الجمعة 10 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • حين تتحول كرة القدم إلى اختبار لأخلاقنا

حين تتحول كرة القدم إلى اختبار لأخلاقنا

مع كل بطولة كروية كبرى، لا تعود المباريات مجرد تسعين دقيقة داخل الملعب، بل تمتد إلى البيوت والمقاهي ومجالس الأصدقاء ومنصات التواصل الاجتماعي، وحتى إلى مجموعات الواتساب التي تجمع الأصدقاء والزملاء. يتوزع الناس بين المنتخبات التي يحبونها، ويرفع كل مشجع راية فريقه، ويدافع عنه بحماس، ويمازح الآخرين عند الفوز، ويتلقى المزاح عند الخسارة.

في أصلها، تبدو هذه الحالة جميلة. فالرياضة تمنح الناس فرصة للفرح المشترك، وتكسر رتابة الحياة، وتخلق موضوعاً يجتمع حوله المختلفون. وقد يجلس شخصان لا يتفقان في السياسة أو الفكر أو الموقف الاجتماعي، ثم يتبادلان الضحك بسبب هدف ضائع، أو ضربة جزاء مثيرة للجدل، أو قرار تحكيمي يختلف عليه الطرفان. لكن المشكلة تبدأ حين ينسى بعضنا أن كرة القدم لعبة، وأن التشجيع لا يمنح أحداً الحق في إهانة الآخرين أو التشكيك فيهم أو تصنيفهم. عندها ينتقل النقاش من مساحة المتعة إلى ساحة الاتهام، ومن روح المنافسة إلى لغة الخصومة، ومن تحليل المباراة إلى البحث عن مؤامرة تفسر كل نتيجة لا تعجبنا.
نسمع أحياناً أن الحكم متآمر، وأن البطولة مرتبة سلفاً، وأن منتخباً فاز فقط لأنه يمثل دولة قوية، أو لأن خلفه جهات نافذة. وقد يبدأ الكلام بنكتة عابرة، لكنه سرعان ما يتوسع ليشمل الشعوب والأعراق والثقافات والأديان، فتتحول ملاحظة على أداء لاعب إلى إهانة لبلده، ويتحول الاعتراض على قرار تحكيمي إلى خطاب كراهية ضد جماعة كاملة.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: ماذا تقول طريقة تشجيعنا عن أخلاقنا؟
فالإنسان لا يُختبر فقط في المواقف الكبرى، بل يظهر أيضاً في التفاصيل الصغيرة: في قدرته على الاختلاف دون تجريح، وفي استعداده للاعتراف بفوز لا يحبه، وفي احترامه لمشاعر من يشجعون الفريق المنافس. وربما تكون كرة القدم، من هذه الزاوية، مرآة تكشف مقدار ما نملكه من إنصاف وضبط للنفس. ليس المطلوب أن يصبح التشجيع بارداً أو خالياً من الحماس؛ فالرياضة بلا انفعال تفقد كثيراً من جمالها. لكن هناك فرقاً بين الحماس والتعصب، وبين المزاح والإهانة، وبين النقد والتشهير. ويمكن للإنسان أن يناصر فريقه بكل حرارة، من دون أن يسلب الآخرين كرامتهم أو يشكك في نياتهم.
كما أن اللجوء الدائم إلى نظرية المؤامرة يحرمنا من متعة الفهم. فالمباراة يمكن أن تُحسم بسبب خطأ دفاعي، أو قرار تكتيكي، أو لحظة تألق، أو حتى بسبب الحظ. وليس كل ما لا نفهمه مؤامرة، وليس كل نتيجة لا تعجبنا دليلاً على فساد العالم. المشكلة في خطاب المؤامرة أنه يمنح صاحبه راحة مؤقتة؛ إذ يعفيه من الاعتراف بخسارة فريقه أو تفوق منافسه. لكنه، في المقابل، يزرع الشك في كل شيء، ويجعل الإنسان عاجزاً عن رؤية الوقائع كما هي. ومع الوقت، لا يعود النقاش حول كرة القدم، بل يتحول إلى باب لإطلاق أحكام قاسية على الناس والدول والثقافات.
في مجتمعات تعاني أصلاً من الانقسام والتوتر، نحتاج إلى أن نحمي حتى مساحات الترفيه من لغة الصراع. فليس من الحكمة أن نحمل خلافاتنا الثقيلة إلى المدرجات والشاشات ومجموعات الأصدقاء. ويمكن للرياضة أن تكون فرصة لنتعلم كيف نختلف من دون أن نتخاصم، وكيف نفرح من دون أن نشمت، وكيف نخسر من دون أن نهين. وقد يكون من المفيد أن نتذكر أن اللاعبين، مهما اختلفت قمصانهم وأعلامهم، يجتمعون في ملعب واحد، ويخضعون لقواعد واحدة، ويتصافحون غالباً بعد انتهاء المباراة. أما نحن، الذين نتابع من بعيد، فقد نواصل الخصومة بعد أن يغادر اللاعبون الملعب وينسون ما حدث.
إن الفريق الذي نشجعه قد يفوز اليوم ويخسر غداً، لكن الكلمات التي نقولها قد تبقى في الذاكرة طويلاً. والانتصار الحقيقي ليس أن يحرز منتخبنا الكأس فقط، بل أن نخرج من البطولة وقد احتفظنا بإنسانيتنا، وبصداقاتنا، وبقدرتنا على احترام من يختلف معنا. كرة القدم لا تحتاج إلى أن تكون ساحة جديدة للعداء. يمكنها أن تكون تدريباً جماعياً على التسامح والإنصاف والفرح المشترك. وحين ندرك أن اختلاف القمصان لا يلغي وحدة البشر، تصبح المباراة أكثر جمالاً، ويصبح التشجيع أكثر رقياً، ويغدو الفوز والخسارة مجرد لحظتين عابرتين في لعبة أكبر اسمها الحياة.