الأحد 5 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الذكرى الـ33 لرحيل الربادي: حارس الإرث المهدد بعَبث الانتهازية والتفتيت

الذكرى الـ33 لرحيل الربادي: حارس الإرث المهدد بعَبث الانتهازية والتفتيت

الذكرى الـ33 لرحيل الربادي: حارس الإرث المهدد بعَبث الانتهازية والتفتيت

في الذكرى الثالثة والثلاثين لرحيل الرمز الثقافي والوطني الكبير، الأستاذ محمد علي الرَّبادي، لا نقف مجرد وقفة عابرة أمام محطة غياب، بل نفتح جرحاً ثقافياً وإنسانياً غائراً في جسد الوعي اليمني المعاصر، ونستدعي زمناً كان فيه المثقف حارساً لقيم الكلمة والحرية والنظام الجمهوري والكرامة الإنسانية. تأتي هذه الذكرى السنوية الأليمة لتضعنا وجهاً لوجه أمام مفارقة حادة وتناقض صارخ بين زمنين: زمن الربادي النقي الذي قاد فيه الاتحاد العام للأدباء والكتاب اليمنيين بروح الفارس والزاهد والمناضل الصلب بكل إخلاص وصدق لأجل الكلمة ، والزمن الراهن الذي تكلست فيه المبادئ وتحولت فيه الثقافة إلى غنيمة، والنضال إلى مشروع استثماري مبرمج يدر الأرباح على سماسرة الكلمة والمواقف والمتاجرين بالوعي والوطن.

و الحديث عن غياب المؤسسة واستلاب حقوق الأديب والمبدع اليمني اليوم يقودنا مباشرة إلى المقارنة المرة مع تلك الحقبة الذهبية التي ترأس فيها الربادي اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، تلك المنظمة العريقة التي كانت صرحاً تنويرياً فريداً ومظلة حقيقية وفرت للأديب والمبدع اليمني كرامته ورعايته وقدمت له من الدعم والتقدير والحماية ما يفتقره اليوم المبدع والكاتب جملة وتفصيلاً في زمن التشتت وضياع الحقوق والمكتسبات.
 ويعيش المبدع اليمني في وقتنا الحالي مأساة مزدوجة ومريرة تتجلى في الغياب التام والكامل للمؤسسات الثقافية الفاعلة التي هجرت دورها الحقيقي، وتحوّل المشهد من فضاء للإبداع الحر والفكر الخلاق إلى سوق مفتوحة للاستثمار والربح المادي والتكسب الرخيص باسم الأدب العريق والنضال الوطني، وصار هذا الواقع المؤلم ممتداً وباسطاً ظلاله القاتمة من تعز إلى عدن وفي مختلف الحواضر والمدن اليمنية دون استثناء.
لم يكن الربادي مجرد مسؤول ثقافي يمر في تاريخ الوظيفة مرور العابرين، بل كان ظاهرة يمنية استثنائية تشابكت فيها المواهب والمسؤوليات الكبرى، وتجسد فيه السياسي الصلب والمثقف الموسوعي والثوري الحقيقي الذي لم يحد يوماً عن خط الدفاع عن الإنسان وعن النظام الجمهوري وقيم ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين، في وقت تعيش فيه اليمن والجمهورية اليوم أسوأ مراحلها الزمنية والوجودية وأشدها قتامة. لقد كان الربادي خطيباً مفوهاً تهتز لمنابره وصوته القوي القلوب والضمائر، مسخراً بلاغته الفائقة وقدرته التعبيرية الفذة كأداة لرفع وعي الجماهير الكادحة والدفاع عن كرامة الوطن وحقوقه المسلوبة، وهو ذلك الوجه الثوري النادر والقليل الذي قلّ أن يجود الزمان بمثله في عصرنا هذا، رجل عاش بين الناس ومن أجلهم، وجعل من الكلمة قضية وجودية ومصيرية لا تقبل المساومة، وانتصر لليمن ككل وللإنسان بكرامته دون حاجة لمنظمات دولية ممولة، ودون مشاريع مشروطة، بعيداً كل البعد عن مسالك الانتهازية والابتزاز والاستثمار الأناني التي باتت السمة البارزة والواضحة لواقعنا المعاصر.
وتكتمل المأساة وتتعمق الطعنة حين نرى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، هذا الكيان العريق الذي رسم الربادي ورفاقه الآخرين من أدباء اليمن الكبار الذين لا يتسع المجال لذكرهم ولكنهم والراحل الربادي بجهودهم العتيدة حافظوا على استقلاليته الوطنية الفكرية، والذي يتعرض اليوم لمساعٍ حثيثة تصب في مستنقع التخريب حيث تُبذل بشكلٍ سلبي وممنهج من قبل بعض الشخصيات الانتهازية التي تسعى بكل قوتها لصبغ هذا الصرح الثقافي بتطرفها الديني الأعمى وعصبيتها المناطقية الضيقة، في محاولة بائسة لتكسير وتقسيم اتحاد أدباء وكتاب اليمن وتحويله من رمز للوحدة الفكرية والثقافية واللحمة الإبداعية للكاتب اليمني إلى شظايا تخدم مشاريع التمزق والتفتيت والخراب والارتهان للاستقطابات المريضة. وإنها لمفارقة حزينة ومبكية أن تمر الذكرى الثالثة والثلاثون لرحيل هذه القامة السامقة والرمز الوطني الفذ فلا يستذكرها ويثير شجونها سوى شريحة نحيلة وخفيفة من اليمنيين تقتصر في الغالب على أصدقائه الأوفياء ممن عاصروه وعرفوا نقاء سريرته، والفاعلين المخلصين في الشأن الثقافي المهمل والمحارب، في حين أن مسيرة حياة الربادي ونضاله الطويل ليست ملكاً لجيل مضى، بل هي إرث وطني وتاريخي حي يجب أن يُروى ويُعاد بعثه في الأجيال، ويجب أن تعلو سيرته فوق كل النوافذ الإعلامية والمنصات، وأن تتوسد تفاصيلها عقول وقلوب كل الشخصيات المعاصرة لتستلهم منها معنى الوفاء الخالص للوطن.
إننا نعيش بكل أسف في زمن تبدلت فيه القيم الإنسانية والوطنية وانتكست فيه المفاهيم، حيث انزلق الكثير من أصحاب الأقلام السياسية والثقافية خلف بريق الأموال السياسية الزهيدة والمشبوهة التي تصرف وتبذر بسخاء على المقربين والانتهازيين وذوي العلاقات الشخصية والمحسوبيات من قِبل شخصيات ومكونات تدعي زوراً وبهتاناً التحدث باسم اليمن والدفاع عن الإبداع والمبدعين.
 والمؤلم والأكثر مرارة في هذا المشهد القاتم، أن هذا العبث المنظم والاستثمار الرخيص في سوق الثقافة والسياسة يدار ويُوجَّه من داخل مراكز القرار العليا، ومن قِبل شخصيات تتبوأ مناصب قيادية ووظيفية في الحكومة الشرعية التي تتحمل بدرجة أساسية مسؤولية رعاية وحماية الرموز الأدبية والفكرية وتقديم الاحتياجات والحقوق لكل المبدعين ، والتي كان يُفترض بها قانوناً وأخلاقاً وتاريخاً أن تكون حامية لإرث الربادي وراعية للمبدعين الحقيقيين، لا صانعة لأسواق الولاءات الضيقة وممولة لمشاريع الهدم والتكسب والتفتيت الممنهج، ليبقى الكاتب الكبير محمد الربادي، رغم هذا النسيان المؤسسي والابتذال الراهن، منارة عصية على الانطفاء، وصرخة احتجاج حية في وجه تجار الحروب وسماسرة الثقافة، ودعوة لاستعادة شرف الكلمة ونقاء النضال الجمهوري الخالص.