الجنوب وتجريف الذاكرة (7)
عندما ذهبت قيادة الجبهة القومية إلى جنيف للتفاوض مع بريطانيا بشأن الاستقلال، كان رئيس الوفد قحطان محمد الشعبي، قبل أن يكون رئيسًا لوفد التفاوض الجنوبي في جنيف، وزيرًا مستشارًا للرئيس عبدالله السلال، لشؤون الجنوب المحتل، بالإضافة إلى رئاسته لمكتب مصلحة الجنوب في أول حكومة شكلها السلال عقب قيام ثورة ٢٦ سبتمبر عام ١٩٦٢م، في الجمهورية العربية اليمنية.
وحين أعلن استقلال الجنوب عن المستمعر البريطاني، اختار قادة الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل اسم جمهوريتهم الوليدة، وأطلقوا عليها اسم جمهورية اليمن الجنوبية، وأول رئيس لها الرئيس قحطان محمد الشعبي الصبيحي. فهل كانت قيادة الجبهة القومية التي كانت في غالبها تنتمي لمناطق جنوبية تجهل انتماء هذا الجزء لليمن؟ أم أن الشمال كانت قواته حاضرة في المشهد، وفرضت هذا الاسم على الجنوبيين بالقوة؟
والحقيقة أن الجنوب هو جزء أصيل من الشمال، وهذا القول تؤكده البراهين والأدلة الصامتة والناطقة، وإن الشمال يمني والجنوب يمني، فإذا كان الملك امرؤ القيس الكندي قبل الإسلام يعترف بيمانية "كندة" و"حضرموت" و"دمون"، فهل كان امرؤ القيس يجهل حقائق التاريخ والجغرافيا حين قال ذلك البيت الشعري وغيره من الأبيات التي تثبت يمانية المنطقة والإقليم بكامله، وصولًا إلى المناطق المتاخمة لجبال الحجاز.
وفي العصر الجاهلي قال الشاعر عبد يغوث الحارثي بيتًا من الشعر، وهو في أسر قبيلة "تيم الرباب"، اكد فيه يمانيته وهو من إقليم نجران، فقال:
"وتضحك مني شيخة عبشمية
كأن لم ترَ قبلي أسيرًا يمانيا"
فلماذا يتنكر هؤلاء لانتمائهم؟ ومن الذي يدفعهم لطمس هويتهم في الوقت الذي لم تنكر فيه كثير من الدول المنفصلة أصلها الذي انسلخت منه؟ فالملاحظ أن كثيرًا من دول العالم التي قررت الاستقلال عن إقليم كانت تشكل معه دولة واحدة، أنها ظلت متمسكة بالأصل، ولم تتنكر لأصلها، فقبل أن تتحد الألمانيتان كانت هناك ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، ومازالت إلى اليوم كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وقبل حوالي عقد من الزمن ظهرت دولة جنوب السودان، وظل الاسم الأول للسودان الأم جمهورية السودان الديمقراطية، وهناك جمهورية غينيا وغينيا بيساو، فلماذا لم تقم هذه الدول بالتنكر لتاريخها؟ ولماذا لم تقم بتجريف ذاكرتها كما يحدث في جنوب اليمن من تجريف منظم واعتداء صارخ على الذاكرة الجنوبية، في ظل تراجع مخيف وتغييب متعمد للعقل في الجنوب، وظهور العقليات السطحية التي ولدت من رحم الفوضى العارمة منكرة وجودها واصولها في عمل منافٍ للمنطق ومجافٍ للحقيقة؟ فهل يدرك الجماعة الذين يطلقون على هذا الجزء من العالم اسم الجنوب العربي، أن هذا الجنوب لا وجود له في المعادلة الدولية والإقليمية، لأن الجنوب في العادة يولد من شمال، وإلى اليوم لم يخلق الشمال العربي ليخلق من رحمه الجنوب العربي، وقبل فترة قرأت تعليقًا في مجموعة لغوية في الفيسبوك تضم أعدادًا كبيرة من المهتمين باللغة العربية ومفرداتها في جميع أقطار الوطن العربي الكبير، وفي تعليق لأحد المساهمين في تلك المجموعة قال وعندنا في دولة الجنوب العربي نقول: كذا، فقال له زميل من موريتانيا: أين تقع دولة الجنوب العربي؟ ولماذا لم نسمع عن هذه الدولة في نشرات الأخبار؟ ولماذا لم تذكر في الأطلس وفي الموسوعة السياسية؟ ومتى ولدت هذه الدولة؟ وكم مفتاح الهاتف لهذه الدولة؟ وهل لها اسم في الأمم المتحدة وفي الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي؟ فلم يجب الرجل على أي سؤال من تلك الأسئلة.
والملاحظ أن العقل في الجنوب اليمني تعرض لتجريف خطير أوصل الأمور إلى جهل مطبق نسي فيه الناس جذورهم وهويتهم وتاريخهم. والمضحك أن يختار الناس في الجنوب اليمني اسمًا لدولتهم الوليدة سبق أن رفضه أحرار الجنوب اليمني قبل الاستقلال المجيد عن بريطانيا، ولم يعترفوا بذلك الاتحاد الفيدرالي المزيف الذي صنعه الاستعمار ومات خلال أشهر في ستينيات القرن العشرين.
ونكرر هذا السؤال ونقول هل كان قحطان الشعبي ومن معه من قيادات الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، يجهلون حقيقة وجودهم وحقيقة تاريخ بلادهم حين أطلقوا على دولة الاستقلال الناجز عام 1967م اسم جمهورية اليمن الجنوبية؟ وهل كانت قيادة التنظيم الموحد للجبهة القومية في عدن تجهل حقيقة الانتماء لليمن حين قامت بتعديل اسم الدولة إلى جمهورية اليمن الشعبية؟ وهل كانت قيادة الحزب الاشتراكي اليمني في عدن تجهل حقيقة انتماء هذا الجزء من اليمن إلى اليمن حين عدلت اسم الدولة إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية؟ وهل كان المناضل علي سالم البيض حين أعلن قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من عدن عام 1994م، يجهل كل تلك الحقائق؟
