المستشار محمود النقيب لـ«النداء»: الملكية الفكرية أداة دفاع استراتيجية للدول الخارجة من الأزمات

تعد الاعتداءات المتكررة على حقوق الملكية الفكرية من أبرز المشكلات التي يعاني منها مبدعو اليمن، وقد استغل المنتهكون لهذه الحقوق ظروف الحرب التي تمر بها اليمن، الأمر الذي استدعى تدخل عدد من الأكاديميين والخبراء والتصدي لهذه الظاهرة، من بين هؤلاء المستشار محمود إبراهيم النقيب، الذي ألّف كتابًا متفردًا بهذا الشأن تحت عنوان "الملكية الفكرية في اليمن: تقييم الواقع واستشراف آفاق المستقبل".
ولأن النقيب خبير معتمد في مجال الملكية الفكرية، ومستشار وزارة الصناعة والتجارة اليمنية لشؤون الملكية الفكرية وحماية المستهلك، وكان شغل عددًا من المناصب المتصلة في هذا المجال، منها إدارة براءة الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية، والمدير التنفيذي للمنظمة اليمنية للرقابة على حرية المعلومات، فقد كانت وماتزال حماية حقوق الملكية الفكرية في اليمن هي همه الشاغل، لذا فإنه في طور الإعداد لكتابه الجديد المعنون بـ"الدليل الموسوعي الشامل للملكية الفكرية: من النظرية التقليدية إلى التحول الرقمي"، وهو كتاب قيد الطبع سيصدر عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية.
في حواره مع "النداء"، يتحدث المستشار محمود النقيب عن أسباب شغفه بالدفاع عن حقوق الملكية الفكرية للمبدعين اليمنيين، وعن مكامن الضعف في تطبيق الإطار التشريعي والمؤسسي في ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية في اليمن، وعن تقييمه لتدخلات الذكاء الاصطناعي في التضليل والانتهاكات التي تطال حقوق الملكية الفكرية والإنتاجات الأدبية في اليمن، وعن مبررات دعوته لإنشاء هيئة وطنية موحدة للملكية الفكرية، وأمور أخرى ذات صلة في هذا الحوار المطول.
دكتور محمود يُعد كتاب "الملكية الفكرية في اليمن: تقييم الواقع واستشراف آفاق المستقبل"، من المؤلفات اللافتة في اليمن والوطن العربي. ما الذي دفعك لتأليف هذا الكتاب؟
في البداية، يسعدني جدًا هذا التواصل مع صحيفة "النداء" الغراء، وأود أن أشير إلى أن أسئلتكم المطروحة تمس قضايا جوهرية وحساسة للغاية، وهي تضع اليد على الجرح، وتفتح الباب لنقاش حقيقي نحن في أمسّ الحاجة إليه.
وللإجابة على سؤالكم الأول والتأسيس عليه، يجب أن ننطلق من حقيقة راسخة: إن مفهوم الملكية الفكرية لم يعد اليوم مجرد ترف قانوني أو تخصص هامشي، بل بات عصب الاقتصاد الحديث والمحرك الأساسي للتنمية الشاملة بأبعادها كافة؛ المستدامة، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، في أية دولة تسعى جادةً لحجز مكان لها في خارطة المستقبل.
إن ما دفعني لإعداد هذا الكتاب هو إيماني المطلق بأن توفير مناخ تشريعي وتنفيذي ضامن لحماية الملكية الفكرية، هو السبيل الأمثل لاستمرار النشاط الإبداعي للمفكرين، والمخترعين، ورواد الأعمال؛ حيث تمنحهم هذه الحماية البيئة الآمنة للاستفادة من نتاج عقولهم وتطويره. فالملكية الفكرية اليوم هي أداة رئيسية لتكوين الثروة، وتشجيع الاستثمار في البحث والتطوير، ونقل التكنولوجيا، فضلًا عن رفع القيمة السوقية للشركات بناءً على "رأس المال الفكري".

وإذا نظرنا إلى التجارب الدولية، سنجد أن القوانين المتعلقة بالملكية الفكرية أصبحت التعبير القانوني الأبرز عن الثورات التكنولوجية؛ فالمنظومات الاقتصادية الكبرى، كالاتحاد الأوروبي مثلًا، ما كان لها أن تحقق نموًا مستدامًا ومتوازنًا أو تجذب الاستثمارات الأجنبية وتخلق فرص العمل، لولا استنادها إلى ركائز تشريعية تحمي الابتكار وتضمن حقوق المبدعين. ولا تقتصر هذه الأهمية على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل الأبعاد الاجتماعية والثقافية من خلال حماية الهوية الوطنية ونشر المعرفة، وصولًا إلى الأبعاد السياسية والقانونية التي تعزز الاستقرار والسيادة الوطنية.
وعلى الرغم من هذه الأهمية البالغة التي تلامس أدق تفاصيل حياتنا المعاصرة، إلا أن موضوع الملكية الفكرية -للأسف- لايزال من المواضيع التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي والنقاش المستفيض على مستوى الوطن العربي عمومًا، واليمن خصوصًا.
من هنا نبع الدافع الحقيقي وراء إعداد هذا المؤلف؛ فإلى جانب الشغف والاهتمام الذاتي بهذا الحقل المعرفي، كان عملي الطويل في هذا المجال على المستويين التنفيذي والاستشاري (كمستشار لوزارة الصناعة والتجارة للملكية الفكرية) دافعًا أساسيًا لرصد الفجوات وتحليل الواقع. لقد أردت من خلال هذا الكتاب تقديم مساهمة علمية وعملية تفيد أصحاب القرار والباحثين، وتعمل على إذكاء الوعي المجتمعي والمؤسسي بأهمية الملكية الفكرية، وكيفية تحويلها من نصوص قانونية جامدة إلى محرك حقيقي للتنمية والاقتصاد الوطني في اليمن.
سلط كتابكم الضوء على الفرص الواعدة في مجالات المؤشرات الجغرافية والمعارف التقليدية والصناعية الإبداعية في اليمن، ما هي أبرز هذه المؤشرات؟
في كتابي، أردت التركيز على أن التنوع المناخي والتضاريسي الفريد لليمن، قد وهبنا كنزًا ثريًا من المنتجات ذات الجودة الاستثنائية التي ترتبط ببيئتها ارتباطًا عضويًا، وهو ما يجعلها "مؤشرات جغرافية" واعدة، إلى جانب ابتكارات زراعية أصيلة قادرة مجتمعة على صناعة علامات تجارية محلية وعالمية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وتخلق فرص عمل واسعة للشباب.
ومن بين العديد من الثروات، اخترت التركيز في الكتاب على نماذج حيوية جاهزية للاستثمار والنفاذ للأسواق الدولية، وتتوزع بين مؤشرات جغرافية محمية وابتكارات زراعية متميزة:
أولًا: المؤشرات الجغرافية الواعدة (المرتبطة ببيئة المنشأ):
البن اليمني (مؤشر المخا الجغرافي -Mocha ): وهو درة التاج في المؤشرات الجغرافية اليمنية، وله تاريخ ممتد منذ تصدير أول شحنة عبر ميناء المخا عام 1628م. وهنا يبرز التحدي القانوني الأكبر في "استرداد الهوية الفكرية"؛ إذ إن مصطلح "موكا كوفي" (المنسوب تاريخيًا للمخا) تم تسجيله واستغلاله عالميًا كعلامة تجارية مشهورة من قبل جهات ودول أجنبية منذ زمن بعيد. إن الهدف اليوم هو تفعيل آليات الملكية الفكرية الدولية لحماية منشأ السلالات اليمنية الفريدة بحسب مناطقها (مثل بني مطر، الحيمتين، بني حماد، جبل برع، ملحان، آنس، بني إسماعيل، وادي الدور بالعدين، المحويتي، الريمي، الصبري، الصعدي، الوصابي، اليافعي) كمؤشرات جغرافية محمية (Geographical Indications)، لخلق جدار قانوني يمنع تزييف البن اليمني، ويمنح المنتجين والشركات اليمنية الناشئة "قوة تفاوضية" لإعادة البريق العالمي لهذا المنتج الأصيل وحقوقه المسلوبة.
العسل اليمني (أغلى عسل في العالم): ويأتي في مقدمته "عسل السدر الدوعني" بحضرموت، الذي يُجنى يدويًا بطرق تقليدية متوارثة، بجانب أصناف متميزة أخرى كعسل "السُّمر" العلاجي، وعسل "المجرى الأبيض" النادر من الجبال الغربية، و"العسل السقطري" الغني بالتنوع البيولوجي الفريد للجزيرة.
العنب اليمني: الذي تتركز زراعته في المناطق الباردة والمعتدلة، خاصة محافظة صنعاء (بني حشيش، خولان، سنحان) وصعدة، وينتج اليمن منه أكثر من 20 صنفًا بجودة علاجية وغذائية فائقة (كالرازقي، العاصمي، والجبري) ويمثل قطاعًا زراعيًا ضخمًا واعدًا للتسويق الدولي المبني على المنشأ الجغرافي.
الجبن التعزي المدخن: منتج تقليدي عريق يُصنع منذ قرون في مناطق تعز (كالعوشقي والضبابي والكدحي)، وتحويله إلى مؤشر جغرافي محمي (على غرار جبن البارميزان الإيطالي) سيفتح له أسواقًا تصديرية كبرى ويحمي السمعة التاريخية للمنتج من الغش.
العقيق اليماني: الثروة الحجرية الكريمة التي تشتهر بها مناطق مثل أنس وعنس بذمار وخولان بصنعاء؛ بصلابته وألوانه الساحرة وخاصة "الرماني" و"المزهر المصور"، وهو سفير التراث الحرفي والمنشأ الجغرافي اليمني في المحافل الدولية.
ثانيًا: الابتكار الزراعي وحماية الأصناف النباتية:
بصل بافطيم (نموذج استنبات الأصناف النباتية): وهو نموذج حي وملهم على قدرة العقل والبحث العلمي الزراعي في اليمن على التطوير؛ حيث حاز هذا الصنف الذي طُوِّر في حضرموت على جائزة الإبداع العلمي عربيًا لتميزه في القدرة التخزينية العالية والجودة الفائقة. ويمثل هذا الابتكار نموذجًا لنجاح حماية "الأصناف النباتية الجديدة" وتسجيلها كـ"علامة تجارية" لحفظ حقوق المبتكر اليمني تجاريًا في عدة دول، مما يثبت أن بيئتنا ولادة بالابتكار المستند للملكية الفكرية.
والمؤسف الذي سلطتُ عليه الضوء في الكتاب، هو أنه على الرغم من صدور البنية التشريعية المتمثلة في القانون رقم (23) لعام 2010م الخاص بالعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية، إلا أن هذا النص القانوني ظل حبرًا على ورق؛ إذ لم يتم تفعيل الشق الخاص بالمؤشرات الجغرافية أو تسجيل أي منتج يمني رسميًا تحت هذه المظلة حتى الآن.
لذا، لم يتوقف كتابي عند حدود التشخيص، بل أطلقتُ من خلاله دعوة استراتيجية ومخلصة لكافة الجهات المعنية لتبني مشروع وطني وإقليمي عاجل. هذا المشروع يهدف إلى بناء منظومة حماية وتوثيق متكاملة لهذه المؤشرات، تبدأ من إعداد اللوائح التنفيذية وتحديد المواصفات القياسية للمنشأ، وصولًا إلى التسجيل الدولي؛ حفاظًا على هويتنا الاقتصادية، وحمايةً لإرثنا من السطو والانتهاك، وتحويلًا لهذه الثروات المهدرة إلى رافد حيوي للاقتصاد اليمني المعاصر.
في كتابك لماذا دعوت لإنشاء هيئة وطنية موحدة للملكية الفكرية؟ ما هي مبررات هذه الدعوة؟
إن دعوتي لتطوير المنظومة المؤسسية للملكية الفكرية تنبع من قراءة فاحصة للتجارب الدولية المعاصرة، ورؤية تتوخى الكفاءة والفاعلية. ففي ظل النمو المتسارع للاقتصاد الرقمي والابتكاري، بات من الضروري تكييف مؤسساتنا لتواكب هذا التطور، ومن هنا تأتي أهمية التفكير في إيجاد مظلة مؤسسية موحدة ومستقلة، تجمع تحت سقفها كافة مكونات الملكية الفكرية (سواء كانت ملكية صناعية أو حقوق مؤلف وحقوق مجاورة).
وهناك مبررات استراتيجية عديدة تجعل من هذا الخيار التوجه الأمثل، ومن أبرزها:
تعزيز الكفاءة الإدارية والتشغيلية: إن تجميع الجهود المشتتة بين جهات متعددة في كيان واحد يسهم في تسريع إجراءات التسجيل والفحص، ويمنع تداخل الصلاحيات، مما يوفر بيئة استثمارية جاذبة وواضحة للمبتكرين ورواد الأعمال والشركات الأجنبية.
الاستدامة المالية والقدرة على التطوير: التجارب أثبتت أن الهيئات الموحدة والمستقلة تكون أقدر على تحقيق الاكتفاء الذاتي المالي من خلال عوائد الخدمات والتسجيل، مما يمكنها من الاستثمار في تأهيل الكوادر البشرية، والتحول الرقمي الكامل، وإنشاء مكاتب للإدارة الجماعية لحقوق المؤلف.
توحيد الرؤية والسياسات الوطنية: وجود جهة واحدة يضمن صياغة استراتيجية وطنية موحدة للملكية الفكرية تتناغم مع خطط التنمية الشاملة للدولة، وتسهل عملية التنسيق مع المنظمات الدولية مثل المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO).
وإذا نظرنا إلى الخارطة العالمية والإقليمية، سنجد أن معظم الدول الرائدة قد اتجهت بنجاح ملموس نحو هذا الخيار الموحد؛ فعلى المستوى الدولي نجد نماذج ملهمة مثل المكتب الأمريكي لبراءات الاختراع والعلامات التجارية (USPTO)، والمكتب الكوري للملكية الفكرية (KIPO) الذي يمثل محركًا رئيسيًا للنهضة التكنولوجية الكورية.
أما على المستوى العربي، فقد أثبت هذا التوجه كفاءة استثنائية؛ ولعل تجربة المكتب المغربي للملكية الصناعية، والهيئة السعودية للملكية الفكرية (SAIP)، وكذلك التجربة المصرية الحديثة في إنشاء الجهاز المصري الملكي للملكية الفكرية، تمثل نماذج بارزة في توحيد الجهود، مما انعكس سريعًا على مؤشرات الابتكار وسهولة ممارسة الأعمال لديهما.
لذلك، أرى أن الانتقال المدروس نحو هذا النموذج الموحد، الذي يضمن الاستقلالية والشفافية ويستوعب مختلف مكونات الإبداع الإنساني، هو الخطوة المفصلية التي ستنقل اليمن من مرحلة "الحماية القانونية التقليدية" إلى مرحلة "الاستثمار التنموي الحقيقي" في رأس المال الفكري.
برأيكم ماهي مكامن الضعف في تطبيق الإطار التشريعي والمؤسسي في ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية في اليمن؟
هذا السؤال يضع اليد على الجرح الحقيقي في المنظومة الوطنية. ودعني أقرر هنا حقيقة علمية منصفة: اليمن لا يعاني من "فقر تشريعي"؛ بل على العكس، نحن نمتلك حزمة تشريعية متكاملة وقوانين جيدة جدًا لحماية الملكية الفكرية، وهي في مجملها متوافقة مع المعايير والاتفاقيات الدولية الرئيسية، لا سيما اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (TRIPS).
ولكن مكامن الضعف والفجوة الحقيقية تظهر بوضوح عند الانتقال من "النص القانوني" إلى "الواقع التنفيذي". ويمكنني تلخيص أبرز مكامن الضعف هذه في ثلاثة محاور رئيسية تمس مصالحنا الوطنية العليا:
تحديات الإنفاذ والقدرات المؤسسية: إن التحدي الأكبر اليوم هو تفعيل وإنفاذ هذه القوانين بفعالية في ظل الظروف الاستثنائية الحالية التي تمر بها البلاد. هناك ضعف ملحوظ في القدرات التشغيلية والموارد المالية والبشرية المؤهلة لدى الجهات المسؤولة عن الرقابة والإنفاذ (مثل مكاتب الوزارات المعنية، والجمارك، والجهات القضائية وضبط الأسواق). هذا الضعف يقلل من القدرة على مكافحة التزوير والقرصنة التجارية، مما يضر بالمنتج والمستثمر الملتزم على حد سواء.
الفجوة التشريعية الرقمية: رغم حداثة بعض قوانيننا، إلا أن الثورة الرقمية العاصفة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، قد خلقت واقعًا جديدًا يتطلب مواكبة هذه التطورات. نحن بحاجة ماسة إلى إدماج "الملكية الفكرية الرقمية" ضمن الأطر القانونية لحماية البرمجيات، والمحتوى الرقمي، وقواعد البيانات، وضمان الأمن السيبراني للمبتكرين.
غياب النظم اللائحية التخصصية (المؤشرات الجغرافية نموذجًا): كما ذكرت سابقًا، أصدر اليمن القانون رقم (23) لعام 2010م، لكنه ظل هيكلًا بلا روح نتيجة غياب إصدار "نظام خاص أو لائحة تنظيمية مستقلة" للمؤشرات الجغرافية المعنية بحماية السلع الاستراتيجية الفريدة (مثل البن اليمني، العسل الدوعني، الجبن التعزي، ودم الأخوين السقطري). هذا الغياب التشريعي الإجرائي يحرم الاقتصاد اليمني من حماية هويته ومنتجاته من الانتهاك والاستغلال غير العادل في الأسواق الدولية.
ولذلك، فإن توصيتي الأساسية في الكتاب لم تكن مجرد المطالبة بقوانين جديدة، بل التركيز على بناء القدرات وتوفير الموارد، والوعي المجتمعي، وتحديث البيئة التشريعية لمواكبة التحولات الرقمية. إن حماية الملكية الفكرية اليوم في اليمن يجب أن تُعامل كملف أمن اقتصادي قومي، لأنها الجدار الضامن لحفظ ما تبقى من ثرواتنا التقليدية، والنافذة الوحيدة لتحفيز جيل الشباب على الابتكار وصناعة المستقبل الرقمي.
أيضًا طرحتم في كتابكم مسألة كيفية تطوير القوانين لحماية الإنتاج الثقافي والاقتصادي الوطني، برأيكم بالفعل كيف يمكن تطوير هذه القوانين؟
إن الحديث عن تطوير القوانين لحماية الإنتاج الثقافي والاقتصادي في اليمن ليس مجرد ترف فكري، بل هو معركة حقيقية لحماية الهوية الوطنية والأمن الاقتصادي القومي. اليمن، بما يمتلكه من عمق حضاري ضارب في التاريخ وتنوع بيئي وجغرافي فريد، يتربع على منجم ذهب من الموروث الثقافي والتنوع الحيوي، ولكن هذا الموروث يظل عرضة للاندثار أو السطو والتشويه ما لم تسنده منظومة قانونية حديثة وقوية.
وفي كتابي، وضعت خارطة طريق محددة لتطوير هذا الإطار التشريعي عبر ثلاثة مسارات تكاملية أساسية:
أولًا: مأسسة حماية الموارد الوراثية والتنوع البيولوجي: أرض اليمن تجود بنباتات طبية نادرة وموارد وراثية فريدة لا توجد في أي مكان آخر بالعالم، وعلى رأسها شجرة "دم الأخوين" الأسطورية في أرخبيل سقطرى. تطوير القوانين يجب أن يتضمن إنشاء نظام وطني صارم لتسجيل وحماية هذه الموارد الوراثية ضمن منظومة الملكية الفكرية، لمنع ما يُعرف بـ"القرصنة البيولوجية" وضمان حقوق اليمن التاريخية والاقتصادية في أي استغلال تجاري أو بحثي عالمي لهذه الثروات.
ثانيًا: توثيق وحماية التراث الثقافي اللامادي: التراث ليس فقط مبانٍ وآثار، بل هو "روح الشعب" المتمثلة في التراث اللامادي بمكوناته الخمسة الأساسية: التقاليد والتعبيرات الشفوية، الفنون الأدائية والموسيقية الفريدة، المعارف والممارسات التقليدية المرتبطة بالطبيعة، الطقوس والاحتفالات الاجتماعية، والمهارات المرتبطة بالحرف والصناعات اليدوية (كالمعمار الطيني، وصناعة الجنابي، والنسيج التقليدي). نحتاج إلى نصوص قانونية تلزم بالتوثيق الرقمي الشامل لهذا الموروث وتمنح المجتمعات المحلية حيازة فكرية وقانونية تمنع تزويره أو نسبته لغير أهله.
ثالثًا: تحويل التراث إلى رافد للتنمية المستدامة: التطوير الحقيقي للقوانين ينبغي أن يخرج بالملكية الفكرية من إطار "الحظر والمنع" إلى إطار "الاستثمار والتنمية". يجب أن تتيح التشريعات المطورة ربط التراث اللامادي والموارد الوراثية ببرامج التنمية المستدامة والسياحة الثقافية والبيئية.
إننا عندما نحمي "المعرفة التقليدية" للمزارع اليمني في زراعة المدرجات، أو نحمي "المهارة والصناعات الحرفية"، فإننا لا نحمي مجرد فلكلور شعبي، بل نحمي قطاعات اقتصادية حية قادرة على توليد آلاف فرص العمل وتأمين عوائد مالية مجزية للمجتمعات المحلية، فضلًا عن تقديم اليمن للعالم كقوة ثقافية واقتصادية أصيلة وملهمة.
كيف ترون العلاقة بين دعم الابتكار وحماية الابداع في إطار حقوق الملكية الفكرية؟
العلاقة بين دعم الابتكار وحماية الإبداع في إطار حقوق الملكية الفكرية هي علاقة تلازم عضوي وجدلي؛ فلا يمكن لأحدهما أن ينمو أو يستمر بمعزل عن الآخر. إن نظام الملكية الفكرية، في جوهره وفلسفته الأساسية، لم يُوجد إلا ليكون الجسر الآمن الذي يربط بين فكرة المبدع وسوق الاستثمار.
ويمكننا قراءة هذه العلاقة الجوهرية من خلال أبعاد استراتيجية ثلاثة:
أولًا: الحماية كحافز ومحرك للاستثمار: الابتكار عملية مكلفة تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرًا وأموالًا تُنفق في البحث والتطوير. وبدون وجود منظومة قانونية تحمي هذا الإبداع وتضمن للمبتكر أو المستثمر حقًا استئثاريًا لاستغلال نتاج عقله لفترة زمنية محددة، لن يجرؤ أحد على المخاطرة والمجازفة بتمويل الأفكار الجديدة. الحماية هنا هي التي تمنح المبتكر "الأمان الاقتصادي" لاسترداد تكاليف ابتكاره وتحقيق عوائد عادلة.
ثانيًا: التوازن الذكي بين الحماية والإتاحة: الجميل في نظام الملكية الفكرية أنه لا يحمي الأفكار ليحبسها في الأدراج، بل يحميها مقابل "الإفصاح عنها". فعندما يسجل مخترع براءة اختراع، فإنه يشرح للعلن كيف وصل إلى هذا الابتكار. هنا تتحول براءة الاختراع إلى منصة معرفية ينطلق منها مبتكرون آخرون لتطوير أفكار جديدة؛ وبذلك تصبح الحماية وسيلة لتراكم المعرفة الإنسانية وتدفق الابتكارات المتلاحقة.
ثالثًا: بيئة عادلة للمنافسة: حماية الإبداع تمنع القرصنة والتقليد والمنافسة غير المشروعة. في بيئة تحترم الملكية الفكرية، تتمايز الشركات والمؤسسات بناءً على جودة أفكارها وابتكاراتها، مما يدفع الجميع نحو التميز المستمر، وينعكس في النهاية على تقديم منتجات وخدمات أفضل للمجتمع وتحسين جودة الحياة.
لذلك، فإنني أرى أن دعم الابتكار وحماية الإبداع هما بمثابة وجهين لعملة واحدة تُدعى "اقتصاد المعرفة". والدول التي تدرك هذا التلازم العضوي، وتوفر منظومة ملكية فكرية صارمة ومرنة في آن واحد، هي الدول التي تتصدر اليوم مشهد الريادة التكنولوجية والاقتصادية عالميًا، وهو ما نطمح إلى ترسيخه في واقعنا اليمني والعربي لإطلاق طاقات جيل الشباب نحو المستقبل.
من وجهة نظركم الى أي مدى تصبح الرقابة عائقًا للإبداع؟ وكيف يمكن للمبدع مواجهة التحديات التي تعيق طريقه؟
هذا السؤال يطرح إشكالية أزلية وعميقة في عالم الابتكار. فالرقابة في سياق الملكية الفكرية والعمل المؤسسي هي سلاح ذو حدين؛ فإذا فُهمت وطُبقت بوصفها "أداة تنظيمية" لتوثيق الحقوق وفحص الجودة وحماية المجتمع من الغش أو الأفكار الهدامة، فإنها تصبح صمام أمان وداعمًا حقيقيًا للإبداع.
أما إذا تحولت الرقابة إلى "بيروقراطية جامدة"، وتعقيدات إدارية عقيمة، وبطء في اتخاذ القرارات، وتصلب في فهم الأفكار الجديدة والغير بديهية، فإنها تتحول بلا شك إلى عائق نفسي وإجرائي ثقيل يجهض الأفكار الواعدة في مهدها، ويدفع بالعقول والمبتكرين إما إلى الإحباط أو الهجرة للبحث عن بيئات أكثر مرونة وانفتاحًا.
ولذلك، فإن مواجهة التحديات التي تعيق طريق المبدع في عالمنا المعاصر تتطلب منه التسلح باستراتيجية واعية تعتمد على عدة ركائز:
أولًا: الوعي القانوني المبكر: على المبدع ألا يكتفي بالجانب العلمي أو الفني لابتكاره، بل يجب أن يفهم البيئة التشريعية وقوانين الملكية الفكرية جيدًا. الوعي بالقوانين يحمي المبدع من الوقوع في فخاخ الإجراءات البيروقراطية، ويجعله قادرًا على صياغة وحماية حقه بطريقة صحيحة لا تدع مجالًا للرفض الإداري.
ثانيًا: الإصرار والمرونة الديناميكية: طريق الابتكار ليس مفروشًا بالورود؛ بل هو مليء بالتحديات التمويلية، والمؤسسية، والبيروقراطية. المرونة تعني قدرة المبدع على تكييف فكرته وتطويرها لتتجاوز العقبات التنظيمية دون التنازل عن جوهرها الإبداعي.
ثالثًا: الانفتاح على الشراكات الاستراتيجية: غالبًا ما يفشل المبدع الفرد في مواجهة المنظومات الرقابية أو التمويلية بمفرده. لذا، فإن الانضمام إلى حاضنات الأعمال، والجامعات، ومراكز البحث والتطوير، أو بناء شراكات مع القطاع الخاص، يمنح المبدع غطاءً مؤسسيًا قويًا يسهل له عمليات الإنفاذ، والتسجيل، والتمويل، ويوفر له الدعم القانوني اللازم.
رابعًا: استغلال الفضاء الرقمي: في عصرنا الحالي، أتاحت التكنولوجيا الرقمية للمبدعين قنوات بديلة لتسويق ونشر ومشاركة أفكارهم، وإثبات أسبقيتهم العلمية أو الإبداعية حتى قبل الدخول في دهاليز الإجراءات التقليدية، وهو ما يفرض واقعًا جديدًا يربك البيئات البيروقراطية التقليدية ويجبرها على التطور.
ختامًا، يجب أن ندرك جميعًا -كمسؤولين ومشرّعين- أن مهمة "الرقابة الحصيفة" هي تهيئة التربة الصالحة للابتكار لا تجفيف جذوره، وأن قوة الأمم اليوم تُقاس بمدى قدرتها على تبسيط الإجراءات لفتح الآفاق أمام عقول أبنائها المبدعين لصناعة الفارق.
برز في الآونة الأخيرة ما يعرف بالذكاء الاصطناعي، برأيكم هل الذكاء الاصطناعي سيسهم في: التضليل والانتهاكات التي تطال حقوق الملكية الفكرية والانتاجات الأدبية، أم أنه جزء من المشكلة كما يعتبره البعض؟
الذكاء الاصطناعي اليوم ليس مجرد موجة تكنولوجية عابرة، بل هو ثورة صناعية ومعرفية جديدة. وفي الوقت الذي أوجد فيه هذا التطور حلولًا وفرصًا غير مسبوقة، فإنه أفرز أيضًا تحديات معقدة للغاية. ولعل مجال الملكية الفكرية هو الحقل الأكثر التصاقًا وتأثرًا بهذه الثورات المتلاحقة؛ فالابتكار البشري هو الذي أوجد الذكاء الاصطناعي، والآن يقف هذا الابتكار أمام معضلة تنظيم نتاجه.
الذكاء الاصطناعي في واقع الأمر يمثل "سلاحًا ذو حدين" في منظومة الملكية الفكرية، فهو جزء من الحل وجزء من المشكلة في آن واحد:
الوجه الإيجابي (الذكاء الاصطناعي كجزء من الحل): لهذه التقنيات تأثيرات إيجابية هائلة؛ فهي تساهم بفاعلية في كشف الانتهاكات ومكافحة القرصنة من خلال خوارزميات متطورة تتبع المحتوى المزور أو المنسوخ عبر الإنترنت في ثوانٍ معدودة. كما أنه يسهل الحصول على المعلومات، ويختصر جهودًا هائلة في مكاتب الملكية الفكرية عبر تسريع عمليات فحص براءات الاختراع والبحث عن التشابه بين العلامات التجارية، مما يرفع كفاءة المنظومة ككل ويساعد المبتكرين على التأكد من أصالة أفكارهم بسرعة.
الوجه السلبي (الذكاء الاصطناعي كجزء من المشكلة): على الوجه الآخر، يثير الذكاء الاصطناعي قلقًا عميقًا فيما يتعلق بـ التضليل والانتهاكات التي تطال الإنتاجات الأدبية والفنية. فالنماذج الذكية الحالية تقوم بعمليات "تغذية وتدريب" على ملايين الكتب، والمقالات، واللوحات الفنية المملوكة لمبدعين بشريين دون الحصول على إذنهم أو تعويضهم عادلًا، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا لحقوق المؤلف. علاوة على ذلك، برزت معضلات قانونية وفلسفية غير مسبوقة مثل: من يملك الحقوق الفكرية للمحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي؟ هل هو المبرمج، أم المستخدم، أم الآلة نفسها؟ يضاف إلى ذلك خطورة تقنيات "التزييف العميق(Deepfakes) " وقدرتها على تضليل الرأي العام وانتهاك الحقوق الأدبية والشخصية للمبدعين.
لذلك، فإن الخلاصة التي يجب أن ندركها هي أن التكنولوجيا غالبا ما تسبق التشريع بخطوات. والتحدي الحقيقي أمامنا اليوم ليس محاربة الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية تطوير أطر قانونية دولية ووطنية مرنة ومبتكرة تحكم هذه التقنية. نحن بحاجة إلى تشريعات تضمن الاستفادة من مزايا الذكاء الاصطناعي في دعم الابتكار، وفي الوقت نفسه تضع حواجز أخلاقية وقانونية صارمة تحمي حقوق المبدعين البشريين وأصالة نتاجهم الأدبي والفني من الاستباحة الرقمية.
يقال إن الملكية الفكرية أصبحت مرتكزًا رئيسيًا لدعم الاقتصاد الإبداعي الذي يعتمد على الإنسان. إلى أي مدى يمكننا تأييد هذه المقولة؟
أنا أؤيد هذه المقولة تأييدًا مطلقًا وبلا تحفظ؛ بل إن الواقع الاقتصادي العالمي اليوم يثبتها كحقيقة ملموسة. فالدول التي أدركت مبكرًا أهمية دعم الإبداع والابتكار أصبحت اليوم في مصاف الدول المتقدمة والصناعية الكبرى، لا لاعتمادها على الثروات الطبيعية أو النفطية، بل لاعتمادها على الثروة الأثمن والمستدامة: "الإنسان ونتاج عقله".
إن الاقتصاد الإبداعي -الذي يضم قطاعات البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والفنون، والنشر، والتصميم، وصناعة المحتوى، والسينما، والحرف التقليدية المتطورة- يقوم كليًا على الأفكار. وهنا يبرز دور الملكية الفكرية باعتبارها "العمود الفقري" لهذا الاقتصاد لعدة أسباب جوهرية:
تحويل الأفكار من أصول غير ملموسة إلى ثروة نقود: الفكرة المبدعة بطبيعتها مجردة، ولكن عندما يتدخل نظام الملكية الفكرية عبر براءات الاختراع، أو حقوق المؤلف، أو العلامات التجارية، فإنه يحول هذه الفكرة إلى "أصل قانوني وتجاري" يمكن بيعه، وتأجيره، واستثماره، وتصديره للخارج كأي سلعة مادية.
تجاوز مفهوم ندرة الموارد: على عكس الاقتصاد التقليدي الذي يعتمد على موارد ناضبة (كالمعادن والأراضي)، فإن الاقتصاد الإبداعي يعتمد على مورد متجدد ولا نهائي وهو الابتكار البشري. وحماية الملكية الفكرية هي الضمانة الوحيدة لتدفق هذا المورد واستمراريته دون خوف من السطو عليه.
تأثيره الضخم في الناتج المحلي العالمي: تشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أن الصناعات الإبداعية باتت تساهم بنسب تتراوح بين 3% إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي من أسرع القطاعات نموًا وتوليدًا لفرص العمل الحديثة للشباب والنساء.
وإذا أردنا إسقاط هذا على واقعنا، فإننا نرى كيف أن شركات تكنولوجية أو منصات رقمية لا تملك مصانع على الأرض، تتجاوز قيمتها السوقية ميزانيات دول بأكملها، فقط لأنها تملك "حقوق ملكية فكرية" لبرمجيات أو ابتكارات فريدة.
لذلك، فإن التحول نحو الاقتصاد الإبداعي هو المخرج الاستراتيجي الحقيقي لدولنا النامية، وتحديدًا لليمن؛ حيث يمتلك الشباب اليمني طاقات إبداعية ومواهب استثنائية في مجالات البرمجة، والفنون، والابتكار، بجانب موروثنا الحرفي والتقليدي الضخم. إن توفير مظلة قوية وصارمة لحماية الملكية الفكرية هو الخطوة الأولى والأساسية لتحرير هذه الطاقات، وتحويل الإبداع اليمني من مجرد "شغف فردي" إلى "صناعة وطنية مستدامة" تدعم الاقتصاد الوطني وتضعه على خارطة المستقبل المعرفي.
كتابكم الأخير جمع ما بين خلاصة مسيرتكم المهنية والأكاديمية، ما هي الرسالة التي توجهونها للباحثين في العلوم المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية؟
هذا الكتاب هو بالفعل ثمرة رحلة طويلة وممتدة، جمعت بين الشغف الشخصي، والخبرة التنفيذية، والتأصيل الأكاديمي الاستراتيجي. وفي الواقع، يسعدني عبر صحيفة «النداء» أن أعلن لأول مرة أن هذا الكتاب يمثل في الأصل «الجزء التاسع» من مشروعي العلمي الموسوم بـ"الدليل الموسوعي الشامل للملكية الفكرية: من النظرية التقليدية إلى التحول الرقمي"؛ وهو عمل موسوعي قيد الطباعة حاليًا وسيرى النور قريبًا برعاية المنظمة العربية للتنمية الإدارية التي تبنت طباعته ونشره مشكورة في مجلد واحد. وتضم هذا الدليل الموسوعي ثمانية كتب تخصصية تشرح مختلف قضايا وأبعاد الملكية الفكرية المعاصرة تكنولوجيًا واقتصاديًا، غير أنني تقصدتُ -نظرًا للأهمية البالغة- إصدار هذا الجزء التاسع بشكل مستقل وفي كتاب منفرد، كونه يمثل «دراسة حالة» تفصيلية ومستقلة لواقع الملكية الفكرية في الجمهورية اليمنية.
لقد بدأ شغفي بهذا الحقل منذ بدايات عملي في قطاع الملكية الفكرية، وهو ما أتيح لي من خلاله الحصول على تكوين مهني متقدم عبر المشاركة في العديد من المؤتمرات، والبرامج الدولية، وورش العمل المتخصصة. وهنا لا يفوتني أن أثمن الدور الكبير والمحوري للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) التي كان لها الفضل الأكبر في تكويني المهني وتطوير مهارات العديد من الزملاء في هذا الحقل؛ حيث حظيت بشرف تمثيل بلدي والمشاركة في برامجها عبر العديد من الدول العربية والأجنبية، مما أتاح لي تبادل الخبرات واكتساب المعارف من "الأسرة العالمية للملكية الفكرية"، والتي أعتبرها من أكبر وأرقى الأسر العلمية والتنفيذية في العالم نظرًا لتشعب هذا المجال وارتباطه الوثيق بالأبعاد الاقتصادية، والثقافية، والتكنولوجية المعاصرة.
وعلى الصعيد الأكاديمي، تُوجت هذه المسيرة بنيل شرف الالتحاق ببرنامج زمالة كلية الدفاع الوطني (الأكاديمية العسكرية العليا)، وحصولي على درجة الزمالة التي تعد أعلى شهادة تمنحها الأكاديمية. وانطلاقًا من التزامي المهني بضرورة ربط الدراسة النظرية بالواقع العملي ومقتضيات الأمن القومي، كان بحثي المُحكّم لنيل هذه الزمالة يركز بشكل مباشر على صياغة "الاستراتيجية المقترحة للملكية الفكرية في الجمهورية اليمنية". والتي لم يتم الالتفات اليها نظرًا للعديد من الاعتبارات لا مجال للحديث عنها هنا.
أما عن رسالتي التي أوجهها بكل إخلاص ومحبة للباحثين، والمبتكرين، ورواد الأعمال في اليمن والوطن العربي، فتلخصها النقاط الآتية:
إلى الباحثين في المجالات التطبيقية والعلمية: أدعوكم بضرورة الانفتاح على "معلومات الملكية الفكرية" وعدم حصر البحث في الأطر النظرية الجامدة. إن قواعد البيانات العالمية لبراءات الاختراع والعلامات التجارية -المتاحة عبر المنظمة العالمية (WIPO)- هي بمثابة أكبر مستودع معرفي وتكنولوجي في تاريخ البشرية؛ والاطلاع عليها يحمي الباحث من إعادة اختراع العجلة، ويمنحه مؤشرات دقيقة حول أحدث ما توصل إليه العلم في مجاله.
إلى الباحثين القانونيين والاقتصاديين: أدعوكم لتكثيف الدراسات الرصينة حول "الملكية الفكرية الرقمية" والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، والاعتماد على الأدبيات والنشرات العلمية الحديثة الصادرة عن المنظمات الدولية والمؤسسات المتخصصة لمواكبة الفجوة التشريعية الكبيرة في واقعنا العربي.
إلى المبتكرين ورواد الأعمال: رسالتي لكم هي أن الفكرة المبتكرة هي رأس مالكم الحقيقي، فلا تبدأوا أي مشروع ريادي دون تأمين غطائه القانوني وحمايته فكريًا. تذكروا دائمًا أن حماية الفكرة ليست خطوة تكميلية، بل هي الأساس الاستراتيجي الذي يمنح مشروعكم القيمة السوقية والاستدامة في عالم المال والأعمال.
ختامًا، أقول للجميع: إن الملكية الفكرية هي لغة العصر، والاستثمار في فهمها وتطبيقها هو استثمار في أمننا الاقتصادي، وسيادتنا المعرفية، ومستقبل أجيالنا القادمة.
ما هو السؤال الذي اردت أن أسألك إياه ولم أفعل؟
هذا سؤال ذكي جدًا، ويفتح الباب أمام قضية جوهرية كنت أتمنى غوص الحوار فيها، ويمكنني صياغتها في هذا التساؤل الاستراتيجي: "هل الحديث عن الملكية الفكرية في بلد يمر بظروف استثنائية وصعبة كاليمن، يعد رفاهية فكرية وقانونية يمكن تأجيلها، أم أنه طوق النجاة الحتمي للمساهمة في النهوض الاقتصادي؟".
والإجابة التي يحملها كتابي، وتؤكدها الرؤية الاستراتيجية لزمالة كلية الدفاع الوطني، هي أن الملكية الفكرية ليست "ترفًا" للدول المستقرة والغنية فقط، بل هي أداة دفاع استراتيجية للدول التي تسعى للخروج من أزماتها.
وهنا تبرز النقاط الثلاث التي تمثل جوهر الإجابة على الأسئلة المسكوت عنها:
واقع الفجوة العربية والوقت المناسب: قد يتساءل البعض: هل الوقت مناسب الآن لفتح هذا الملف في اليمن؟ أقول بكل ثقة: نعم، بل إن الوقت كاد أن يفوتنا. العالم العربي اليوم يواجه فجوة تشريعية ومعرفية هائلة مقارنة بالثورة الرقمية العالمية. إن لم نتحرك الآن لوضع أطر حوكمة للملكية الفكرية تواكب الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، سنتحول إلى مجرد "مستهلكين" ومستباحين تكنولوجيًا، ولن نجد لنا مكانًا في الخارطة الاقتصادية القادمة.
جدية التفاعل الرسمي: التساؤل الملحّ هو: هل ستتفاعل الجهات الرسمية مع الاستراتيجيات والمقترحات التي قدمتها في الكتاب؟ ما لمسته خلال عملي كمستشار وكأكاديمي هو أن هناك وعيًا متناميًا بأهمية هذا الملف على المستوى النظري، ولكن التحدي يكمن في "التحول من الوعي النظري إلى الإرادة التنفيذية". المقترحات التي وضعناها ليست حبرًا على ورق، بل هي "خارطة طريق" قابلة للتطبيق الفوري ومربوطة بمتطلبات الأمن القومي الاقتصادي لليمن، وتنتظر من يلتقطها.
الإمكانيات المتاحة وسط التحديات: التحديات كبيرة بلا شك، وتشمل البنية التحتية والموارد المالية، لكن "الإمكانيات البشرية" لشبابنا ومبتكرينا تفوق كل التحديات. الملكية الفكرية هي البيئة القانونية التي تجعل رأس المال الوطني والأجنبي يثق في الاستثمار داخل اليمن، لأن المستثمر والمبتكر لن يضع أمواله وأفكاره في بيئة لا تحمي أصوله المعرفية.
وإذا كنا اليوم نسلط الضوء على واقع الملكية الفكرية، فإنني لم أغفل في عنوان هذا الكتاب أن نظرتي للأمور ودراستي للواقع تأتي أساسًا في إطار استشراف آفاق المستقبل؛ فالتأخر في إدراك هذه الأهمية في الوقت الحاضر يعني البقاء خارج حلبة العصر والتخلي عن أهم أدوات التنمية.
وإلى أن يحين ذلك الوقت الذي تصبح فيه هذه الثقافة واقعًا معاشًا، فإن كلمتي الأخيرة عبر منبركم الموقر هي: إن المعركة القادمة في العالم هي معركة العقول والبيانات، والملكية الفكرية هي خط الدفاع الأول عن المقدرات الفكرية. وأتمنى أن تجد هذه الرؤية الاستراتيجية طريقها لصناع القرار، لتكون ركيزة أساسية في بناء يمن المستقبل.
