مصر كسرت الاحتكار... فكسرها التحكيم فضيحة الدور الـ١٦ في كأس العالم
شاهدنا ليلة البارحة فنًا جديدًا من فنون كرة القدم قدمه المنتخب المصري، في المباراة التي جمعته مع المنتخب الأرجنتيني المدعم بالنجوم، لحساب تصفيات الدور الـ١٦. حيث استمتع العالم بالمستوى الكروي العالي الذي قدمه "الفراعنة" في الملعب. وهذا يثبت مدى تطور وتقدم كرة القدم المصرية التي أصبحت مثار حديث الكثير من المحللين الرياضيين والنقاد. لا سيما أن الكتيبة المصرية دخلت الملعب وهي تحمل الثقة بالنفس والانضباط والمستوى الكروي العالي، الذي أخرج منتخب "التانغو" عن إيقاع اللعب، وجعل منه مجرد حاضر ليشاهد ما قدمه المصريون داخل الملعب من أداء وتميز في المباراة منحهم الأفضلية في تسجيل أول هدف لمصر، ومنح المنتخب الثقة بالنفس لتقديم ما لديه من إمكانيات وتطور كبير، جعل المنتخب الأرجنتيني في حالة من الصدمة والذهول.

وكيف لا، والصحف الأرجنتينية قالت قبل المباراة إن اللقاء مع مصر في دور الـ١٦ يشكل فرصة لانتقال المنتخب الأرجنتيني إلى الدور الـ٨ المقبل!
أمام هذه الثقة المفرطة، كانت وقائع اللقاء في الميدان مختلفة في الأداء والإيقاع الكروي الجميل الذي منح مصر الأفضلية، وجعلها قريبة جدًا من الموعد مع التاريخ، لإلغاء الاحتكار الكروي في كأس العالم ببلوغ الأدوار الحاسمة من البطولة التي كانت حكرًا على أوروبا وأمريكا اللاتينية. وما عمله منتخب مصر في ميدان المباراة كان عكس ذلك التوجه تمامًا.
شكّل الأداء العالي للمنتخب المصري في المباراة حالة من الذهول الكبير الذي بدا على الحاضرين في المقصورات، وعلى رأس هؤلاء رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري "إنفانتينو" الذي بينت صوره أثناء المباراة حالة الذهول والاستغراب من الأداء البطولي للفراعنة. وبدت على محيا رئيس الاتحاد الدولي آثار التململ من الانتصار المصري الذي بدت معه بوضوح قوة الكتيبة المصرية لكسر الاحتكار الكروي الأوروبي واللاتيني بالبلوغ نحو الأدوار المتقدمة. وكان ذلك إيذانًا ببداية مرحلة جديدة تمنح هذه اللعبة نفسًا جديدًا، ودماء جديدة عن تلك التي أخذت تستحوذ عليها لقرابة قرن من الزمن.
كانت مشكلة المنتخب المصري في المباراة أنه حاول كسر صنمية كرة القدم وأستاذية الجنس الأبيض على اللعبة، فدق الاتحاد الدولي ناقوس الخطر من الجرأة الكبيرة لمصر، فعمل على ضبط تلك "الفوضى" التي بدأت مصر تخط لها، لا سيما بعد أن أصبحت متحكمة بالمباراة وبنتيجة ٢ لصالح مصر مقابل صفر للأرجنتين، بصورة جعلت "إنفانتينو" يمسك خديه من هذا الانقلاب الفرعوني على منتخب الصهيونية الأبيض.
عمل الاتحاد الدولي على ضبط الانفلات المصري في أرض الميدان من خلال كبحه وعدم إمطار شباك المنتخب الصهيوني الأبيض بعدد من الأهداف. فتدخل بقوة من خلال التحكيم ونظام الفار، الذي أسهم في إحباط المنتخب المصري لصالح المنتخب الأبيض الذي يستحق الصعود، بينما لا يحق لمنتخب مصر ذلك لأنه تجرأ على كسر الجمود الكروي. فتدخل الاتحاد الدولي بصورة لا أخلاقية تثبت عكس التصور العالمي الذي ارتسم في مخيلتنا أن كرة القدم لعبة إنسانية تحافظ على القيم والأخلاق. لنكتشف من خلال مباراة مصر والأرجنتين أن لا فرق بين الرياضة والسياسة، والنفاق الذي يسود عقلية الجنس الأبيض الآري.
ورغم الأداء البطولي المصري، كان للفيفا رأيه وقراره بظلم مصر وإنهاء مسيرتها بتدخل تحكيمي مباشر بإلغاء الهدف الثالث، وعدم احتساب ركلة جزاء واضحة للاعب المصري محمد صلاح، الذي طالب بركلة جزاء فتجاهله الحكم الفرنسي، لصالح هجمة مرتدة لبت رغبة الفيفا في إقصاء منتخب مصر لصالح الأرجنتين.
كم أنتِ كبيرة يا مصر! كيف كشفتِ للعالم الجانب الأسود غير المرئي في الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي كنا نعتقد أنه يختلف عن المنظمات الدولية المسيسة التي تستهدف وتظلم شعوب العالم الثالث لصالح القوى العالمية. وهذا ما بينته مباراة مصر والأرجنتين البارحة، التي كشفت النفاق الرياضي والكروي الذي يمارسه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "إنفانتينو" والتلاعب اللاأخلاقي في نتائج المباراة لصالح منتخبات بعينها على حساب تلك المنتخبات البسيطة التي شاركت بنية صادقة أن كرة القدم لعبة توحد الإنسانية جمعاء، وكانت مخدوعة حد السذاجة مثلي أيضًا. وإن القول بعدم تدخل السياسة في كرة القدم يعد سذاجة لا تطاق، فاللعبة أصبحت مرتبطة بأجندات تتحكم بها هوامير السياسة والمال. وهذه المعادلة غير الأخلاقية تتم على حساب إنسانية كرة القدم وعفوية المنتخبات الآسيوية والإفريقية التي يجري خداعها بوجود حياد في اللعبة.
وفي الأخير نقول، كما قال المدرب المصري البطل "حسام حسن": "طالما أن الفيفا يرغب بتتويج الأرجنتين فليعطوهم الكأس، بلا تعب". لأنه من الصعب أن تقنعني بعد خروج مصر من بطولة كأس العالم ٢٠٢٦م بهذه الطريقة اللاأخلاقية، أن كرة القدم والاتحاد الدولي لها محايدان، وأن القول بالحياد يشبه حياد الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الصراع العربي الفلسطيني مع إسرائيل. جفت الأقلام ورفعت الصحف.
* رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.
