الأربعاء 8 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • عندما يصبح التاريخ تسليةً لا درساً: قراءة في خطيئة الاستقواء بالخارج

عندما يصبح التاريخ تسليةً لا درساً: قراءة في خطيئة الاستقواء بالخارج

يصعب تاريخياً الإحاطة الشاملة بوقائع الاستعانة السياسية والعسكرية بقوى من خارج حدود اليمن، والإلمام بدوافعها وملابساتها وخلفياتها. لكن ما سأسرده في هذا الحيز الضيق لا يعدو كونه عينة من مراحل تاريخية متعاقبة، لا تختزل في طياتها بالضرورة كل وقائع الاستعانة بالخارج، لكنها كافية في تقديري لتقييمها كتجارب تاريخية، وأخذ العظة والعِبَر منها، وهي ليست حكراً على اليمن، وإن كانت في اليمن تتسم بخصوصية ربما أكثر من غيرها من المجتمعات التاريخية، وذات امتدادات إلى اليوم.

ولعل بالإمكان - في هذا السياق - أن أجزم أن كثيراً من أعضاء النخب السياسية والثقافية والمجتمعية في اليمن، وإن أبدوا اهتماماً بمطالعة وقائع وحوادث تاريخية ضمن سرد عام، فإن أدوارهم في الواقع السياسي والميداني الراهن تكشف خللاً في بنية وعيهم بالتاريخ، وفي طريقة تعاطيهم مع وقائعه وظواهره. فقراءة التاريخ عند العديد منهم لا تتجاوز حدود التسلية والاستمتاع، أو محاولة ملء الفراغ، أو مادة للتباهي والاستعراض المعرفي، وربما سلاحاً يُشهَر في مجالس الجدل والنقاشات العامة. لكنهم في واقع الأمر لا يعون سنن التاريخ جيداً، ولا يقفون أمام رسالته بالتأمل وسبر الغور، ليدركوا أن المقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة، وأن تكرار الخطأ خطيئة.

إن التاريخ ليس قصصاً تُروى للتندر، ولا صفحات تُقلّب للترف الفكري. التاريخ قوانين وأحكام ودروس. وتجاهل هذه الحقيقة هو ما يوقعنا اليوم في فخ أخطاء سياسية تكاد تكون قاتلة على المدى المتوسط والبعيد. وما نعيشه من مظاهر في واقعنا الراهن ليس إلا انعكاساً مباشراً لهذا الفهم القاصر أو السطحي للتاريخ.

التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره. وإن بدا في لحظة تأمل شاردة أو استنتاج عابر أنه يعيد نفسه، فإنه يفعل ذلك بصيغ مختلفة.

وإذا أردنا أن نفهم راهننا، فعلينا أن نعود إلى صفحات مضت. صفحات تثبت أن "الاستعانة بالغير" بدافع الاستقواء والتغلب والتمكين كانت أثمانها باهظة. والشواهد على ذلك كثيرة، لعل أبرز نماذجها:

١. استعان الملك السبئي "علهان نهفان بن يريم أيمن" بالأحباش لاسترداد عرشه من خصومه الحميريين في حوالي منتصف القرن الثاني الميلادي، فجاء الأحباش وجثموا على صدور اليمنيين.

٢. استعان سيف بن ذي يزن بفارس لطرد الأحباش، فذهب الأحباش وبقي الفرس "الأبناء" حكاماً للبلاد.

٣. استعانت بعض قبائل تهامة بالأيوبيين ضد بني مهدي، فزال بنو مهدي وبقي الأيوبيون يحكمون تهامة وتعز وأجزاء واسعة مما كان يعرف بـ "اليمن الأسفل" عام ١١٧٣م.

٤. استعان السلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري بالمماليك لطرد البرتغاليين، فقتلوه على أبواب صنعاء عام ١٥١٧م وبسطوا نفوذهم على البلاد.

٥. استعان المطهر بن يحيى شرف الدين بالأتراك العثمانيين ضد أبيه وإخوته، فتفرق شمل أسرته وفتح الباب للعثمانيين ليحكموا اليمن مئة عام ١٥٣٨ ــ ١٦٣٥م.

٦. استعان المتوكل محمد بن يحيى بالعثمانيين عام ١٨٤٩م ضد أبناء عمومته القاسميين، فقتلوه بتهمة الخيانة، واندحر العثمانيون من صنعاء إلى تهامة، واستقروا في سواحلها حتى عام ١٨٧٢م.

٧. استعان الشريف "حسين بن علي حيدر" حاكم المخلاف السليماني بالعثمانيين في نفس العام ١٨٤٩م للاستقواء بهم ضد خصومه من أبناء عمومته الأشراف الذين نازعوه السلطة في عاصمته "أبو عريش"، فمهَّد بذلك الاستدعاء لنفوذهم في بلاده وصار مديناً لهم بالولاء.

٨. حين ضربت الفوضى أطنابها في صنعاء وغيرها في النصف الثاني من القرن ١٩م، بسبب الصراع بين أحفاد القاسميين على السلطة، استعانت جماعة من أعيان صنعاء بالعثمانيين في تهامة وعسير لإقرار الأمن، فعاد العثمانيون بقيادة أحمد مختار باشا إلى صنعاء وحكموا خلال الفترة من ١٨٧٢ ــ ١٩١٨م.

٩. كان الصراع والتنافس على النفوذ بين الكيانات السياسية القبلية "المشيخات والسلطنات" في الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن سبباً في فتح شهية الاستعمار البريطاني في عدن للتوغل بنفوذه السياسي داخل حدود تلك الكيانات، وربط زعاماتها بمعاهدات حماية واستشارة حتى الاستقلال في نوفمبر ١٩٦٧م، بعد أن أعمل فيها سياسة "فرق تسد".

١٠. استعان الإمام أحمد حميد الدين بالنظام السعودي للقضاء على حركة ١٩٤٨م الدستورية ورموزها، فمكنه آل سعود من الحكم حتى قامت ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م.

١١. استعانت نخبة النظام الجمهوري ١٩٦٢م بعبدالناصر ضد فلول الملكيين. ورغم الدور الذي لعبه عبدالناصر في تثبيت النظام الجمهوري، وتسجيل هدف أخير وحاسم في مرمى النظام السعودي الداعم للملكيين، فقد ظلت الحرب مستعرة في الداخل حتى بعد انسحاب المصريين عام ١٩٦٧م، وفي القلب منها حصار السبعين.

ويجرنا هذا بطبيعة الحال إلى واقعنا الراهن، وهو واقع أكثر تعقيداً وحساسية، يصعب الخوض في تفاصيله من ناحية المنهجية التاريخية. راهنٌ يُقرَّر فيه مصير الوطن ومستقبل أجياله في عواصم غير يمنية. بل إن مصلحة الوطن لا تُقرر إلا إلحاقاً بمصالح الخارج، أو بموافقته ورضاه.

فإذا لم تقرأ النخبة هذا التاريخ قراءة واعية، صدق عليها القول: "إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم".

وقد وجدتُ مقولة - في هذا الإطار - للكاتب والفيلسوف الإسباني "فرناندو ساباتير" تقول: "إن مجرد طلب العون يشعر الطرف المستعان به بضعفك، ويكشف له مواطن خللك، ويعطيه المبرر للتدخل باسم المساندة".

هنا بالتحديد تكمن "الحكمة اليمانية الخاطئة". الحكمة التي تقوم على التواكل والرهان على الغير. حكمة حولت الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. والنتيجة واحدة: فقدان السيادة، وتآكل الهوية، وإطالة أمد الصراع، وخلخلة النسيج الاجتماعي.

خلاصة القول، إن المشكلة ليست في وجود الخلاف كيفما كانت طبيعته وهويته. فالخلاف سنة في كل المجتمعات. بل المشكلة في طريقة إدارته وفي الموقف منه وطبيعة معالجته. لقد دفع اليمنيون عبر تاريخهم أثماناً باهظة لرهانهم على الخارج. دفعتها دماؤهم وأرضهم ووحدتهم.

واليوم، ونحن نقف على مفترق طرق، فإن السؤال الحقيقي هو: متى نراهن على أنفسنا؟

متى ندرك أن الوطن لا يُبنى بأيدي الغير، وأن الكرامة لا تُستعار، وأن الحلول التي تأتي من الخارج هي في حقيقتها مشاكل مؤجلة لا حلولاً.

إن الخروج من هذه الدائرة يتطلب شجاعة ومراجعة، انطلاقاً من:

١. قراءة نقدية للتاريخ، كقوانين ونتائج، لا كحكايات وروايات أدبية. بمعنى أن نُدرِّس للأجيال الحالية "سنن التدافع" و"ثمن الاستعانة بالغير".

٢. عقد وطني جامع، يضع بعين الاعتبار أن لا مخرج إلا بحل يمني- يمني، يتجاوز الولاءات الضيقة. فغياب هذا العقد هو الباب الذي يدخل منه الخارج دائماً.

٣. بناء دولة مؤسسات وقانون، فضعف الدولة هو الذي يجعل القبيلة والحزب والأسرة وكل عصبيات ما قبل الدولة بديلاً عنها، ويفتح الباب للتدخل الخارجي.

٤. خطاب إعلامي توعوي، يفك وهم "المنقذ الخارجي"، ويذكّر الناس بتجارب الماضي لتجاوز أخطائها في حاضرهم ومستقبلهم. وغيرها من المنطلقات التي يمكن التوافق حولها والبناء عليها.

فالتاريخ لا يرحم من لا يقرأه. والتاريخ اليمني تحديداً صارخ بدروسه، غارق بها حتى أذنيه. فهل نعي؟ أم سنظل نعيد إنتاج نفس الخطأ وننتظر نتيجة مختلفة أو غير مُرضية؟!.