حين تكشف الصورة الجوية ما فعلته الحرب بالمدينة اليمنية
لم أكن بحاجة إلى تقرير مطول كي أفهم ما حدث للمدينة اليمنية. كان مشهد جوي عابر في مقطع فيديو كافيًا ليفتح أمام عينيّ حجم التحول: بيوت متلاصقة بلا نظام، شوارع ضيقة كأنها شقوق في جسد متعب، كتل إسمنتية تصعد فوق بعضها، وفراغات تحولت إلى مكبات. من الأعلى بدت المدينة كأنها فقدت هندستها؛ لا لأن سكانها لا يحبون النظام أو الجمال، بل لأن الحرب دفعتهم إلى العيش حيثما استطاعوا، والبناء كيفما أمكن، والنجاة بأي ثمن.
ما تكشفه الصورة ليس عشوائية عمرانية فحسب، بل أثر ثلاثة زلازل ضربت المدينة اليمنية معا. الأول زلزال الحرب، التي لم تكتف بتدمير البيوت والجسور والمدارس، بل كسرت منطق المدينة: أغلقت الطرق، قطعت الأحياء، حولت الشوارع إلى خطوط تماس، ودفعت الناس إلى انتقال قسري وعيش مؤقت طال حتى صار دائما.
والثاني زلزال النزوح والهجرة الداخلية. ملايين اليمنيين لم يتجهوا إلى المدن بحثا عن الرفاه، بل هربا من القصف والجوع وانهيار الخدمات في الريف والبلدات الصغيرة. جاءت الأسر إلى تعز وصنعاء ومأرب وعدن وإب والمكلا وهي تحمل بقايا حياتها، فاستقبلتها مدن منهكة، بلا مساكن كافية، ولا صرف صحي، ولا كهرباء مستقرة، ولا مدارس تستوعب هذا الضغط.
أما الزلزال الثالث فهو انهيار الدولة والخدمات: غياب البلديات، ضعف القانون، تعدد السلطات، فساد الإدارة، وانهيار النظافة والمياه والصرف الصحي والتخطيط العمراني. هنا لم تعد المدينة تدار كفضاء عام، بل تُركت للضرورة والسوق والسلاح والنفوذ. لذلك تكدست القمامة، تمددت الأبنية بلا ضوابط، ضاقت الشوارع، واختفى الرصيف، وصار الفضاء العام غنيمة لمن يستطيع الاستحواذ عليه.
لكن هذه الفوضى لم تكن بريئة تماما ، فإلى جانب الحرب والنزوح، لعب الفاسدون وتجار الأراضي والنافذون والبلاطجة دورا حاسما في تحويل المدينة إلى سوق للنهب العمراني. في غياب الدولة، لم تعد الأرض موردا عاما منظما بالقانون، بل غنيمة يتسابق عليها من يملك السلاح أو النفوذ أو القدرة على تزوير الوثائق وشراء الذمم. جرى الاعتداء على أراض عامة وخاصة، وبيعت مساحات بلا تخطيط، وظهرت أحياء خارج شبكات الخدمات. هكذا لم تكن العشوائية اضطرارا اجتماعيا فقط، بل مشروعا ربحيا لقوى استفادت من الحرب وحولت حاجة الناس إلى مأوى إلى فرصة للثراء والسيطرة.
في تعز، لا تبدو العشوائية مجرد خلل عمراني. إنها سيرة حرب طويلة ،مدينة كانت تعرف المدرسة والجامعة والمقهى والكتاب والشارع المدني، وجدت نفسها محاصرة وممزقة ومزدحمة بالنازحين والفقراء والمقاتلين والباعة والقمامة والخوف ، والبلطجة ، في بعض الأحياء، تتكدس النفايات قرب البيوت كأنها جزء من المشهد الطبيعي. الأطفال يمرون بجانبها إلى مدرسة متعبة أو إلى لا مدرسة. والنساء يفتحن النوافذ على رائحة العفن بدل الهواء.
في صنعاء، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. المدينة التي تحمل واحدة من أندر الذاكرات المعمارية في العالم، بأبراجها الطينية وقمرياتها ونقوشها، صارت محاطة بامتداد عمراني لا يشبهها. كأن صنعاء القديمة تقف شاهدة على حضارة كانت تعرف كيف تبني، بينما يزحف حولها إسمنت عاجل، بلا روح ولا تخطيط. الحرب لم تخلق العشوائية من الصفر، لكنها حررتها من آخر القيود. ومع انهيار الدولة وتعدد السلطات، صار البناء فعلا فرديا، وصار الشارع مساحة قابلة للاستحواذ.
ليست هذه أزمة جمال فقط. إنها أزمة قانون. فالمدينة، في معناها الحديث، ليست تجمعا للسكان، بل اتفاق على قواعد تحمي الجميع: أين نبني، أين نعبر، أين يرمي الناس نفاياتهم، أين يقف البائع، كيف تمر سيارة الإسعاف، وكيف يصل الطفل إلى مدرسته آمنا. في اليمن، كسرت الحرب هذا الاتفاق. صار الناس أكبر من قدرة الدولة، والحاجة أسرع من التخطيط، والخوف أقوى من القانون. وحين ينهار القانون، لا تختفي المخالفات فقط؛ تختفي الفكرة التي تجعل الناس يشعرون أنهم ينتمون إلى فضاء مشترك.
ومن ينظر إلى المدن اليمنية يرى ترييف المدينة، لا بمعنى إدانة الريف أو أهله، فالريف نفسه ضحية للتهميش والحرب والجوع، بل بمعنى انتقال علاقات ما قبل الدولة إلى قلب المدينة: الوجاهة بدل القانون، السلاح بدل الشرطة، الوساطة بدل المؤسسة، والنجاة الفردية بدل المسؤولية العامة. لم تعد المدينة قادرة على صهر القادمين إليها في ثقافة مدنية، لأن مؤسساتها كانت تتآكل. وهكذا لم يبق الريف ريفا، ولم تعد المدينة مدينة؛ نشأ فضاء ثالث مرتبك وهش.
ومع ذلك، لا يجوز النظر إلى هذه العشوائيات بوصفها قبحا فقط. خلف كل بيت عشوائي قصة نجاة. خلف كل سقف من صفيح أم حاولت أن تحمي أطفالها من المطر. خلف كل غرفة ضيقة أب فقد عمله لكنه لم يفقد رغبته في إبقاء أسرته حية. خلف كل شارع مكتظ عائلة تركت منزلا لم تعد تستطيع العودة إليه. العشوائية هنا وثيقة إنسانية عن شعب تُرك ليبني حياته فوق الركام.
لكن الدفء الإنساني لا يجب أن يخفي الخطر. فحين تتحول العشوائية إلى نمط دائم، تبدأ المدينة بإنتاج أمراضها: القمامة تصبح جزءا من ذاكرة الأطفال، الزحام يتحول إلى توتر يومي، غياب الإنارة يولد الخوف، ضعف الصرف الصحي يهدد الصحة، وانعدام الحدائق يحرم الناس من الراحة. المدينة المريضة لا تؤذي الحجر فقط، بل تؤذي النفس. إنها تعلم سكانها أن الفوضى قدر، والجمال ترف، والقانون امتياز لا حق.
في المدن اليمنية، تتآكل أيضا الطبقة الوسطى التي كانت تحمل روح المدينة: المعلم، الطبيب، الموظف، الصحفي، المحامي، الأستاذ الجامعي. هؤلاء الذين صنعوا حياة مدنية معقولة سحقهم انقطاع الرواتب وانهيار العملة وارتفاع الأسعار. وحين تضعف الطبقة الوسطى، يصير الفضاء العام متروكا بين فقر غاضب وثراء طارئ؛ مدارس خاصة لمن يستطيع، ومدارس منهكة لمن لا يستطيع، ومستشفيات للقادرين وممرات انتظار للفقراء.
الصورة الجوية، إذن، لا تكشف فوضى المباني فقط ،إنها تكشف فوضى السلطة، وفشل التنمية، وانكسار القانون، ووجع الإنسان. تكشف أن الحرب لا تهدم البيوت بالقذائف وحدها، بل تهدم فكرة المدينة نفسها: المدينة كفضاء للثقة، ومدرسة للمواطنة، وذاكرة للجمال، ووعد بأن الناس المختلفين يمكن أن يعيشوا معا تحت قواعد واحدة.
ومع ذلك، لا تزال المدن اليمنية قابلة للإنقاذ ، تعز ما زالت تحتفظ بروحها المدنية ، صنعاء تحمل معمارا يقاوم النسيان. عدن تطل على البحر كأنها تنتظر عودة الانفتاح. ومأرب، رغم ضغط النزوح، تكشف قدرة اليمنيين على إعادة تشكيل الحياة. إن إعادة بناء اليمن لن تبدأ من القصور السياسية وحدها، بل من الرصيف، والقمامة، والمدرسة، والشارع، والبلدية، وحق الناس في مدينة نظيفة وآمنة وعادلة.
فالمدينة ليست حجرا ، وشارع ، ،خدمات ، المدينة وعد أخلاقي ، ،معني للمدنية والتحضر ، وحين يستعيد اليمنيون مدنهم، سيستعيدون شيئا أعمق من العمران: القدرة على العيش معا، لا كناجين متجاورين في الفوضى، بل كمواطنين في وطن يستحق أن يكون قابلا للحياة.
