلوماسية وخذلت الطاقات في عاصمة القرار...!

صدى الـ90 عاماً على العلاقات اليمنية الروسية: حين توارت الدبلوماسية وخذلت الطاقات في عاصمة القرار...!

في باحة العلاقات الدولية، لا تقاس قيمة الدول بحجم تاريخها العريق فحسب، بل بكفاءة مايسترو الدبلوماسية الذي يقود أوركسترا الحشد والتمثيل في عواصم القرار العالمية.

 وفي موسكو — تلك العاصمة التي لا تعترف إلا بالإبهار والوزن الثقيل — وضعت الأقدار سفارة الجمهورية اليمنية وسفارة جمهورية السودان في ميزان المقارنة لتكشف لنا كيف يصنع الفارق الدبلوماسي والإداري والتنظيمي هيبة الأوطان وكيف يمكن للعقلية الإقصائية والتفرد الأرعن أن يحولا فرصة تاريخية ذهبية إلى انتكاسة بروتوكولية مخجلة.
بينما كانت السفارة السودانية بموسكو تنسج من ذكرى علاقاتها السبعين تظاهرة دبلوماسية رفيعة المستوى على مدار ثلاثة ابام حشدت لها حضورا نوعيا مهيبا تصدره نائب وزير الخارجية الروسي واعضاء مجلس الدوما الروسي ولفيف من السفراء العرب والأفارقة وشخصيات سياسية وثقافية وازنة وجمع غفير من الطلبة والجالية السودانيةوأبناء الجاليةالعربية والطلبة العرب والأجانب بموسكو في مشهد عكس كفاءة عالية في الإعداد و التعبئة والترتيب والجاذبية البروتوكولية، كانت الدبلوماسية اليمنية على الطرف الآخر تعيش عزلة تنظيمية خانقة في ذكرى علاقاتها التسعين المناسبة الأكثر عراقة وضخامة، لكنها سقطت ضحية للتفرد وسوء التخطيط والإدارة .
إن العلة الحقيقية في المشهد اليمني بموسكو لم تكن تكمن يوما في شح الإمكانيات أو غياب الأدوات، بل في العقلية الإدارية العرجاء التي أدارت المشهد بتفرد وأحادية إقصائية.
 لقد احتضنت موسكو — ولا تزال — خزانا بشريا وثقافيا هائلا من الطاقات اليمنية، مئات الطلاب المبتعثين في أرقى الجامعات الروسية، والباحثين، والمبدعين، وأبناءالجالية اليمنية النشطة التي كانت تتوق لتقديم الغالي والنيفيس لإخراج هذه المناسبة بالشكل الذي يرفع رأس اليمن عاليا. إلا أن جدار "التفرد" الذي بناه السفير أحمد سالم الوحيشي حول قراراته، ورغبته في احتكار المشهد وتهميش هذا المخزون الشبابي المتوقد، حال دون الاستفادة من طاقاتهم في الإعداد والتنظيم وإلحشد فغيبت روح الجماعة وحيدت الكفاءات فكانت النتيجة مخرجا هزيلا ومخجلا يعكس عمق الفجوة بين القيادة الدبلوماسية وأبنائها.
ولعل المأساة الفنية الأبرز التي تختزل هذا الإخفاق هي حكاية إهدار القيمة الإبداعية الشامخة للموسيقار أحمد فتحي والفنانة المتألقة بلقيس فتحي، اللذين وصلا إلى العاصمة الروسية بقلوب مفعمة بالحب وشغف تمثيل الوطن في ليلة تاريخية. 
وبدلا من أن يهيأ لهما مسرحا فخما يليق بقامتين بهذا الحجم، صدم السفير الوحيشي هؤلاء المبدعين بحصر الفعالية داخل صالة محاضرات جافة وضيقة تفتقر لأبسط المقومات اللوجستية والفنية، مما دفع الفنانة بلقيس إلى اتخاذ موقف مبدئي وصارم برفض الغناء، بعد أن قدِمت على وعود صريحة بإحياء الحفل فوق خشبة مسرح حقيقي يليق بجمهورها والبلد الذي تمثله.
وبينما وقف الطلاب وأبناء الجالية والطاقات اليمنية في موسكو متفرجين بحسرة على هدر هذه الفرصة الثمينة، غنى الموسيقار أحمد فتحي وحيدا في فضاء أكاديمي بارد وحضور باهت غير نوعي وضاعت خلف الجدران المغلقة فرصة ذهبية لإيصال رسالة اليمن الثقافية والسياسية إلى صناع القرار الروسي والسلك الدبلوماسي الأجنبي، في وقت كان اليمن فيه بأمس الحاجة لإثبات تواجده المؤسسي القوي .
إن الخسارة الحقيقية في هذا الإخفاق التنظيمي لم تكن مجرد مشهد فني باهت أو قاعة محاضرات شبه فارغة، بل كانت في الرسالة السياسية السلبية التي وصلت إلى مراكز صنع القرار في الكرملين والخارجية الروسية. ففي عاصمة مثل موسكو، تعد الفعاليات الدبلوماسية الكبرى مقياسا دقيقا لمدى استقرار الدول، وجدارتها المؤسسية، وقدرتها على إدارة شؤونها حتى في أحلك الظروف. 
وعندما يرى الجانب الروسي هذا العجز عن الحشد والتنظيم، وتطفيش الكفاءات الفنية الإبداعية، فإن الصورة الذهنية التي تنطبع لديه هي صورة "دولة هشة تعيش أزمة إدارة واغتراب كامل بين بعثتها الدبلوماسية وقواها الحية". 
لقد فوت السفير فرصة تاريخية لتأكيد شرعية وقوة مؤسسات الدولة اليمنية، وبدت السفارة في مظهر العاجز عن إدارة قاعة احتفال، فكيف بإدارة ملفات التعاون الاستراتيجي المعقدة في مرحلة حرجة من تاريخ الوطن.
واليوم، ونحن على بعد عامين فقط من حدثٍ جلل ومحطة مفصلية غير عادية — وهي الذكرى المئوية لتأسيس العلاقات اليمنية الروسية (1928 - 2028) — فإن هذه الذكرى الماسية المرتقبة تضع الدبلوماسية اليمنية أمام اختبار تاريخي لا يقبل النكوص أو التبرير.
 إن قرنا كاملا من العلاقات مع دولة عظمى ك روسيا لا يمكن أن يختزل مجددا في أنشطة روتينية باهتة أو تصرفات فردية قاصرة. الإعداد لهكذا مناسبة يجب أن يكون بمستوى وحجم الحدث، والعمل الجاد لإستعادة الثقة مع الطاقات في الجالية اليمنية والرابطة الطلابية في موسكو، والترتيب المسبق لحشد السلك الدبلوماسي الدولي بأسره، ليكون هذا "اليوبيل المئوي" منصة استراتيجية لإعادة الاعتبار لهيبة اليمن ومكانته السياسية والثقافية.
ختاما: إن تجربة الذكرى التسعين للعلاقات اليمنية الروسية في موسكو يجب ألا تمر كحدث عابر، بل كدرس قاصم ومدرسة واضحة في فقه العمل الدبلوماسي المعاصر. وأول هذه الدروس هو أن السفارات ليست ملكيات خاصة تدار بعقلية الاستفراد والتفرد، بل هي مؤسسات وطنية جامعة قوامها "الدبلوماسية التشاركية" التي تبدأ أولاً بفتح الأبواب للطاقات الشابة، والاستعانة بالخزان البشري للجالية والطلاب والمبتعثين كذراع تنفيذي وإبداعي لا غنى عنه.
 وثانيها أن القوة الناعمة لليمن — من فن، وثقافة، وحضارة — هي أوراق سياسية رابحة من الوزن الثقيل، وإهدارها بسوء الإخراج أو الترتيب اللوجستي المتواضع يعد خطيئة بروتوكولية تستوجب المحاسبة.
 إن مستقبل الدبلوماسية اليمنية يتطلب غرس عقلية "المبادرة والجاذبية الاستراتيجية" في كوادره، وتجاوز منطق "تسيير الأعمال الروتيني" إلى آفاق الحشد الذكي