الأحد 28 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • محمد عبد الله الشعيبي: العدني اليمني الثوري

محمد عبد الله الشعيبي: العدني اليمني الثوري

محمد عبد الله الشعيبي: العدني اليمني الثوري

إنَّه العدنيُّ اليمنيُّ، الثوريُّ التقدميُّ الذي نبض ونهض بوهج الكفاح ضد الاستعمار، والاستبداد حتى آخر رمق من حياته؛ فقد عاش هذه العقيدة الوطنية من المهد إلى اللحد، واقتفى أثرها منذ "بسم الله الرحمن الرحيم"، وإلى صدق الله العظيم، وحتى الحرف الأخير في سِفر كتاب الثورة التي تشرَّب مبادئها وآمن بيقينها إبّان تلمذته في مدرسة المناضل والمفكر الكبير عبدالله باذيب.

عبدالله باذيب ـ منصات
عبدالله باذيب ـ منصات

ولم يكن حبه لعدن ولليمن ليدانيه أو يعادله شيء، سوى شغفه العميق بعبد الله باذيب، كإنسان، وولائه المطلق لحزبه (اتحاد الشعب الديمقراطي)، في بداية مشواره السياسي، إلى وصوله للحزب الاشتراكي، يضاف إلى ذلك كله تعلقه الوجداني بفكره وقضية العدالة، والوفاء لمن يحب؛ إذ كان الوفاء يمثل العنوان الأبرز وأحد أهم المفردات المكونة لهويته واسمه. هكذا ارتسمت صورته في وعيي وتجلّت لي هويته، من خلال معرفة عابرة سنحت حين وفد إلى الحديدة، قادماً من عدن في العام الدراسي 1973 - 1974م، متهيئاً للسفر صوب الاتحاد السوفيتي في منحة دراسية نالها عن طريق حزبه، بعد أن تحصل على جواز سفر من شمال البلاد.

لقد كان يتدفق في قمة حيويته ونشاطه ومشاكساته المحببة، متسلحاً بعناد صلب لا يلين ولا يفتر أمام الخطوب، وكان يواجه قضايا الحياة اليومية وتفاصيلها المعقدة بهذا الطبع الساحر والجميل الذي رافقه وظل سمة لصيقة به حتى لحظة رحيله عن عالمنا.

كان يقاوم وطأة التعب ومكابدة المرض في آخر أيام حياته، مستنداً إلى تاريخ طويل من قوة العناد والمشاكسة الشجاعة، وهي القوة التي راح يراكمها طوال سنين عمره. ومن هناك، من ذلك المدى البعيد القريب في آن، من أرض الكنانة مصر، كنت أستمع بوضوح إلى صوته القوي الجسور، وهو في قمة التعب.

لقد غادرتنا يا محمد يا ابن الشعيبي، ودعتنا وصوتك ما يزال يشع بهجة وفرحاً، ورحلت وأنت في أسمى مراتب الطمأنينة الساكنة، راضياً كل الرضا عن نفسك وعما قدمت؛ لأنك صمدت بكل إباء ورفضت أن تفقد اسمك، أو تبدد روحك، أو تساوم على هويتك كعدني يمني أصيل في جميع جولات الصراع العبثي المأساوي التي عصفت بالبلاد.

إن محمد عبد الله صالح الشعيبي يُعدّ بحق من النماذج الأخلاقية، والإنسانية النادرة والفريدة في فضاء الفكر السياسي؛ تلك النماذج الاستثنائية التي تأبى التنازل عن قناعاتها الراسخة أو التخلي عن آرائها ومبادئها بيسر وسهولة.

إن شخصية محمد عبد الله صالح الشعيبي هي شخصية ذاتية، واجتماعية، وإنسانية مركبة وعميقة، تتداخل وتتفاعل في أعماقها تناقضات الحالة الذاتية والاجتماعية والثقافية والوطنية اليمنية برمتها؛ فهو يمثل العدني الثوري في أبهى صوره، وهو في الوقت ذاته اليمني الصميم الخالص في سلوكه الحياتي والإنساني النبيل، وهو القومي العربي، وهو الإنساني الكبير في المثل والقيم التي كانها.

لقد تعرفت عليه أول الأمر عن بعد، وضمن أجواء أحد مجالس القات في مدينة الحديدة، بحضور الصديق المشترك، أبو القصب الشلال، وكان حينها ابن الشعيبي، ينهي ترتيباته ويجهز نفسه للسفر إلى الاتحاد السوفيتي في منتصف النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي. وحين وقع نظري عليه، وجدته من حيث الهيئة والشكل يذكرني بصورة الشخصية العدنية التقليدية وملامحها العريقة، ولم يكن ذلك مقتصراً على نبرة اللهجة العدنية الصافية بمفرداتها العذبة والمحببة إلى القلوب فحسب، بل كان يتعداه إلى نمط ملبسه المتمثل بـ (الفوطة) العدنية الشهيرة، وطريقة تحزمه بها، كما أن حركته الذاتية والشخصية كانت تشير بوضوح وتدل بلا لبس على ذلك الإنسان العدني الأصيل الذي يمشي ويداه ممسكتان بالمنديل وبـ "باكت" السيجارة، وإلى جانبها تبرز "القراعة" (الولاعة).

وفي الجلسة الأولى التي ضمتنا في ذلك اللقاء، لم أجد نفسي متفقاً مع بعض استنتاجاته وتحليلاته السياسية الباتة والقاطعة، تلك الرؤى التي كان يندفع في الدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة وجرأة وشجاعة، بصرف النظر تماماً عن مدى دقة وصحة ما كان يراه هو، أو ما كنت أرتئيه أنا في المقابل دافعاً به ضد أطروحاته. لقد كانا مقيلين اثنين أو لقاءين يتيمين فحسب، ولم يكتب لنا القدر أن نلتقي بعدهما إلا في عام 1985م في فندق (راسيا) في العاصمة موسكو، وتحديداً في الجناح الذي كان ينزل فيه القائد السياسي والوطني الكبير، والصديق العزيز عبد الواحد غالب المرادي، عافاه الله وشافاه وألبسه ثوب الصحة.

وعلى الرغم من تلك المسافة الزمنية الممتدة والطويلة التي تفصل بين اللقاءين، وتنائي الجغرافيا بين صنعاء وموسكو، وجدته يبادرني بالسؤال مباشرة دون مقدمات: "متى قدمت إلى موسكو؟ أجئت زائراً أم من أجل الدراسة؟" ثم أردف مستفهماً بنبرته الودودة: "هل تتذكرني؟" فأجبته على الفور: "نعم، أتذكرك جيداً".

وفي غمرة ذلك اللقاء المتجدد، احتدم النقاش وعلا صوته/ صوتنا، حول القضايا السياسية الراهنة التي كانت تموج بها الساحة في حينه، الأمر الذي أثار حفيظة وحرج بعض الحاضرين من حدة النقاش/ الحوار،، مع أنه في حقيقة الأمر كان يتكلم في منتهى الوضوح والصدق والشفافية.

بعد ذلك، التقيت به لمرة ثانية عابرة أمام معهد العلوم الاجتماعية الذي كنت أتابع دراستي فيه، ولم يقدر لي أن ألتقي به بعد تلك المرة إلا في صنعاء مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، وكان ذلك في منزل الصديق الراحل نجيب محمد إبراهيم؛ حيث كان المقيل عدنياً جنوبياً يمنياً ساخناً بامتياز، تشتعل فيه الأفكار، وقد ضم كوكبة وضاءة من الأصدقاء والمثقفين الذين استبد بهم واستغرقهم الهم السياسي الوطني اليمني وهواجسه المؤرقة.

وإن أكثر ما استرعى انتباهي ونال إعجابي الشديد به حينها، هو موقفه الحكيم من كارثة أحداث 13 يناير 1986م المأساوية؛ إذ كان موقفه ينم عن توازن كبير وعقلانية رصينة، بعيداً كل البعد عن الانحيازات الذاتية الضيقة أو المواقف السياسية المسبقة والموجهة، فكان يؤكد بيقين لا يتزعزع على حجم الخسارة الفادحة التي تكبدها اليمن بأكمله في تلك الحرب الطاحنة.

وهذا الرأي العقلاني والمنصف بالذات هو الذي جذبني إليه وزاد من قناعتي به وشدني إلى شخصه أكثر فأكثر، على الرغم مما كان يبدو عليه من حدة وانفعال دافق أثناء عرضه لأفكاره ومرافعاته، وهو الأسلوب الفريد الذي ظل يميزه ويطبع شخصيته حتى لحظة رحيله القاسي الذي أوجع الروح وأرهق النفس.

ومما يشفع له ويبرر تلك الحدة وذلك الانفعال المتواصل في حديثه، هو أنه كان شخصاً ناصعاً وواضحاً، وصادقاً مع نفسه ومع جميع من يحيطون به، فلم يكن يعرف مواربة، ومراوغة الكلام، ولا يتقن فنون المجاملة النفاقية، أو تزويق الحديث وتنميق العبارات للاستهلاك؛ بل كان كل ما يكتنزه قلبه ويحتويه عقله ينطق به لسانه فوراً، ويتجسد حياً في حركاته ومخرجات كلامه بلا زيف.

إن واقع الحال وحقيقة متانة الصداقة وعمقها لا يقاسان أبداً بطول الزمن أو استمرار الأيام في تعاقبها التاريخي؛ فهناك أصدقاء وأسماء نلتقي بهم في خطوف عابرة من الحياة، ربما لمرة واحدة أو لمرتين، ولأوقات قصيرة ومحدودة جداً بمفهوم الزمن وحسابه، غير أنهم يتركون في حنايا النفس، وفي خلايا العقل والروح، أثراً عميقاً غائراً لا تمحوه الأيام، أثراً باقياً وخالداً يتحدى الفناء حتى نهاية العمر. ومثل هذا القول يصدق تماماً وينطبق بجلاء على جملة من الناس والأصدقاء الأوفياء بالنسبة لي، أولئك الذين حفروا أسماءهم في وجداني، وهم كثر، يصعب حصرها في أسماء معينة، يقف على رأسهم العزيز، الصديق محمد عبد الله صالح الشعيبي.

إنهم، - جميعهم - يشبهون في حضورهم الأثير في ذاكرة الروح، قصة (النداهة) الأسطورية التي تشملك بدفء حبها، وفيض عطفها، وصدقها الآسر، فتخطفك من نفسك وتجذبك نحو عوالمها الساحرة.

إنهم أسماء وأصدقاء كبار لا يضعون الحواجز، ولا يقيمون المسافات المصطنعة بينهم وبين من حولهم من البشر، ومن هنا بالضبط تنبع تلك السهولة العجيبة في الولوج إلى عوالمهم الحياتية والإنسانية الرحبة، ومحمد عبد الله صالح الشعيبي يلوح كواحد من أنصع هذه الأسماء النبيلة والجميلة في الذاكرة.

حقاً، هو صادق وصافي السريرة، حتى أنك إذا فتشت قلبه لن تجد غير صدقه المبين.

ليس المهم كثرة الأصدقاء، وإنما نوعية وكيفية الأصدقاء.

مع رحيل محمد الشعيبي وفقدانه المر، يجتاحني شعور حزين بأنني قد خسرت شيئاً ثميناً من نفسي، شيئاً غالياً لا يمكن لأي بديل أن يعوضه؛ ذلك أن الصديق الحقيقي ليس مجرد عابر سبيل، بل هو ذاكرة حية تتعمق جذورها ويتعتق حضورها البهي ويزداد قيمة كلما تقادم عليها الزمن.

وبرحيله، ومضي غيره من الأصدقاء الخلص، تجرعت بمرارة مفرطة طعم الفقد ولوعة الغياب. غير أن سيرة محمد بن الشعيبي العطرة تؤكد بوضوح أنه لم يرحل ولن يغيب؛ فهو باقٍ ومقيم في ذاكرة الصداقة الحية عند كل من عرفه واقترب منه كإنسان.

فهناك في هذه الحياة نمط من الأصدقاء يرحلون عن دنيانا بجسدهم، لكننا نضبط إيقاعات أنفسنا ونحن ننتظر عودتهم بلهفة؛ لأنهم من الناحية الوجدانية والروحية والنفسية لم يغادروا الذاكرة أبداً، بل حفروا حضورهم الراسخ ومعنى وجودهم العميق في ذواتنا، ولأجل هذا نلتف حول ذكراهم كأشخاص وأصدقاء، نترقبهم ونتذكرهم بشغف في لحظات الحزن المخيم والفرح العابر، وفي طليعة هذه الأسماء الشامخة يتجلى اسم محمد عبد الله صالح الشعيبي.

إن أقسى ما يجرح نياط الروح ويورث العقل والنفس ألماً مضنياً، هو الإحساس بأن ثمة أسئلة كثيرة وبسيطة كنت أود بشدة أن أطرحها عليه وأن أستمع لإجاباته عنها، غير أن المنية عاجلتنا ولم أفعل؛ كما لم افعل - كذلك- مع أبي, وأمي، حول أسئلة صغيرة كثيرة، كنت أود سؤالهما عنها ، وأوجل الاسئلة، حتى سبقتني إجابة قضاء الموت، وبقيت الأسئلة كذلك معلقة في الفراغ، مؤرقة للمضجع، ومتعبة للذاكرة المثقلة بالغياب، بالنسبة لي على أقل تقدير.

إن محمد عبد الله صالح الشعيبي لم يكن مجرد شخص عابر عرفته في زحام الأيام ثم مضى وانقضى، ولا هو مجرد صديق مر في حياتي مرور الكرام؛ بل إنه يمثل قيمة أخلاقية، واجتماعية، ووطنية سامية، وهو التجسيد الحي لنموذج الصديق الوفي الودود بلا حدود، وصورة حية ومشرقة للعدني الثوري الجسور الذي تقودك خطواته الواثقة نحو اليمني الصادق، وترشدك إلى اليمن في بعده الثقافي والحضاري الشامل.

إنَّه عدنيٌّ تكمن الخصوصية في أن عدنيته الثورية تقودك مباشرة لتلمس صورة اليمني في بنيته التكوينية العميقة والأصيلة، تلك البنية الجامعة والموحدة لجميع أطياف وفئات هذا الوطن المعطاء، ولم يكن يوماً يمثل ذلك الفكر الضيق لـ (الجمعية العدنية) المتجمد في شعار "عدن للعدنيين"؛ بل كان يجسد العدني اليمني التقدمي، في أبهى تجلياته، متدثراً بصورة "عدن لكل اليمنيين"، تماماً كما صاغها ورآها المفكر الراحل عبد الله باذيب، صاحب الأسبقية ومن أوائل من وضع الصياغات الفكرية والسياسية والثقافية والوطنية المتكاملة حول هوية اليمن الديمقراطي الموحد.

إن محمد بن الشعيبي هو الخلاصة النقية والمفهوم المتبلور للوطنية العدنية اليمنية التقدمية المعاصرة، هكذا عاش محمد الشعيبي حياته بالطول والعرض، وهكذا أراد لنفسه أن يكون، وعلى هذا المبدأ النبيل غادرنا ومضى إلى جوار ربه.

لقد كانت سنواته العشر الأخيرة التي قضاها في منفاه شبه الإجباري بمثابة مستهل التعب الوبيل، ومنتهى المرض العضال، والبداية الفعلية لرحيل هذا الجسد المنهك، تاركاً إيانا فوق فراش القلق والترقب، وهو في ذروة أرقِه وإعيائه.

ورغم كل تلك المعاناة وشراسة الوجع، لم يكفَّ يوماً عن السؤال والاطمئنان على رفاق دربه وأصدقائه، واساتذته، وخاصة الاستفسار عن صحة بعضهم، وتحديداً عن أحوال الدكتور الشاعر الكبير عبد العزيز المقالح، الذي التفت إليَّ ذات مرة (أي المقالح) وقال لي واصفاً معدن محمد الشعيبي: "حين تكون مع الشعيبي فلا تخشَ على أي شيء في حياتك، نم ملء جفنيك وامشِ أمامه وأنت آمن، فإنه يحرسك بصدقه، ويحيطك بأمانه ووفائه المطلق".

ويحضرني في هذا المقام، قول الإمام، محمد بن ادريس الشافعي:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم.

وعاش قوم وهم في الناس أموات.

يا لله! كم كنت جميلاً وباهراً يا محمد يا صديقي، في كل تفاصيلك وأحوالك! كنت جميلاً في حدتك الطاغية، وفي انفعالاتك الصادقة، وفي غضبك العارم، وفي توترك المستمر؛ تلك الانفعالات الثائرة التي لم تكن سوى دليل ناصع يبرهن على مدى صدقك العفوي، وطهارة روحك النقية من الشوائب، ومن الزيف.

ولقد ظل جسده المتعب المنهك يغالب الوجع، ويعافر عاديات الزمن بصبر وتجلد، حتى اتخذ قراره الأخير بالرحيل، فمضى وهو صلب العود، متماسك البنيان، قوياً شامخاً كما كان طوال حياته وكما أراد لنفسه دائماً أن يكون.

لك منا كل مواسم المحبة، ودعوات السلام، وفيوض الغفران والرحمة يا صديقي الجميل، والنبيل، والعزيز.

يا ابن الشعيبي.