أمل بلجون تروي حكايتها.. من نشرة الوحدة إلى سنوات التهميش
في الجزء الثاني من حوارها مع برنامج "حكايتي"، تواصل الإعلامية اليمنية المخضرمة أمل بلجون استعادة محطات بارزة من مسيرتها المهنية والإنسانية، كاشفةً تفاصيل وشهادات تُنشر للمرة الأولى عن تجربتها في التلفزيون والإذاعة، وعن السنوات العاصفة التي شهدتها اليمن، بدءاً من أحداث 13 يناير 1986، مروراً بقيام الوحدة اليمنية وحرب 1994، وصولاً إلى سنوات الحرب والنزوح.
وفي هذا الجزء، تتجاوز بلجون حدود الذكريات الشخصية لتقدم شهادة حية على تحولات الإعلام اليمني وعلاقته بالسلطة والسياسة، كما تتحدث بصراحة عن اختفاء شقيقها الإعلامي عبدالرحمن بلجون خلال أحداث يناير الدامية، وعن تجربتها في إعادة افتتاح بث تلفزيون عدن بعد تلك الأحداث، وتقديم النشرة الإخبارية الموحدة عقب قيام الوحدة اليمنية.
كما تكشف جوانب من معاناتها المهنية والإنسانية، وتروي قصصاً عن التهميش الذي تعرضت له رغم حضورها الواسع في ذاكرة أجيال من اليمنيين، لتتحول شهادتها إلى نافذة مفتوحة على تاريخ بلد عاش عقوداً من التحولات والصراعات، وعلى سيرة إعلامية ارتبط اسمها بأبرز المحطات في تاريخ الإعلام اليمني الحديث.
"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

رحمة: مشاهدي ومتابعي برنامج "حكايتي"، أهلاً وسهلاً بكم. يتواصل لقاؤنا مع الإعلامية اليمنية القديرة الأستاذة أمل بلجون في الحلقة الثانية من هذه السيرة الغنية التي تعبر بنا بين تفاصيل الحياة وتحولات الوطن.
في الحلقة الأولى توقفنا عند مذكراتها المبكرة، وعند طفولتها في ستينيات عدن، كما اقتربنا من الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي لمدينة عدن من خلال تجربتها الشخصية ومسيرتها حتى بلوغها الشهرة وحضورها الواسع في ذاكرة اليمنيين.
اسم أمل بلجون وصوتها وصورتها ارتبط أيضاً بمحطات مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، وفي مقدمتها أحداث 13 يناير، كما ارتبط أيضاً صوتها بواحدة من اللحظات الإعلامية البارزة عندما قدمت النشرة الإخبارية لليمن الواحد. وهكذا، أمل بلجون هي عبارة عن تاريخ يروي نفسه.
وفي هذه الحلقة سنتطرق إلى معلومات جديدة ومهمة لم نتطرق إليها من قبل.
أهلاً وسهلاً بكِ أستاذة أمل، نورتِ، ودعينا نبدأ من السؤال الأول.
أولاً، نحن كنا قد توصلنا إلى أنكِ أصبحتِ مشهورة ويشار لكِ بالبنان، ألم تجدي أي صعوبات أو ذكريات سيئة عالقة في ذهنكِ بعد الشهرة؟
بلجون: كما أشرتِ، العمل لا يظهر إلا بالجهد والمثابرة الشاقة.
رحمة: دعينا نعود من جديد إلى بداية الثمانينيات. خلاص، أصبحتِ مشهورة ومعروفة لدى الجميع، ما هي أبرز الأنشطة والبرامج التي نفذتها أمل بلجون خلال تلك الفترة وحتى أحداث 13 يناير الدامية؟
بلجون: عملياً، أنا عملت كل البرامج دون استثناء، وإن كانت الآن قد تغيرت، ولكن الفكرة واحدة، وإن تغيرت الأسماء، سواء في قناة عدن أو أي قناة أخرى. فكرة واحدة، يسلطون الضوء حول هذا وذاك، ولكن الاسم يتغير.
رحمة: مثل ماذا؟
بلجون: مثلاً، برامج تقارير إخبارية.
رحمة (مقاطعة): هذا يعني أنكِ انتقلتِ من البرامج إلى الأخبار، وهذه خطوة متقدمة.
بلجون: لقد قمت بتقديم برامج دون استثناء. قدمت برامج منوعات وإخبارية، وإذا تغيب زميل نقوم بتغطية مكانه، وفي وقتنا لم يكن هناك تخصص.
رحمة: أظن أن إلقاء النشرات الإخبارية أصعب بكثير من تقديم برامج حوارية، كيف تأهلتِ؟
بلجون: أنا كنت، ومن خلال استماعي ومشاهدتي للمذيعين منذ زمن، وخاصة محمد وعبدالرحمن بلجون وعلوي السقاف، وعبد الرحمن باجنيد، وأبو بكر العطاس، ومنور الحازمي، وأشرف جرجرة. وكان ما بين الإذاعة والتلفزيون الكثير من الأسماء، وأعتذر إذا نسيت اسماً معيناً من الأسماء؛ لأن هذا ما يحضرني الآن.

إضافة إلى أنه أُخذت دورات مؤخراً في أروقة مبنى الإذاعة والتلفزيون، وكان يأتي، رحمه الله، الأستاذ مبارك الخليفة، وعبد المطلب جبر، رحمه الله عليه، ومن المدرسين في الجامعة، ويقومون بتدريبنا لمدة شهر. وفي هذه الدورة، التي ندرسها باللغة العربية، كانوا يعطون أسئلة ونحن نرد عليها، ولم يكن التركيز على فن الإلقاء، ولكن على الفاعل والمفعول به، وأين ترفعي وأين تنصبي. وكانت تمر مرور الكرام، وكانت أطول دورة لمدة ثلاثة أشهر، وكما يقولون تمر سريعاً، وانتهى الموضوع.
وأنا لم أدرس دراسة عليا، ولكن كنت أستمع إلى الأخبار في كثير من الإذاعات.
رحمة: وقد تعودتِ على ذلك، ولكن متى قدمتِ أول نشرة أخبار؟
بلجون: تقريباً قبل 86م كان اليوم الذي كلفت فيه بقراءة الأخبار.
رحمة: هل كنتِ تقدمين بمفردكِ أم كان إلى جواركِ مذيع أو مذيعة؟
بلجون: كنا مذيعتين، وأحياناً مذيعاً ومذيعة.
رحمة: هل شعرتِ بإنجاز لهذا التحول المهم في تاريخك المهني، كون ذلك خطوة متقدمة بالنسبة لكِ؟
بلجون: إذا أخبرتكِ فلن تصدقي، ولكن هذا إحساسي أنا عندما أقدم أي شيء لا أفكر أن ذلك سيرفعني؛ لأنه لدي تشبع، وهذا ليس بغرور، فأنا إنسانة بسيطة في حياتي، وما زلت أتعلم حتى أموت.
رحمة: هناك أشخاص متواضعون وحساسون جداً، لا يشعرون بالإنجازات.
بلجون: الإنسان في حياته يخطئ، ومن لا يخطئ لا يتقدم. وجميعنا تعرضنا للانتقادات، ولكن كيف تتجاوزينها؟ التجاوز يكون في العمل الدؤوب واحترام الذات. باحترامكِ أنكِ الآن تعملين على نص مسؤول، تتحدثين عن الحكومة وما يدور في الساحة يومياً وكل جديد.
رحمة: وعندما وصلتِ إلى عام 1986 وكنتِ مشهورة، هل كنتِ تحظين بمكانة عالية لدى الحكومة وقيادة الجنوب حينها؟ وأقصد الرئيس علي ناصر محمد، وتحديداً لكِ كمذيعة مشهورة في الجنوب؟
بلجون: للأسف لا.
رحمة: لماذا؟
بلجون: للأسف لم يكن أحد يخص فلاناً من الناس بأن يكون في محك حقيقي أو يدعمه أو يشير له كما أشرتِ، ولكن مجرد أنك مذيع وموظف وتعمل فقط.
رحمة: هذا يعني أنكِ لم تحظي يوماً بعزومة عشاء أو غداء؟
بلجون: كانت دعوة العشاء عندما زارنا رئيس وزراء باكستان، وكانت تلك دعوة من وكيل المحافظة، هو الذي دعاني، وهي الحضور اليتيم.
رحمة: وماذا عن زوجكِ، هل كان يرافقكِ؟
بلجون: بالنسبة لزوجي، كان مقلاً في خرجاته؛ لأنه خجول في شخصيته ولا يحب ذلك، وعندما دعوني دعوني بمفردي وذهبت إلى الرئاسة.
رحمة: وجاء عام 1986، ألم تتعرضي لضغوطات عائلية كامرأة إعلامية مشهورة ومعروفة؟
بلجون: بالنسبة لأشقائي، عندما لمع اسمي كما ذكرتِ، لم يكن أحد منهم يدعمني، لا محمد ولا عبدالرحمن؛ لأن محمد كان خلال هذه الفترة قد سافر إلى هولندا بعد خروج الإنجليز، وعبدالرحمن كان موجوداً في البلد، ولكن لم يدعمني أحد، رغم أن أخي عبدالرحمن كان مدير التلفزيون ولم يقدم لي شيئاً. حتى زوج اختي علي باذيب كان رئيس الدائرة للإعلام، ولكنه لم يقدم لي شيئاً.
رحمة: هم لا يدعمون بعضهم كما هو الحال في المناطق الشمالية، هذا ابن عمي وهذا ابن خالي.
بلجون (متابعة): رغم أن أختي زوجته، ولكنه كان يعطي لغيرنا. إذا جاء أحد إلى أختي وقدم لها مساعدة في أي ظرف، ولكن بالنسبة لي فلا.
رحمة: من الخمسينيات إلى الأحداث السياسية والصرعات التي مرت بها اليمن، ألا يوجد شيء عالق في ذاكرتكِ كتهديد أو اعتقال؟
بلجون: كانت هناك ثورة وتحرير والقومية، ونحن لا نزال شباباً، فكنت أسمع عنها. وكان الإنجليز، عندما حدث الاستقلال وعند دخولهم وتمشيط عدن، أتذكر أنهم ذهبوا إلى منزل والدي. وكانت جدتي، بحكم أننا زمان كمسلمين، كان من الممنوع أن يدخل الأجانب، وكانت تقول: من المفترض أن نطهر البيت ونغسله من الأجانب.
أخي عبد الرحمن كان له نشاط سياسي، فكنت أتذكر بعض هذه الأشياء بعد 67 وحتى الثمانينيات. وأتذكر حينما كان يرتدي القميص ويخرج لرمي المنشورات، ثم يعود ويقوم بتغيير ملابسه ويرمي القميص من نافذة الحمام؛ لأن هناك مواسير، وقد كانت نشاطات سياسية فقط.
رحمة: ومتى أطلق عليكِ لقب ماما أمل؟
بلجون: عندما قمت بتقديم برامج الأطفال ارتبط اسم ماما أمل.

رحمة: كان ذلك في بداية السبعينيات؟
بلجون: نعم، وأتذكر علوي السقاف، رحمه الله عليه، هو الذي قدم لي نادي الأطفال، وهو من دعاني أن أغني هذه الأغنية للأطفال، ورمز لبرنامجي.
رحمة: هل هناك قصة استثنائية تريدين مشاركتها تعرضت لها بناتكِ أو ابنكِ لأن والدتهم أمل بلجون مشهورة، وتكون قصة سلبية أو إيجابية؟
بلجون: هم محسوبون عليَّ في كل حاجة، ولكنهم لم يأخذوا شيئاً من هذه الشهرة.
رحمة: هل يعني ذلك لأنهم لم يحظوا بمكانة لأنهم أبناؤكِ، ولم تكن لديهم أي تسهيلات؟
بلجون:"لقد ناضلت كثيراً، شأني شأن بقية زملائي الذين كرّسوا جهودهم من أجل بناتهم وأبنائهم العاملين في الإذاعة والتلفزيون. وأنا لدي بنات، وإذا تقدم لهن زوج فسيتزوجن، أما الولد فالأمر أصعب. ورغم محاولاتي المتعددة، لم أتمكن من إيجاد عمل لابني هاني. وكان متخصصاً في مجال الجرافيك، وذلك خلال التسعينيات، وتحديداً بعد الوحدة تقريباً."
رحمة: ولماذا رفضوا توظيفه؟
بلجون: رفضوا، دون أي سبب.
رحمة: حدثينا عن مواهب أبنائك. والدتهم أمل بلجون المثقفة والمعروفة، ومن المؤكد أن لديهم مواهب إعلامية.
بلجون: هاليدا لديها موهبة الرسم والعزف، وهدى أيضاً ترسم، وأصواتهم جميلة. أنا لا أقيم أبنائي، وأدع الآخرين هم من يقيموهم. وهم لا يحبون العمل الإعلامي. هاني الوحيد الذي لديه موهبة الجرافيك، ويمكن أن يعمل.
رحمة: أنتِ لم تستطيعي، رغم ذلك، أن تجدي عملاً لهاني.
بلجون: بصعوبة، بعد ذلك، وجدت عملاً لهاني، أن يكون مساهم، وبعد ذلك يُوظف أسوة ببقية الزملاء الذين قدموا لأبنائهم.
رحمة: الآن دعينا ننتقل إلى الحادثة المروعة التي تعرضت لها أول إعلامية في اليمن، وربما هي الإعلامية الوحيدة في الصراعات الدامية التي شهدتها اليمن، وخاصة في 13 يناير. ما الذي تحتفظين به في جعبتك حول هذه الأحداث؟
بلجون: في 13 يناير كان لدي برنامج "أنباء وتقارير" في إذاعة عدن، وجاءتني السيارة واعتذرت؛ لأنني كنت سألحقهم بتاكسي، وأنا لا أحب أن أؤخر السائق.
رحمة: في أي وقت جاءك السائق؟
بلجون: برنامج "أنباء وتقارير" يبدأ الساعة 1:30 بعد الظهر، وهو جاء قبل ذلك الوقت، وأنا طلبت منهم أن يسبقوني، ثم لحقت وأخذت تاكسي يحمل خمسة ركاب، مثل أي تاكسي في الشارع، وذهبت.
وعندما وصلنا إلى جولة الكهرباء، كان هناك أشخاص قادمون من مدينة التواهي، وكان منظرها مثل برنامج "افتح يا سمسم" عندما يفتحون الأبواب. وسائق التاكسي لم يكن يعلم بشيء، وجميعنا لم نعلم بشيء، ونحن ذاهبون إلى التواهي. ثم عاد السائق من نفس الطريق عندما طلبوا منا ذلك، وعدنا إلى عند صحيفة 14 أكتوبر ونزلنا هناك.
ولم يكن لديه خيار إلا أن يجعلنا ننزل؛ لأنه لن يذهب إلى عدن. ثم نزلنا لكي نأخذ تاكسي آخر، وكل واحد كان مسؤولاً عن نفسه. أنا حاولت وأخذت تاكسي، وساعتها شاهدت رجلاً ينزلونه من الباب الخلفي لصحيفة 14 أكتوبر، معصوب العينين ويداه مقيدتان إلى الخلف. وبعدها قيل لي إنه التوي، ولكن من هو أو ماذا كان يعمل، لا أعلم.
رحمة: هل هذا موقف العنف الوحيد الذي رأيته؟
بلجون: نعم، والإنسان عندما يرى مثل هذا المشهد يبتعد عنه.
رحمة: ربما ذلك من أجل تجنب المشاكل.
بلجون: بالطبع، هذا ليس بالنسبة لي وحدي، ولكن أي شخص عندما يرى أشخاصاً ملثمين يأخذون أحداً، فمن المؤكد أنك لن تظلي تشاهدين أو تشاركين، ولكن تنسحبين.
رحمة: طبعاً كان ذلك عندما اندلعت المواجهات، وقد كنتِ تعلمين ان هناك مواجهات مسلحة.. حينها الم تفكري الذهاب الى المنزل من اجل اطفالك؟
بلجون: انا لهذا السبب نزلت من التاكسي لاني كنت اريد اخذ تاكس آخر والعودة الى المنزل في عدن.
رحمة: هل عدن كنتم تسموها خور مكسر
بلجون: خور مكسر منطقة أخرى، وعدن كريتر، وعدن تضم التواهي والمعلا وغيرها. ونحن في عدن، ومنزلي بجانب ميدان الكرة. وأنا كنت ذاهبة إلى هناك بالتاكسي، ورأيت الناس والسلاح، فهربت وانسحبت، وصعدت التاكسي إلى عدن، ونزلت عند محطة الهريش، وذهبت إلى منزلي.
ووصلت ورأيت في ركن البيت شباباً مسلحين لا أعرفهم، ملثمين. وكان زوجي في المنزل وأطفالي. وعندما وصلت لم يكن هناك تموين في البيت، وأرسلت ابنتي هنادي إلى الهريش لإحضار الجبنة. وذهبت وتأخرت، وعندما تأخرت خرجت أصيح في الشارع: يا ولدي، هنادي تأخرت. ثم ظهرت ابنتي هنادي، وتنفست الصعداء ودخلت؛ لأن هناك شباباً مسلحين لا أعرفهم، كما حدثتك سابقاً.
رحمة: خلال الأيام الأولى من أحداث 13 يناير، ألم تتعرضي لأحداث مؤلمة؟
بلجون: بعد أن شعرت بالخوف على ابنتي هنادي حينما تأخرت، عدت إلى البيت معها، وكنت أشعر بالراحة؛ لأن جميعنا في المنزل.
رحمة: ماذا كان يُعرض حينها في التلفزيون حينها؟
بلجون: توقف التلفزيون لمدة عشرة أيام، ولم أذهب أنا إلى التلفزيون خلال تلك الفترة، بعد أن أعادونا من الطريق إليه.
رحمة: يقال إنه خلال أحداث 13 يناير لم يكن هناك ماء، كيف استطعتِ أن تديري المسألة في ذلك الوقت؟
بلجون: في تلك الفترة كانوا قد حفروا بئراً في الأرض ووجدوا ماءً عذباً، فكان يذهب زوجي وهنادي وهاني ويحضرون الماء. وبعد عشرة أيام اتصلوا بي هاتفياً من أجل أن أقرأ وأفتتح التلفزيون.
رحمة: عندما خرجتِ وتركتِ أبناءك في ظل هذا الظرف، ماذا قال زوجك؟ ألم يغضب لأنك تركتِ بيتك في وضع كهذا؟
بلجون: أنا كنت خائفة، ولكن قلت لأحمد إنني موظفة لا أستطيع أن أقول لا. ثم قال أحمد: ماذا عسانا نفعل؟ وكانت هدى حينها تبلغ من العمر خمس سنوات، وأنا أحملها بين يدي وأضمها بخوف وقلق أنني قد لا أعود. ولم تكن لدي فكرة حول الوضع السياسي، وليس لدي أي انتماء سياسي.
رحمة: عندما خرجتِ وودعتِ أبناءك، ماذا قال لك زوجك؟
بلجون: أعود إلى الوراء خطوتين. عندما عدت من محطة الهريش إلى البيت، كنت قلقة على أخي عبدالرحمن؛ لأنه كان مدير التلفزيون، وكنت أريد أن أعرف أين أخي. اتصل بي وسألني قائلاً: أين أنت؟ قلت له: أنا كنت في طريقي إلى التلفزيون، وأعادوني من جولة التواهي، وقالوا بأن هناك مشاكل. ثم قال: أنا في التلفزيون، ولكن سأذهب إلى المدرسة لأحضر أبنائي وأعود إلى التلفزيون. وهذه كانت المكالمة الوحيدة التي تلقيتها منه.
رحمة: وهل كان والداك على قيد الحياة؟
بلجون: والدتي فقط.
رحمة: متى توفي والدك؟
بلجون: إذا كانت والدتي توفيت في 1987، فأبي كان قبلها تقريباً بخمس سنوات.
رحمة: من المؤكد أنه عندما وصلتِ إلى التلفزيون سألتِ عن شقيقك عبدالرحمن، أليس كذلك؟
بلجون: لا، لم أقل كلمة واحدة؛ لأن الوضع لم يكن يجعلك حتى تتنفسي.
رحمة: عندما وصلتِ إلى التلفزيون، بمن التقيتِ؟ هل وجدتِ عسكراً؟
بلجون: أنا خرجت من المنزل بباص كبير مليء بثقوب الرصاص، وكانت هذه البداية. وبجواري أحد المذيعين أحضروه من منزله. كنا اثنين، هو كان يجلس إلى جانب السائق، ولدينا حراسة بحدود شخصين ملثمين.
رحمة (مقاطعة): دعيني أتوقف هنا؛ لأنني لم أفهم. هل جاءوا إلى البيت بالباص المثقوب بالرصاص، وفي داخله أشخاص ملثمون؟ فهل اقتادوك بالقوة إلى مبنى التلفزيون؟ مجرد دخولك باصاً مع ملثمين، هذا بحد ذاته شيء مرعب.
بلجون: لم يكن الباص وحده. أنا كنت أخرج من البيت وأرى النور، ولكن في ذلك الوقت خرجت ونحن في حالة رعب، ولا نخرج من البيت منذ عشرة أيام بسبب الوضع وحالة التوتر والأخبار المرعبة.
رحمة: من هو المذيع الذي كان معك على نفس الباص؟
بلجون: أنا أخشى ذكر اسمه.
رحمة: لماذا الخوف؟ أليس هو من كان معك في نشرة الأخبار؟ هذا تاريخ، وعليك أن تذكري اسمه.
بلجون: هو المذيع محمد شيخ. أنا بعض الأوقات أتردد؛ لأن بعض الأشخاص لا يريدون ذكر اسمهم، ولكني ذكرته.
رحمة: عندما كنتِ على الباص، هل هناك من أخبرك ما هو المطلوب منك، أو ادخلي ولا تدخلي؟ وهل المذيع الذي كان معك عرض عليك توجيهات أو إغراءات؟
بلجون: عندما صعدت إلى الباص، كنت متعودة وكلي حيوية، وكنا نغني داخل الباص عندما نذهب وعندما نعود، وكأننا ذاهبون إلى رحلة. وأنا أمزح، وأنا ومجموعة من الأصدقاء بيننا ود واحترام، وعلاقتي بالآخرين علاقة جميلة. فجلست بأدب، وكانت الدنيا هادئة. وعندما خرجنا كان الشارع فيه زيت سيارات؛ لأنه في التواهي أصيبت خزانات الزيت بالرصاص، وكانت عندما تمر سيارة تطوي الزيت بالاطارات. وعندما دخلنا كانت الدنيا كئيبة جداً، وكنت خائفة حينها: هل أعود إلى المنزل أم أبقى؟ ثم دخلت إلى المبنى وتم تفتيشي، وكنت هادئة، وأنا متعودة أن التلفزيون مثل بيتي. كنت أمازح الحراسة، وجميعهم أصدقاء. عندما دخلت المبنى وجدت زملاء معروفين، وطبعاً في ذلك الوقت كان هناك مجموعة منهم عز الدين الكشار، وعلوي السقاف رحمة الله عليهما وغيرهم، ثم أدخلوني إلى الاستديو.

رحمة: عندما دخلتِ الى الاستديو، ألم يطلبوا منك ما تقرئين وماذا تفعلين؟
بلجون: فقط طلبوا مني أن أفتتح الإرسال. ودخلت ورأيت الاستديو جدرانه مفتوحة؛ لأن الدبابة ضربت الاستديو، فتناثرت البردين. وأنا بحكم أنني أعرف أن الصوت يجب أن يكون في استديو مغلق، فببساطة قمت وأخذت الأحجار لسد الفتحات. وهناك صوت يقول بهيبة: مكانك. وعدت بأدبي وجلست، وقد كانت فترة مرعبة جداً، ثم جلست ووجت الكاميرا أمامي.

رحمة: ما الذي قلتِه في أول بث بعد أحداث 13 يناير؟ خلاصة كلامك، ألم يطلبوا منك أن تقولي مواقف مع أو ضد؟
بلجون: أتذكر أني قلت: نستعرض أسماء المفقودين الذين تم احتجازهم والمفرج عنهم الآن. وكنت أقرأ الأسماء.
رحمة: وبالنسبة لعلي ناصر، ألم تذكري عنه شيئاً؟
بلجون: لا، أنا فقط كنت أقرأ المفرج عنهم، وأرحب: إن تلفزيون الجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يحييكم مع بثه الذي يبدأ من الساعة كذا حتى الساعة كذا، ونبدأ فترة الإرسال بالقرآن الكريم، خير تلاوة للقارئ الشيخ محمد محمود القبلاوي، ثم نستعرض البرنامج العام. ولم يكن هناك برنامج عام غير أناشيد وطنية وأسماء المفرج عنهم.
رحمة: وكم الفترة التي قضيتها في التلفزيون في ذلك اليوم؟
بلجون: اشتغلت، ثم جاءتهم الصحوة أنني أخت عبدالرحمن بلجون، وربما تسول لي نفسي أن أعبث، وأنا لا دخل لي في السياسة ولا لدي أي انتماء، فقط مجرد مذيعة تؤدي واجبها وتعود. في أول يوم أنا افتتحت التلفزيون في 23 يناير، بعد 10 أيام من أحداث 13 يناير، ثم وصلني إشعار أني أوقفت عن العمل.
رحمة: لماذا أوقفوك عن العمل؟
بلجون: تواصلوا معي تلفونياً وقالوا: أنتِ موقفة عن العمل.
رحمة: ألم تتواصلي معهم وتسأليهم عن سبب إيقافك عن العمل؟
بلجون: أنا أوتوماتيكياً فهمت أنه طالما أخي كان مدير التلفزيون فلا بد أن تكون لديه علاقة. وأخي عبدالرحمن كان يومها في التلفزيون، وبحسب معلومات وصلت، أن الخروج كان ببطاقة، وهو في التلفزيون خرج إلى بيت أختي، وهو قريب من التلفزيون، وبدون حقيبته؛ لأنها كانت في التلفزيون. ثم فجأة تقول له زوجته: عد إلى البيت. فكان يقول: كيف أعود وأنا بدون بطاقة؟ لأن بطاقتي وأغراضي في العمل. ثم أخبروه من أصدقائه، وللأسف الشديد كان هناك من لا يتمنى له الخير، وهناك مناكفات سياسية قديمة تبرز نفسها في مثل هكذا ظروف.

انتقل بمعيتهم، وهم حموه حتى يوصلوه إلى المعلا حتى يتسنى له أن يعود إلى خور مكسر حيث منزله، ولكن تآمروا، بحسب تحليلي، وتركوه في المعلا. وكان في بيت أختي الثانية في المعلان، ولم يكن يوجد لديها تلفون. ثم استضافه أحد زملائه في منزله، وكان لديه تلفون. وكان أخي على نياته، يعتقد أن الناس بمثل طيبته، وهم لعبوها، والله أعلم. وبعد فترة، عندما لم يستطع العودة إلى البيت، قالوا له: من الأفضل أن تعود إلى المكتب حتى تخرج بطاقتك الشخصية وتستطيع الخروج بعد ذلك. عاد إلى المكتب، ثم اختفى حتى هذه اللحظة. أين ذهب؟ من أخذه؟ لا نعلم.
رحمة: هو كان مدير التلفزيون أثناء الصراع، ولكن بعد اختطافه إلى أين اقتادوه؟ وماذا كان موقف والدتك؟
بلجون: لا نعلم إلى اين اقتادوه وهو كان لديه عداوات وكانوا يقولون له: أنت لجنة محافظة. أما والدتي فقد توفيت كمداً وحزناً عليه، وظلت لمدة عام كامل تردد: "عندما يخرج ابني عبدالرحمن سأقيم له مولداً وحضرة"، مع أنها في الأصل لم تكن من محبي الموالد أو الحضرات. لقد اختفى أخي عبدالرحمن شيئاً فشيئاً، وكأنه فص ملح ذاب وتلاشى.
رحمة: كم كان لديه أبناء وبنات؟
بلجون: لديه توأم بنات، شذى وندى، وهما الأخيرتان، وبلجون الأكبر، ووضاح بعده.
رحمة: مؤلم جداً عندما يختفي الأب أو الأخ ولا تعرفون أين المصير، إنه على قيد الحياة
بلجون: ليس هذا وحسب. هم أخذوا شقيقي من العمل، وأنا موظفة وليس لدي علاقة بأي انتماءات سياسية، وامرأة بيتوتية تذهب إلى العمل وتعود إلى المنزل، وهم يعلمون أنني لست من "المبعسسين" داخل العمل.
رحمة: ألم تكوني تحسين أنه توفي، أو همس أحدهم في أذنك وأخبرك بمصيره، ولو حتى بعد خمس أو عشر سنوات مثلاً؟
بلجون: للأسف كانوا يتعاملون معي بحذر وانتقام.
رحمة: هل هناك أحد لديه ضمير وأخبرك بمصير أخوك، ولو حتى بعد خمس أو عشر سنوات مثلاً؟
بلجون: هم لم يقولوا، ولكن تآمروا، حتى حقيبته وساعته وكل ما يخصه لم نجده.
رحمة: خلال الأربع سنوات، ما هي أبرز الأحداث التي عايشتِها إلى 1990؟
بلجون: بعد ذلك تواصلوا معنا للعودة إلى العمل، وهم حلوا مشاكلهم السياسية.
رحمة: دعينا الآن نعرف المزيد حول مسيرتك المهنية، بعد أحداث 13، ، ما أول البرامج اشتغلتي عليه؟
بلجون: اشتغلت في كل البرامج دون استثناء: أسرة ومنوعات، وبرنامج طوف وشوف.
رحمة: لكن اسمك وصورتك ارتبطا بأحداث 13 يناير.
بلجون: لأنني أنا من أول من افتتح التلفزيون وقرأ نشرة أخبار بين القناتين.
رحمة: وكذلك في 1990 كنتِ أول من قرأ النشرة الموحدة، ولكن اسمك وصوتك وصورتك ارتبطت بأحداث 13 يناير، وكذلك 1990 بعد الوحدة اليمنية . أمل بلجون هي من ربطت بين القناتين الأولى والثانية. حدثينا عن هذه المناسبة الجميلة.
بلجون: أنا كنت مناوبة، وصادف أن يكون هناك ربط بين القناتين كأول نشرة فضائية تقدم، فكلفت بقراءة نشرة الأخبار. وكان الجميع متخوفين أننا سنظهر في فضائية، ولكن كان الأمر عادياً، والمسألة مسألة ربط، والأمر كان طبيعي.

رحمة: ألم تشعري بسعادة عميقة بمناسبة الوحدة؟
بلجون: السعادة العميقة التي داخلي، ان الآخرين سيشاهدونني. ربما الناس لا يعرفونني، أهلي وأصهارنا.
رحمة: من 1990 إلى 1994، وأنت صاحبة وجع في 86، ما أبرز الأحداث؟ وأين كنتِ عندما اندلعت حرب 1994؟
بلجون: كنت موجودة، وكانت الطائرة تقصف، واختبأنا، وكان هناك مضاد للطائرات يقوم بالضرب. وكانت هذه الأشياء مخيفة؛ لأنه عندما تسقط أشياء من فوق يكون مخيفاً، وعندما يكون مضاد الطائرات أيضاً مخيفاً. وكان كل ذلك صعباً علينا، وإذا كان الرجال يختبئون، فما بالك بأسرة وأطفال وزوج؟ كنت مثل الذي يأخذ قطعة قماش ويدفي على أحد. أنا كنت آخذ عيالي وزوجي وأغطيهم جميعاً.
رحمة: ابنك الكبير بحدود 23؟
بلجون: هاني كان بعمر صغير، وهاني في أحداث 86 كان مريضاً مصاباً بالتهابات اللوز. وهنادي وهدى وهاليدا يخرجن من المنزل لجلب الماء مع والدهم، وأنا فقط كنت آخذ منهن وأوزع: هذا للحمام، وهذا للتفوير.
رحمة: هل يعني أنكم لم تعانوا من نقص الماء، وكنتم تشربون من المجاري كما كانوا يقولون في أحداث 13 يناير؟
بلجون: الماء كان يأتي، وأنت تعلمين أنه من البئر الذي استحدث. وحتى سبحان الله، وكما كان يقول أبو هاني، رحمه الله عليه: عند البحر حفرنا وظهر لنا الماء. كان زوجي وبناتي يحضرون الماء بأي قارورة ماء.
رحمة: في 94، ماذا غير الرصاص، وأنكم كنتم مع بعض؟ هل هناك شيء يُذكر؟
بلجون: كان الوضع بالنسبة لنا في البيت والجيران، نشعر بحالة قلق، ونريد أن نعرف ما هي التطورات التي ستحدث. ثم بعد ذلك استقرت الأمور.
رحمة: لم تذهبي إلى التلفزيون خلال الشهرين اللذين استمرت فيهما الحرب؟
بلجون: أنا في 94، بعد قراءة النشرة، كنت ملتزمة بالجدول.
رحمة: يعني أنك كنت مهنية بحتة، ولا دخلك بمن ذهب وأتى؟
بلجون: لم أكن أتدخل؛ لأننا في الأخير نريد الخلاصة.
رحمة: عندما دخلت جماعة علي عبدالله صالح، ألم يأتِ أحد إلى البيت بما أنك كنت تقدمين النشرة؟
بلجون: أنا أتذكر حاجة، أنت جريتني لها. وبما أنني كنت مذيعة، كان الشك يحاورهم. أصحاب صنعاء كانوا ناساً متعمقين أن هناك شيئاً بأمل بلجون، وأرسلوا لي شخصاً كان يجلس من الصباح أمام بيتي يرتدي فوطة، وكان يقرأ القرآن، وبعد ذلك يتنقل ويعود مرة أخرى ويقرأ القرآن. وكان، كما يبدو لي، يراقب.
بعد ذلك أرسلوا رجلاً آخر يبيع خضرة، وكان يدق الباب عليّ، رغم أنه كان يسير في الشارع ويبيع، وأي أحد يحتاج يخرج له.
رحمة: هل ارتديتِ الحجاب بعد 1990م؟
بلجون: نزل عليّ المبنن إلى الاستديو، وقال: إننا نريد أن ترتدوا الحجاب. فرديت عليه: إذا كنتم تريدون فرضه فرضاً فأنا سألبسه، ولكن لن أكون مقتنعة. فرد وقال: إنه من الضروري. قلت له: سأرتدي الحجاب كالذي ترتديه التي تذهب إلى الموالد. وألح عليّ، ثم ارتديت "المقرمة"، وكان يظهر القليل من شعري.

رحمة: بعد اندلاع حرب 94، هل كنت ترتدين الحجاب؟
بلجون: لم أكن أرتدي الحجاب عندما قرأت النشرة كنت دون حجاب، وبعدها نزلوا وطلبوا ارتداء الحجاب.
رحمة: 1994، هل عدتِ للحجاب مرة أخرى؟
بلجون: هم حينما أشاروا لنا، وبعدها ارتديته. وأتذكر في أحد الأيام جابوا لي إعلاناً خاصاً بصابون تايد، وطلبوا أن أعمل الإعلان، في داخل بيتي، وأقوم بنشر الغسيل وانا ارتدي الحجاب. وهذا شيء غير مقنع؛ لأنني في البيت، وليس من المعقول أن أكون في البيت وأرتدي حجاباً حتى أنشر غسيلي.
رحمة: وهل نفذتِ الإعلان كما طلبوه منك؟
بلجون: لا، رفضته. ومثال آخر: عندما تأتي امرأة تمثل، وهي في منزلها تتحدث مع أطفالها وهي تضع المكياج، هنا يفترض تقمص الشخصية دون مكياج، وهكذا.
رحمة: إلى عام 2000،ما أبرز الأمور التي كانت تشغل تفكيرك خلال فترة اختفاء أخيك، وكيف عدت إلى تقديم نشرات الأخبار في تلك الفترة؟
بلجون: أبرز الاشياء التي كانت تشغلني حواري مع نفسي حول أخي: أين هو؟ ما الذي حصل؟ وإلى أي مرحلة سنصل؟ زملاء سافروا إلى صنعاء، وأنا لم أسافر؛ لأن الأكسجين في صنعاء غير عدن، وكان هذا السبب الذي منعني من أن أكون في صنعاء. ولكن، وبدعوة من الحرازي، طلب مني أن أقرأ نشرة التاسعة، فقرأت النشرة، ومرة قرأتها مع الزميل أحمد المسيبلي، ونشرتين أخريين.
رحمة: لماذا لم يتم تعيينك في أي موقع مهم، على الرغم من أنك إعلامية مخضرمة، وعانيتِ في 13 يناير، وشاركتِ في الإعلان عن الوحدة اليمنية؟
بلجون: للأسف لا يوجد أحد تذكر جزءاً من معاناتي، أو كخبرة عمل أنني أحظى بمثل هكذا موقع. أنا عينت رئيسة قسم المذيعين فترة لا تتجاوز تسعة أشهر، وبمجرد أنني رأيت أنني بدأت أعمل أسساً ونظماً للعمل، وكل مذيع لديه ملف، وفترة غيابه، وكل ما يتعلق بهم، رأيت أنه لا يوجد أحد متجاوب. أنا من قمت بشراء الملفات بنفسي، وكنت أريد أن أؤسس نظماً، ولا أغادر المبنى إلا بعد أن يأتي مذيع الربط.
رحمة: إذا كان أعلى منصب حصلتِ عليه هو رئيسة قسم المذيعين، فلماذا لم تُعيَّني في منصب أعلى وأنتِ تستحقين أكثر من ذلك؟
بلجون: أنا تفاجأت، وبدون أي متابعة من قبلي، لأن من مسؤولية المسؤول عنك أن يقيمك ويضعك في المكان المناسب، وليس أن تسعى أنت وراء المنصب. فلماذا أجري وراء أحد؟ حتى منصب مدير دائرة، وبنفس الأمر الإداري، جاء زميل لي ليس إعلاميًا بتاتًا، بل تحول من مؤسسة عسكرية، وعُيّن مدير دائرة، بينما كنت أنا من ضمنهم، ولكن...
رحمة: ومتى كان قرار تعيينك رئيسة لقسم المذيعين؟
بلجون: تقريبًا في التسعينيات.
رحمة: ولكن بعد كل هذا العمر، لماذا لم تحصل أمل بلجون على منصب عالٍ؟ هل السبب يعود لأنها لا تتقنِ فن التطبيل للآخرين؟ أم لأنه ليست لديك علاقات، رغم أن أخاك كان مدير التلفزيون وأحد ضحايا الصراعات اليمنية، وأنتِ كنتِ من أبرز ضحايا عامي 1986 و1994؟ لماذا؟
بلجون: كما يقال: المعنى في بطن الشاعر. هم كمسؤولين، لو كان هناك قليل من التقدير، لكان من المفترض أن أكون موجودة. ليس فقط بسبب أخي، بل لأننا أسرة إعلامية منذ زمن، إضافة إلى خبرتي في مجالي. كان على الأقل يجب أن تأتي المبادرة منهم. ولكن، للأسف، هناك مصالح فيما بينهم، سواء لدى مدراء أو غيرهم، فجميعهم يبحثون عن مصلحة معينة.
رحمة: إذًا ليس تمييزًا ضد المرأة، لأن هناك نساء حصلن على مواقع؟
بلجون: لا، ولكنني تحديدًا كنت أتغاضى عن كثير من المنغصات في حياتي العملية. كنت أغطي عن زميل غاب، ونتغاضى ونغطي بدلاً عنه، حتى في الأمور البسيطة على مستوى المكتبة. وكانوا يقولون إنني لست متخصصة، رغم أنه لم يكن لدينا أصلًا تخصص إعلام. وكانت لدي خبرة طويلة، وأقرأ نشرة الأخبار بسرعة بديهية، وبحضور وفن إلقاء. حتى عندما ذهبت إلى دورة يتيمة، وكانت أول دورة أحظى بها في سوريا، وحضرت دورة في فن الإلقاء لمدة ثلاثة أسابيع مع عدد كبير من المتدربين من دول عربية، وبحكم أن اسمي يبدأ بحرف الألف، كنت أول من يقرأ النصوص الاذاعية التي سلمت لي. وعندما قرأت، استغرب المدرب وأشاد بإلقائي أمام الجميع.
رحمة: دعينا نتحدث بصراحة، لماذا لا تكونين أنتِ السبب في هذا التجاهل؟ أنتِ ليس لديكِ طموح، وتريدين الجلوس في البيت والاهتمام بالعائلة، ولم ترضي بالانتقال إلى صنعاء، رغم أنها العاصمة ومركز صناعة القرار.
بلجون: هم استقطبوا بعض الزملاء، ولم يقولوا لنا شيئًا. أخذوا شابًا معينًا وشابة معينة، ولم يخبرونا. وأنا لم أناضل من أجل ذلك، أولًا لأن صنعاء بالنسبة الأكسجين فيها اقل، وإذا ذهبت إليها كنت سأتعب صحيًا. وانا ارتأيت من ذلك ووجدت انها افضل حينما جاءت منهم.
رحمة: وأنتِ كنتِ تفضلين الجلوس في البيت؟
بلجون: أنا في معظم وقتي كنت أحب البرامج التسجيلية، حتى يسمح لي الوقت بأن أجلس في البيت.
رحمة: عندما تكونين في المنزل، ما الذي تقومين به طيلة هذا الوقت؟
بلجون: أتابع ما لي وما عليّ، وأجهز الملابس التي تحتاج إلى الغسل، وأتابع ما يحتاجه أبنائي في المدرسة.
رحمة: هل كانت علاقاتك الاجتماعية جيدة مع الجيران وغيرهم؟
بلجون: نعم، كانت علاقتي بجيراني جيدة. فمثلًا، بيت صاحب صحيفة «الأيام» بشراحيل كان بجوارنا، وكذلك علوي السقاف، وكنا نزور بعضنا البعض.
رحمة: هذا يعني أن الحياة النجومية لم تكن تجذبك؟
بلجون: أنا كنت بيتوتية، ولولا أبو هاني لما خرجت إلى العمل.
رحمة: ألم يندم زوجك لأنه دفعك إلى العمل؟
بلجون (ضاحكة): ربما بينه وبين نفسه، ولكن هو دفعني حتى للاشتراك في لجان الدفاع الشعبي للحي والأحياء المجاورة. كنت نشيطة في مكتب لجان الدفاع.
رحمة: هذا يعني أنه كان فخورًا بكِ لأنك تعملين؟
بلجون: بقدر ما دفعني، بقدر ما رأى أنني انطلقت في العمل أصبحت لدي التزامات، وكان الصحفيون يأتون لأخذ تصريحات مني، فكان أمام أمر واقع.
رحمة: ألم يكن يغضب من ذلك أو يعاتبك؟
بلجون: لم يغضب ولم يعاتبني. كان طيبًا جدًا، وكان يقول: «اعملي ما شئتِ مع الصحفيين، ولكن لا تدخليني معهم». وفي إحدى المرات ألزمت الجميع، هاني وهنادي وهليدا وهدى، أن يكونوا موجودين. وكانت هدى متزوجة ولم تظهر معنا في الصورة، أما أحمد -رحمه الله- وهاني وهليدا فقد شاركوا في لقاء تلفزيوني أُجري في منزلي.
رحمة: وهل كان أبو هاني موافقًا؟
بلجون: لم يتحدث. وأتذكر أنني كنت أريده أن يرتدي بنطالًا، لكنه قال: «هكذا تمام»، وكان يرتدي الفوطة.
رحمة: ما أكبر مشكلة حصلت بينكما؟
بلجون: لم تكن هناك مساحة للخصام بيننا. كان من النوع الهادئ الودود الذي يتجنب أي مشاكل أو صراعات.
رحمة: وأنتِ كنتِ تعرفين ما لكِ وما عليكِ؟
بلجون: نعم، كنت من النوع الملتزم في كل شيء، ولم أكن أجعله يشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا في المنزل.
رحمة: ما أفضل شيء كنتِ تطبخينه وكان يستلذه أبناؤك وزوجك؟
بلجون: نحن، بحسب عاداتنا، نطبخ وفق ما هو متوفر.
رحمة: ولكن لا بد أن هناك أكلة لا تتقنها إلا أمل بلجون، كالصانونة أو الزربيان أو الباخمري.
بلجون: أنا أتقن الطفاية، والأرز بالعدس، وأعمل العشار في البيت. وكما قلت لكِ، أنا بيتوتية من الطراز القديم.
رحمة: ألم تجربي مضغ القات؟
بلجون: جربت.
رحمة: وهل كنتم قديمًا تمضغون القات كل خميس وجمعة؟
بلجون: كنت أمضغ القات مع زوجي.
رحمة: وبالنسبة للقات في عدن، ما طقوسه هناك؟
بلجون: كنا نستمد بعض أفكارنا من صنعاء، فكنا نجهز الشعير، وكان في جلساتي ماء مبخر، وماء عادي، وقهوة مزغولة، وكل ذلك في جلستي.
رحمة: من كان يقوم بشراء القات؟
بلجون: كان أبو أولادي هو من يشتريه. أحيانًا يصيب وأحيانًا يخيّب. أما أنا، فكنت أمضغ أي قات، ولم أكن من النوع الذي يتكيف معه كثيرًا. وبعد مضغ القات كنت أقوم ليلًا بفتح الغسالة وغسل الملابس، ولا أنام إلا بعد ترتيب المنزل.
رحمة: عندما بدأت الاحتجاجات في فبراير 2011، أين كنتِ في ذلك الوقت؟
بلجون: في عام 2011 أُصبت بأزمة صحية كانت دقات قلبي سريعة، وذهبت إلى العيادة، وقالوا إنه من المفترض أن أرتدي جهازًا لمدة 24 ساعة. وعندما رآني الدكتور قال إنني أحتاج إلى قسطرة، وفضّل أن أجريها في الأردن. وبحسب ظروفي، سلمني التلفزيون 100 ألف ريال يمني فقط، وتذكرة سفر لي ولمرافقي. وطرقت كل الأبواب، وكان أخي محمد في هولندا، فأرسل لي مبلغًا من المال. وسافرت إلى الهند مع ابنتي هليدا وأجريت عملية القسطرة.

بعد ذلك، عدت إلى العمل بمحض إرادتي، وقلت إن مشكلتنا في الدول العربية للأسف الشديد تمتد النشرة الاخبارية أحيانًا إلى ساعتين وأنت على الهواء، لأن الأخبار تكون عن الرئيس ويجب أن تُعرض بكل تفاصيلها. وأنا كمذيعة كان ظهري يؤلمني، وتبدأ معي حالة من القلق والضغط والتوتر.
رحمة: وهل توقفتِ عن العمل؟
بلجون: بعد عودتي من الهند باشرت عملي، لكنني اعتذرت عن تقديم نشرة الأخبار بمحض إرادتي.
رحمة: ماذا كانت ردة فعلهم عندما اتخذتِ هذا القرار؟
بلجون: قالوا إنه لا توجد مشكلة، وإن أي شخص يمكنه قراءة الأخبار. وهيأوا أي شخص للقيام بالمهمة. وكما تعلمين، لم يكن هناك تخصص حقيقي، وأصبح العمل فيه شيء من الإسفاف، ولم يعد هناك تصنيف لمذيع درجة أولى أو درجة ثانية. وهناك زملاء كثيرون سبقوني وأحترمهم، تركوا الساحة لأسباب سياسية.
رحمة: ألم تفكري يومًا في الانضمام إلى حزب سياسي، كالمؤتمر أو الإصلاح أو الحزب الاشتراكي؟
بلجون: أنا أكبر جبانة في عالم السياسة. لأنك إذا انتميتِ إلى جهة معينة أصبحتِ محسوبة عليها. وأنا لدي عبدالرحمن بلجون في الساحة، فلماذا أُحسب على زيد أو عمر؟ وانا من البيت إلى العمل، ومن العمل إلى البيت، وأنا فقط عضوة عادية في اتحاد نساء اليمن.
رحمة: من 2010 وحتى 2015، أين كانت أمل بلجون خلال هذه الفترة؟
بلجون: كنت بين البيت والعمل، وأتقاضى 30 ألف ريال يمني مقابل برنامج جماهيري اسمه «مع المشاهدين»، ثم تغير اسمه إلى «تهاني وأماني». وبعد ذلك جاء أحد المدراء الشباب وأطلق عليه اسم «مراسيل». وهذا هو البرنامج الذي دخل إلى نفوس المشاهدين، إذ كان يُعنى بالمناسبات السعيدة كالخطوبة والزواج والميلاد.
وهو عبارة عن رسائل تأتي لتقديم التهاني. وقد استهلكني الآخرون لأنني كنت أقول: هؤلاء أحبابي وهؤلاء أصحابهم. وكم من مرة نوهت وذهبت إلى صنعاء وناضلت من أجل تطوير هذا البرنامج، لأنه كان لدينا في إذاعة عدن عرفٌ قديم، يتمثل في بطاقات لا يتعدى عدد الأسماء فيها ثلاثة أو خمسة أشخاص، من فلان وفلان وفلان إلى فلان بمناسبة كذا. وكانت البطاقة تباع بنصف شلن.
وعندما جاء التلفزيون، اقترحت أن يكون هذا النظام موجودًا أيضًا. وقد دعمني خمسة أو ستة أشخاص من صنعاء، لكن آخرين كانت لديهم مصالح، وقالوا: لا، لا نريد أن نبدأ بهذا النظام، فالناس لديهم تقنيات وتكنولوجيا متقدمة. وفي النهاية كلفتوني، ونزلت دون أن أصل إلى نتيجة.
رحمة: كيف كيف كلفتوكِ؟
بلجون: كنت أريد أن يتولى قسم الإعلانات إصدار بطاقات تُباع في المكتبات، بحيث يستفيدون ويستفيد التلفزيون، لكنهم رفضوا. وعدت أقدم البرنامج بالطريقة نفسها، وأقرأ من الورقة، دون تقدير من الآخرين الذين لا يدركون أنك تستهلك نفسك في قراءة تهنئة طويلة جدًا.
رحمة: لكنهم ربطوكِ بأفراح الناس.
بلجون: بكل تأكيد. كنت أتفاعل مع المشاهدين بحيوية. وأتذكر أن إحدى المشاهدات اتصلت بي يومًا وقالت: «الله يلعنك ويلعن وجهك، ضعي الحجاب على رأسك». فكنت أقول لها: «لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء».
رحمة: ألم يضايقوكِ في التلفزيون بسبب موضوع الحجاب؟
بلجون: كانت تصل رسائل من أشخاص يدينون الطريقة غير المؤدبة التي تحدثت بها المتصلة. كما اتصل بي رجل وقال: «يا حرمة، افرشي سجادة وروحي حجي». فقلت له: «أركان الإسلام خمسة، والحج لمن استطاع إليه سبيلًا». وكنت أرد عليهم بتلقائية وحضور غير عادي، وربنا ألهمني ذلك. وهذا كله أعطى انطباعًا للناس أنني أعمل بتواضع وتلقائية وبساطة.
رحمة: ماذا حدث في عام 2015؟
بلجون: توقفت بسبب المشاكل السياسية. بدأت الاعتصامات وإطلاق النار، وكانت آخر حلقة قدمتها من برنامج «مراسيل» في 17 مارس 2015. وكنت أحضر لحلقة كبيرة بمناسبة عيد الأم في 21 مارس، وعملت عليها كثيرًا.
رحمة: عندما نزل الحوثيون إلى عدن، ألم تفكري في ارتداء الحجاب؟
بلجون: كنا في البيت مختبأين، ولم نكن نخرج بسبب إطلاق النار الذي لم نكن نعرف مصدره. ثم انتقلنا من مكان إلى آخر.
رحمة: متى غادرتِ اليمن؟
بلجون: في مايو 2015 خرجنا من حارتنا إلى حارة أخرى تبعد بست حارات لعلنا نجد مكانًا أكثر أمانًا، لكن إطلاق النار كان مستمرًا. بعد ذلك انتقلنا إلى ميناء الزيت. وقبلها كنا في إنماء داخل منزلين مختلفين، أنا وزوجي وأولادي. ثم دلّنا بعض الناس على مكان آخر، وذهبنا إلى ميناء الزيت. وكانت تلك أول مرة أذهب فيها إلى هناك، لانه كنا عندما نغطي نغطي في ميناء البريقة. ومن ميناء الزيت هربنا بالعبّارة إلى جيبوتي.

رحمة: لماذا لم تذهبي إلى الرياض كما فعل الآخرون؟
بلجون: لأن الذين ذهبوا إلى الرياض اختاروا نخبة معينة على أساس العلاقات. كل شخص أخذ أصدقاءه ومعارفه. أما أنا فلم يكن لدي أحد سوى الله. لم ينظروا إلينا كخبرات، بل اعتبرونا عجائز.
رحمة: كم بقيتِ في جيبوتي؟
بلجون: بقيت هناك ما يقارب ستة أشهر.
رحمة: ومن كان ينفق عليكم خلال هذه الأشهر الستة؟
بلجون: ذهبت إلى السفارة، ولم يعطوني حتى غرفة. كنت أنا وزوجي وأولادي وأحفادي، ولم يكن في جيبي ريال واحد. مددت يدي لكل من يستحق ومن لا يستحق. وعندما طلبت منهم أرقام المسؤولين أعطوني الأرقام، لكنهم لم يقولوا حتى: سنوفر لكِ شقة. وقالوا إن الشقة التي تخصهم أُعطيت لشخص قبلي، رغم أن الذين سبقوني كانوا من المقتدرين القادرين على استئجار الفنادق، وكانت الإيجارات تصل إلى 1500 دولار.

وأتذكر أنني التقيت وحيد رشيد في مطار القاهرة، فأعطاني 150 دولارًا سلمتها ابنته لي. هو لم يخجل من ذلك على الرغم من انه خرج من عدن ولديه حقيبة أموال، وعندما طلبت منه المساعدة وقلت له إنني في جيبوتي ولا أملك مصدر دخل، أجابني باستهتار: «تريدينها بالجنيه الإسترليني أم بالدولار أم باليورو أم بالريال اليمني؟».

كنت أبكي كثيرًا. هل تعلمين عندما يقولون إن شخصًا بكى دمًا؟ هذا ما شعرت به. ولم أجعل أبنائي يشعرون بذلك. كنت أتألم بصمت، بينما الناس يظنون أنك مغتربة وهربت من البلد ومعك الأموال.
وأتذكر أيضًا أن فؤاد التميمي قال لي إن رئيس الوزراء خالد بحاح موجود في جيبوتي، ويمكنني مقابلته.واخبرني وهو على وشك المغادرة، ذهبت إليه رغم أنني كنت محمومة ومريضة. سلم عليّ ببساطة، ثم أوصى السيدة نهلة العولقي بالاهتمام بي. وبعد ذلك قال لمجموعة تتبعه وعلى بلاطة بمعنى اتفاقدوها سلّموني ظرفًا فيه خمسة آلاف ريال سعودي.

رحمة: الأشقاء في المملكة العربية السعودية، سواء في مشاورات الرياض أو بعدها، يستدعون عددًا من الإعلاميين البارزين. ألم يستدعوكِ؟ ألم تتلقي دعوة أو تواصلًا من السفارة؟
بلجون: لم يتم التواصل معي إطلاقًا. لقد أخذوا من يريدون. وأنا ومجموعة من الزملاء مهمشون. وهناك زملاء في عدن يشعرون بالقهر. وأنا لا ألوم من هم في الرياض، بل ألوم من رشح لهم الأسماء، لأنهم ربما لا يطرحون إلا أسماء معينة.
رحمة: صحيح، خصوصًا احزب معينية مسيطرة في الرياض هي التي تقوم بالاختيار. لدي سؤال: إذا عُرض عليكِ أن تساهمي في تدريب الشباب أو أن تكوني عضوًا في مجلس إدارة أو مسؤولة إدارية للأخبار، فهل ستوافقين؟
بلجون: ولم لا؟ كنت قادرة على العمل منذ تلك الأيام. وكما تعلمين، كنت أتقاضى 30 ألف ريال فقط مقابل أربع حلقات في الشهر، وبدون أي دعم، وكنت أقدم الإعلانات وأقرأها بنفسي.
رحمة: والآن كيف تنفقين على نفسك؟
بلجون: في الوقت الحالي، الله وحده يعلم بحالي. ابنتي تدفع عني الإيجار، ورغم أنني أخجل من قول ذلك، إلا أن هناك من يساعدني وامشي حالي.
رحمة: ألم يتواصل معك الرئيس هادي؟
بلجون: إطلاقًا.
رحمة: ولا الرئيس رشاد العليمي؟
بلجون: لا أحد منهم يعرف أين أمل بلجون. كتبت قبل فترة رسائل عبر أحد الأشخاص إلى أبناء رشاد العليمي، كما كتبت أيضًا رسائل أخرى. وقابلت الوزير معمر الإرياني عندما جاء إلى مصر، وتحدثت معه بشأن الدرجة الوظيفية، ولدي توجيه من الدكتور باجمال رحمة الله عليه . وبكل برود قال: «أنا جئت من أجل احتفالات 26 سبتمبر، وسأتصل بك». واتصلت به أنا لأذكره، وأنا عملت في المجال قبل أن يكون موجودًا فيه، وحتى هذه اللحظة لم أحصل على أي درجة وظيفية أو مساعدة مالية من أي سفارة. هم يستكثرون عليّ تسعين ألف ريال يمني.

رحمة: أعتقد أن رسالتك قد وصلت للجميع، وأتمنى أن يفهمها من يعنيهم الأمر. دعينا الآن ننتقل إلى المستقبل. كيف تتوقعين مستقبل اليمن خلال السنوات الخمس القادمة؟
بلجون: أراه مزدهرًا كبقية الدول العربية. أراه مزدهرًا اقتصاديًا وسياسيًا وعمرانيًا. فنحن لسنا أقل من أي دولة. انظري اليوم إلى الرياض والقاهرة، كيف أصبحتا متقدمتين من جميع النواحي. ولو جلسنا مع أنفسنا، سواء في عدن أو صنعاء، فسنجد أننا بحاجة إلى نقلة نوعية حقيقية حتى تزدهر البلاد ويكون هناك مستقبل للشباب والأجيال القادمة. وكل ما نطمح إليه موجود، ونحن الآن في محك حقيقي، لكنني أؤمن بأن اليوم أفضل، والغد سيكون أفضل بإذن الله.
رحمة: وماذا عن أمل بلجون بعد خمس سنوات؟
بلجون: إذا أراد الله، وشعر المسؤولون بحجم التجربة التي عشتها، فقد يمنحونني أبسط حقوقي.
رحمة: هل تقصدين حقوق التقاعد وما يتعلق به؟ أم أنك ما زلتِ جاهزة للعمل الإداري؟ لأن الشباب يجب أن تُمنح لهم الفرصة، وهم متوقدون بالأفكار والحماس، لكنهم يحتاجون إلى خبرات تؤطر هذا الحماس.
بلجون: أحيانًا يجد الإنسان نفسه أمام واقع حقيقي. الشباب جاءوا بعدنا، وهم اليوم في مواقع متقدمة ماليًا وإداريًا. أما أنا، فأرى أنه إذا أوكلت إليّ أي مسؤولية، فإنني أستطيع القيام بها ضمن إطار خبرتي وعلمي. بل كما يقولون: «سمّونا وزراء واقطعوا المصروف»، فأنا أريد فقط أن أكون عنصرًا فاعلًا.
رحمة: أو مستشارة إعلامية لرئيس الجمهورية؟
بلجون: أبناء رشاد العليمي لم يفعلوا شيئًا من أجلي، وهذا في ذمتهم إلى يوم الدين، لاني كنت أتواصل معهم ليس بصفتي مطالبة بحق أو صاحبة استحقاق، بل كانت رسائلي لهم كأم مليئة بالذوق والاحترام والاهتمام، لكنهم لم يوصلوا الرسائل إلى والدهم، ولم يهتموا بها. كل ما وجدته كان استهتارًا وعدم اكتراث. ويؤلمك أن تضع نفسك في مثل هذه المواقف أمام أشخاص لا يحترمونك، وربما يكون والدهم أصلًا لا يعلم شيئًا عن ذلك.
رحمة: أستاذة أمل بلجون، أنتِ جزء من ذاكرة اليمنيين، ومحفورة في ذاكرة أجيال مختلفة. لكِ حضور لن ينساه أحد، وهو موثق وسيظل حاضرًا في ذاكرة القادمين. أما ما تمرين به من ظروف، فأراه دليلًا على أن الله يحبك، وأنك لستِ كالفاسدين الذين تتحول أموالهم إلى أمراض في أجسادهم وأجساد من يحبونهم. سعادتي بك لا توصف، وكان شرفًا كبيرًا لي أن أحاورك.
بلجون: وأنا سعيدة لأنني قلت أشياء لا يعرفها الناس. هل تعلمين أن بعض الناس عندما علموا أنني ذهبت إلى أمريكا، ظنوا أن وضعي المادي ممتاز؟ ولا يعلمون أنني ذهبت فقط لزيارة ابنتي، وأن الله وحده يعلم ظروفي. ابنتي هي من دعتني، ولدي إقامة هناك، لكن الناس تظن أن الحياة أصبحت أفضل. وأحيانًا يطلب مني البعض المساعدة، وهم لا يعلمون أنني أنا نفسي أبحث عنها. ومع ذلك، ورغم كل شيء، ما زلت أحتفظ ببصيص من الأمل وأنا أطرق الأبواب.
رحمة: أنا واثقة أن القادم سيكون أفضل. أستاذة أمل بلجون، شكرًا لك من أعماق قلبي، باسمي وباسم طاقم برنامج «حكايتي».
بلجون: سعيدة جدًا ببرنامج «حكايتي»، وبالأستاذة رحمة حجيرة.
رحمة: مشاهدينا، إلى هنا نصل إلى ختام هذه الحلقة من برنامج «حكايتي» مع الإعلامية القديرة الأستاذة أمل بلجون. استمعنا اليوم إلى صفحات من تجربة إنسانية وإعلامية ثرية، تكشف جانبًا مهمًا من حياة امرأة يمنية صنعت حضورها بالمثابرة والكرامة، وواجهت التحديات بثبات، وقدمت للأجيال صورة ملهمة عن الصبر والالتزام والانتماء.
نلقاكم في حلقة أخرى، وضيف جديد.
