اليمن... جمهورية العشاق و"الوطن" الغائب
في اليمن، لا توجد أزمة في عدد القادة، ولا في كثرة المشاريع السياسية، ولا في وفرة الشعارات. الأزمة الحقيقية أن الجميع يتحدث باسم اليمن... بينما اليمن نفسها لا تجد من يتحدث عنها.
هذا يعشق الإمامة ويقسم أنها الخلاص، وذاك يرى أن الدولة ماتت يوم غاب الحمدي، وثالث لا يزال يعيش في زمن صالح، ورابع يحلم بالبيض، وخامس لا يرى المستقبل إلا مع الزبيدي، وسادس يراهن على الشرعية، وسابع يؤمن بالحوثي، وثامن بالإصلاح... وكل فريق مقتنع أن مفتاح الجنة السياسية موجود في جيبه وحده.
ولو سألتهم سؤالًا بسيطًا: كيف سيكون حال المواطن بعد عشر سنوات؟ لتوقفت الخطب، وبدأت معركة جديدة حول الماضي.
في اليمن، أصبح التاريخ أهم من المستقبل، وصورة الزعيم أغلى من صورة المدرسة، والخطاب السياسي أعلى صوتًا من صراخ الجائع.
صرنا نختلف على كل شيء: على الثورة، وعلى الوحدة، وعلى الجمهورية، وعلى الإمامة، وعلى الجنوب، وعلى الشمال، وحتى على تفسير الوطنية نفسها. لكننا نتفق جميعًا على شيء واحد... أن المواطن آخر من يُستشار، وأول من يدفع الثمن.
السخرية ليست في اختلاف الناس، فالاختلاف سنة الحياة، وإنما في أن كل مشروع يدّعي أنه جاء لإنقاذ اليمن، بينما اليمن تزداد تعبًا مع كل مشروع جديد.
الوطن أصبح ككرة قدم في ملعب سياسي كبير؛ كل فريق يركلها باتجاه مرماه، ثم يحتفل بالنصر، بينما الكرة نفسها تتمزق.
كم زعيمًا مر على اليمن؟ وكم شعارًا رُفع؟ وكم وعدًا أُعلن؟ وكم مرة قيل للناس: "اصبروا قليلًا، فالفرج قريب"؟ حتى أصبح "القريب" أطول من عمر أجيال كاملة.
المواطن لا يريد معجزة. يريد دولة تحترم عقله، وقانونًا يحميه، وراتبًا يكفيه، ومستشفى يعالجه، ومدرسة تبني مستقبل أطفاله. لكنه كلما طالب بذلك، وجد نفسه متهمًا بأنه لا يفهم تعقيدات المرحلة!
الحقيقة المؤلمة أن الزعماء جميعًا سيصبحون يومًا ما صفحات في كتب التاريخ، أما اليمن، فإن لم تُنقذ اليوم، فقد لا يبقى من يقرأ تلك الكتب.
الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الأصنام السياسية، مهما اختلفت أسماؤها أو ألوانها أو شعاراتها. يحتاج إلى مواطن يؤمن بأن ولاءه الأول لليمن، وأن السياسي موظف عند الشعب، لا الشعب موظف عند السياسي.
فإذا وصلنا إلى يوم نختلف فيه حول البرامج، ونتفق على الوطن، فسنكون قد خطونا أول خطوة نحو الدولة.
أما إذا ظل كل واحد يحمل صورة زعيمه أكثر مما يحمل همّ وطنه، فسنظل ندور في الحلقة نفسها، نبدل الوجوه، ونكرر الشعارات، ونورث أبناءنا الخلافات نفسها... ثم نتساءل، بكل براءة:
لماذا تأخر اليمن؟
لأن الجميع أراد أن ينتصر مشروعه... ونسي أن ينتصر للوطن.
