الجمعة 3 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالوهاب الروحاني: الجميع أسقطوا الدولة وأجرموا في حق اليمن

عبدالوهاب الروحاني: الجميع أسقطوا الدولة وأجرموا في حق اليمن

عبدالوهاب الروحاني: الجميع أسقطوا الدولة وأجرموا في حق اليمن

في الجزء الثاني من حواره مع برنامج "حكايتي"، يواصل السياسي اليمني عبدالوهاب الروحاني، استعراض أبرز محطات تجربته في العمل العام، متنقلاً بين تجربته البرلمانية والتنفيذية والدبلوماسية، ورؤيته لقضايا الدولة والإصلاح والسلام في اليمن.
ويتحدث الروحاني للزميلة رحمة حجيرة، عن تجربته في أول مجلس نواب بعد تحقيق الوحدة اليمنية، وعلاقته بالرئيس علي عبدالله صالح، وأبرز ما أنجزه خلال توليه وزارة الثقافة وسفارة اليمن لدى روسيا، إلى جانب تقييمه لأداء المؤسسات التشريعية، وموقفه من احتجاجات 2011، ومؤتمر الحوار الوطني، ومستقبل المؤتمر الشعبي العام.
كما يقدم قراءة نقدية لمسار الدولة اليمنية خلال العقود الماضية، ويطرح رؤيته لاستعادة مؤسساتها، مؤكداً أن إنهاء الحرب يبدأ بإعادة بناء الدولة، وتوحيد المؤسسات الدستورية، وإطلاق حوار وطني يحافظ على سيادة اليمن ووحدته.

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

رحمة: مرحبًا مشاهدينا في الجزء الثاني من الحوار مع الدكتور عبدالوهاب الروحاني، الذي تثبت سيرته الذاتية ليس فقط تعدد المواقع التي مر بها، بل تكشف أيضًا أن بعض الشخصيات لا تدخل الدولة من باب الوجاهة أو الدعم الإقليمي، بل من باب الفكرة، وأن المنصب حينما يمر عبر وعي ثقافي يصبح اختبارًا لامتياز، ومساحة خدمة لا مساحة استعراض. لقد تحرك ضيفنا بين أكثر من موقع، لكن الخيط الذي جمع هذه المواقع ظل واضحًا، وهو البحث عن يمن أقدر على فهم نفسه، وصون ثقافته، وتمثيل صورته، والدفاع عن وحدته. وهذا ما ظهر من المواقع التي تقلدها، فمن وزير إلى سفير إلى عضو مجلس نواب إلى عضو مجلس شورى.

ومن خلال هذه المسيرة، نستطيع أن نستشرف معه ملامح المستقبل، وأن نتأمل رؤيته لليمن السعيد.

أهلًا وسهلًا بك مجددًا في الجزء الثاني من هذا الحوار. كنا قد توقفنا عند الدور الذي قمت به في تحقيق الوحدة اليمنية، والآن ننتقل إلى أول تجربة برلمانية، وهي أول انتخابات جرت بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1993. كيف جاءت هذه التجربة؟ وما أبرز المواقف أو الذكريات التي لا تزال عالقة في ذهنك، وترغب في مشاركتها مع الجمهور؟

الروحاني: فكرة الترشح للبرلمان أتت من ترشحي لقيادة المؤتمر الشعبي العام في العاصمة، وكانت منافسة كبيرة. وبالتالي، عندما تمت الانتخابات الداخلية في المؤتمر الشعبي العام، كنت قد حصلت على المرتبة الأولى في الفرز في فرع الأمانة، لكنني اكتفيت برئاسة المنطقة الأولى، وهي فرع من فروع المؤتمر الشعبي العام بالأمانة. وكان لدي حضور، إلى جانب أنني كنت حينها رئيسًا لتحرير صحيفة 22 مايو، وكان لدي انتشار من خلال العمل الإعلامي والصحفي.

شعار المؤتمر الشعبي العام
شعار المؤتمر الشعبي العام

رحمة: هل شاركت في تأسيس المؤتمر الشعبي العام أو في الجانب الفكري فيه؟

الروحاني: لا، عندما تم إنشاء المؤتمر الشعبي العام في 1982، كنت طالبًا، ولكني شاركت في الاستفتاء على الاستبيانات، وكنت حينها طالبًا في الاتحاد السوفيتي، ولكن بعد ذلك أصبحت عضوًا فاعلًا في المؤتمر الشعبي العام.

رحمة: هل كان ذلك عند عودتك مباشرة من الإتحاد السوفيتي؟

الروحاني: كان بعد عودتي بفترة.

رحمة: الفرق بسيط؛ لأنك عدت من الاتحاد عام 1986، ثم جاءت الوحدة بعدها بأربع سنوات.

الروحاني: طبعًا، جاءت الفكرة في إطار البحث عن من هو الأقدر بالترشح في هذه الدائرة أو تلك، في إطار البحث عن مرشحين في كل محافظات الجمهورية. وكان من حظي أنني رُشحت من قبل المؤتمر الشعبي العام، وكنت قد هيأت نفسي، ولكن لم أترشح مباشرة، بل سمعت بقرار ترشيحي من قبل قيادة المؤتمر واختياري لأن أترشح في الدائرة.

الانتخابات البرلمانية
الانتخابات البرلمانية

الروحاني: ليس تصعيدًا، هو بالانتخاب. أنا دخلت انتخابات قاعدية، من الجماعة إلى المركز إلى الفرع، ثم إلى انتخابات فرع الأمانة.

رحمة: كيف أقنعتهم؟

الروحاني: كنت موجودًا، وكنت ضمن التشكيلات، وكان لدي حضور تنظيمي واجتماعي.

رحمة: ام السبب هو قدرتك على إلقاء الخطاب، وأن من البيان لسحرًا؟

الروحاني: كنت موجودًا في إطار المؤتمر. وبالتالي أقول لك إنه عندما ترأست المنطقة الأولى، وهذا الكلام قد تحدثت به في لقاء آخر، إنني كنت أصغر أعضاء قيادة المنطقة التي رأستها، وكان من بينهم محمد عبدالملك المتوكل، ومحمد الحيمي، وعبدالواحد السياغي، وأحمد العطاب، وآخرون، وهؤلاء قيادات رسمية وتنظيمية.

رحمة: ولكن لماذا عبدالوهاب الروحاني الذي حصل على هذه الثقة؟ ما هو السر في ذلك؟

الروحاني: أنا تعودت أن أدافع عن مصالح الناس، وأناقش همومهم ومشاكلهم، ولا تنسي أنني كان لدي أعمدة صحفية مرتبطة بالشارع. ولذلك جاءت، مثلًا، كتابي "في الشارع"، وهو مجموعة مقالات مختارة، انعكاسًا لما يقوله الناس وما هي همومهم ومشاكلهم. وكان لدي عمود في صحيفة الثورة اسمه "مكاشفة"، وكنت أقوم بنشره مدعومًا بوثائق، وكان له تأثير فاعل وكبير، وكنت حاضرًا وموجودًا من خلال تواجدي مع الناس وتعاملي مع همومهم.

في الشارع يقولون
في الشارع يقولون

رحمة: متى كان أول لقاء لك مع الرئيس علي عبدالله صالح؟ وكيف كان هذا اللقاء؟

الروحاني: التقيت به، وكنت حينها مع عبدالحبيب سالم، رحمه الله، وكان زميلي وصديقي جدًا. وكان ذلك قبل الوحدة. خرجنا، وكان الرئيس يبحث عني، وكلف أحد المساعدين في مكتبه بالبحث عني.

رحمة (مقاطعة): هل كان يقرأ لك بعض المقالات؟

الروحاني: نعم، كان يقرأ لي. وعندما كانوا يبحثون عني لم يجدوني، وكما تعلمين، وسائل التواصل لم تكن موجودة كما هي اليوم. وعندما عرفت أنه يبحث عني ذهبت وزرته الى دار الرئاسة.

رحمة: وكيف كان أول لقاء به؟

الروحاني: كان لقاءً طبيعيًا، وجدته إنسانًا، وكأنني شخصيًا أعرفه.

رحمة: ولكن هذا أول رئيس جمهورية تقابله وجهًا لوجه.

الروحاني: كان الرئيس علي عبدالله صالح بسيطًا في تعامله، متواضعًا وودودًا، ومنذ اللقاء الأول يمنح من يلتقيه شعورًا بالألفة والقرب. وكان لقائي الأول به في اللجنة الدائمة، وحين سأل: «من هذا؟» أجابه يحيى المتوكل: «هذا عبدالوهاب الروحاني». فالتفت إليّ قائلًا: «أنت الذي تكتب؟» ثم أمسك بيدي، ودار بيننا حديث عن وزارة الإعلام وأدائها، وغيرها من القضايا، وكانت تلك بداية.

علي عبدالله صالح
علي عبدالله صالح

رحمة: ثم تعززت ثقته بك حين رأى فيك رجلاً مثقفًا، حريضاً على وطنك وناقداً، تتحدث بهدوء ورصانة، ومتميزاً في طرحك.

الروحاني: كنت أحاول تقديم رؤية إيجابية، وكان الهدف، على أي حال، هو إصلاح الأوضاع، وتأسيس بناء الدولة، وترسيخ القيم.

رحمة: ما هي خلاصة تجربتك البرلمانية؟

الروحاني: لم أكن غريبًا على البرلمان عندما دخلته أول مرة؛ لأنني كنت دائمًا متواجدًا مع الأعضاء ونقاشاتهم، وكنت أنقل بعض مناقشات الأعضاء، و أثير من خلال صحيفة الثورة بعض المشاكل التي كان يثيرها الأعضاء ولم يكن يجرأ احداً على نشرها. من ضمنها، في إحدى المرات، كتبت مانشيتًا في صحيفة الثورة: "النواب يطالبون بإقالة الحكومة"، وكان ذلك قبل الوحدة، فأحدث ضجة كبيرة، وحاولوا إيقافي، وعندما علم الرئيس أوقف إجراء إيقافي عن العمل، وأمر بمواصلة نشر الحلقات التي كنت قد كتبتها، ونقلت بعض آراء أعضاء المجلس.

رحمة: هل كانت الانتخابات التي شاركت فيها نزيهة؟ لأن هناك اتهامات من قبل الحزب الاشتراكي في انتخابات 1993 بأن هناك تلاعبًا بصناديق الاقتراع، واتحادكم أنتم كمؤتمريين مع الإصلاح وغيره. حدثنا كيف تمت الانتخابات والاقتراعات.

الروحاني: الانتخابات، برأيي، كانت نسبيًا نزيهة، وبالتالي يشكك من يشكك. صحيح أن هناك توجهات وتحالفات. أنا مثلًا في انتخابات 2003 اعترضت على التفاهمات بين المؤتمر والإصلاح قادت إلى إسقاطي في الانتخابات، وذلك نتيجة لمواقفي في اللجنة العامة، ومواقفي داخل المؤتمر، ولمواقفي السياسية. ولكن أقول، وأصدقك القول، بأنني لم أطلب يومًا، ولم أصر يومًا على عمل رسمي، أو طلبت أن أكون وزيرًا أو سفيرًا أو عضو مجلس شورى أو نواب. عملي هو من كان يبشرني والرئيس كان يلعب دورًا.

مجلس النواب المنتخب٢٠٠٣
مجلس النواب المنتخب٢٠٠٣

رحمة: كيف كان يلعب دور؟

الروحاني : كان يتقرب لأمرين: الأمر الأول، من يريد بناء مصلحة ويتقرب منه، كان إما لمصلحة أو لبناء موقف، وكلاهما عنده كان بثمن. فهو يراقب من يحترم نفسه ويعُفّ بنفسه.

رحمة: هل يعني أنه دعمك لأنك صاحب موقف ومشروع؟

الروحاني: من يحترم نفسه ويعُف عن الفساد يحترمه جدًا، لكنه لا يتمسك به. ومن يبحث عن موقف أو مصلحة يمسك عليه اخطاءه ويتمسك به، وبالتالي كانت لديه فكرة أن من يقع في الأخطاء سهل أن تسيطر عليه.

رحمة: دكتور، لديك دورتان انتخابيتان، 1993 و1997، وتم تعيينك وزيرًا وسفيرًا، فكيف لا يتمسك بك؟ هو دعمك لأنك صاحب موقف وقضية ومشروع، واستمر بدعمك حتى 2003.

الروحاني: كان يحترم جدًا ويقدر جدًا أصحاب المواقف والذين يحترمون أنفسهم، ولكنه لا يتمسك بهم، ويتركهم لحاجة أو لوقتهم. فأنا حقيقة، وأنا أعتز بهذا، كنت أشعر بأنني شريك في السلطة ولست موظفًا. هذا أولًا. النقطة الثانية، دفاعي عن موقفي كان يساعدني، أو بالأصح، بناء الموقف في علاقتي بالرئيس كان يساعدني في أن أقف إلى جانبه في الصواب، وأعارضه في الخطأ. وهذا، برأيي، منهج رجالات الدولة. رجل الدولة لا يمكن أن يقول: لا، في كل صغيرة وكبيرة، سواء كانت خطأ أو صوابًا. ولذلك أنا، من وجهة نظري، كثير من القادة السياسيين الذين تواصلوا مع الرئيس الأول إلى الثاني إلى الثالث، وظلوا في مناصب متعددة، رجل الدولة هو الذي يكشف الخطأ، ولا توجد دولة دون أخطاء.

الروحاني
الروحاني

رحمة: أخبرنا بأهم الإنجازات التي قدمتها للوطن، بما أنك قلت إنك صاحب مشروع، وكنتم شركاء في قضايا مشتركة. ما أبرز الإنجازات التي قدمتها من خلال موقعك كوزيرًا للثقافة، ومن خلال موقعك كسفيرًا لليمن في روسيا، ومن خلال عملك في لجنة الحريات وحقوق الإنسان في مجلس النواب؟

الروحاني: في مجلس النواب، اولاً، حاولت، مع عدد من الزملاء، أن نتحرر من الانتماءات الحزبية لصالح الانتماء الوطني والمصلحة الوطنية، وحاولنا أن نشكل في الدورة الثانية كتلة وطنية بداخل المجلس، ضمت الدكتور عبدالله المقالح رحمة الله عليه، وعبدالرحمن الأكوع، وغيرهم، ندافع عن قضية وطنية حتى وإن كانت تتعارض مع رؤية الأحزاب. ثانيًا، أتذكر أنه في إحدى المرات ذهبت إلى الشيخ عبدالله الأحمر مع  عبدالرحمن الأكوع، وطلبنا بضرورة أن تُحال تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة إلى مجلس النواب لمناقشتها، وإحالتها إلى اللجان، وتقديم تقارير إلى القاعة، وبالتالي مناقشة الوزراء واستجوابهم، ومناقشة المؤسسات، وعندما ذهبنا إلى الشيخ عبدالله قال: "ولكن ما تطلبه سيدخلنا في صدام مع الحكومة، ويفترض أن مجلس النواب والحكومة في تكامل". طبعاً، الأمر صادف هوى الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وكان حينها رئيس الوزراء الدكتور عبدالكريم الإرياني، وبالفعل تم إنزال التقارير.

عبدالله الاحمر
عبدالله الاحمر

رحمة: دعني أتوقف عند نقطة "صادف هواه". فسر لنا المقصد.

الروحاني: يمكن أن تفسريها كما تحبين.

رحمة: هذا يعني أنه كان هناك خلاف بين الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وبين الدكتور عبدالكريم الإرياني، رحمهما الله.

الروحاني: الفساد يفترض ألا تكون هناك حواجز لمناقشته. بالنسبة للكتلة الوطنية في مجلس النواب أيضًا، حاولت من خلال نشاطي وعضويتي في لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان، وكان يرأسها يحيى منصور أبو أصبع، كونها كانت من نصيب الحزب الاشتراكي، لكن استطعت، مع عدد من الزملاء، تشكيل لجنة ميدانية، واكتشفنا مظالم في السجون. زرنا سجونًا في حجة وعمران وصنعاء وباجل والحديدة، وبالفعل قمنا بإطلاق سراحهم، وبعضهم كان له من ثلاث إلى أربع سنوات مسجونًا لا لشيء.

عبدالكريم الإرياني

رحمة: وفي وزارة الثقافة، من 2001 إلى 2003، ما أبرز ما أسسته في البنية الثقافية؟ ولماذا لم تستمر فترة عملك كوزير لوقت أطول؟

الروحاني: الفترة كانت سنة وثمانية أشهر، لم أكمل السنتين. أنا، قبل انتخابات 2003، قدمت استقالتي من وزارة الثقافة للترشح في الانتخابات، بأمر تنظيمي. وعندما رُشحت للوزارة لم أُستشر ولم أطلبها، ولكن قبلتها كتكليف، وقبلت المهمة. وكانت من أولويات اهتمامي الترتيب والتنظيم والإعداد لصنعاء عاصمة الثقافة العربية، التي كان الوزير الذي سبقني، الأستاذ عبدالملك منصور، رعاه الله، بحكم منصبه قد استحصل على موافقة مجلس الثقافة العربي، المنعقد عام 2000، لأن تكون صنعاء عاصمة الثقافة العربية لعام 2004. وشكلنا لجانًا كان فيها الأستاذ علي بن علي صبرة، رحمه الله، وأحمد قاسم دهماش، والقاضي إسماعيل الأكوع، والأستاذ أحمد ناجي النبهاني، والدكتور يوسف محمد عبد الله، و...

رحمة (مقاطعة): ومعرض مملكة سبأ، فلا أحد يتذكر معرض مملكة سبأ إلا وتذكرك.

الروحاني: بدأنا النشاط، وشكلنا لجانًا، حتى لإعداد نوعية الكتب والمخطوطات التي سنقوم بطباعتها، وفكرنا في أن تكون صنعاء، عاصمة الثقافة العربية 2004، بوابة لتنمية ثقافية شاملة. وبالتالي لم نعد فقط لرقصة أو برعة وطباعة مجموعة من الكتب، بل أعددنا خططًا للتأهيل والحصول على اعتمادات لترميم الحصون، وكان لدينا خطة لبناء مكتبة وطنية، وكنا قد أعددنا حتى الميزانية...

رحمة (مقاطعة): و لكن قدمت استقالتك بعد ذلك من أجل البرلمان.

الروحاني(متابع): عندما طلبت ميزانية، اعتمد لي الأستاذ عبدالقادر باجمال، عندما كان رئيس الوزراء، 600 مليون ريال. أنا وصلت وميزانية الوزارة حوالي 500 مليون، وكانت فقيرة جدًا، ولذلك أنشأت صندوق التراث والتنمية الثقافية، وصغت مواده بقلمي، وبمساعدة بعض المختصين في الوزارة، وخصصناه لمصاريف محددة، وهي إعادة وتأهيل وبناء القلاع والحصون، وترميم المراكز الثقافية، فالمسألة ليست سمفونية ورقصة وبرعة.

رحمة: دعنا الآن ننتقل إلى التجربة الدبلوماسية. رغم ان فترتك في وزارة الثقافة بسيطة، إلا أنها عالقة في ذاكرة الكثير من النخبة، وخاصة معرض مملكة سبأ. دعنا الآن ننتقل إلى تجربتك الدبلوماسية في روسيا. هل أنت الذي اخترت، أم الرئيس علي عبدالله صالح هو من اختارك، أم أرادوا مراضاتك بعد سقوطك في الانتخابات؟

الروحاني: اختارني الرئيس، وكان قد اتصل بي وقال: "ستُعين سفيرًا، وكن هدء من توترك وانفعالاتك، فالدبلوماسية تريد هدوءًا". رددت عليه وقلت: "الذي تأمر به، وإن شاء الله أكون عند حسن الظن".

رحمة: كيف اختلفت الأدوار؟ وزير، وعرفنا صحفيًا ومشاغبًا عرفنا، وعضو مجلس نواب عرفنا، ولكن سفيرًا هنا اختلفت الأدوار، أليس كذلك؟

الروحاني: أنا كنت خريج روسيا، وربما القيادة رأت فيَّ إمكانية أن أكون دبلوماسيًا.

رحمة: خلاصة تجربتك كسفير؟

الروحاني: هي تجربة جديدة، وكلها في إطار المهمة الوطنية. كما أخبرتك سابقًا، في الثقافة ومواقع أخرى، سواء إعلامية أو برلمانية، كُلِّفت أيضًا بالوظيفة الجديدة، وكانت مهمة وطنية، والوطن يرحل معك أينما ذهبت، إن كنت تريد أن تعمل من أجل المصلحة الوطنية.

رحمة: ما هي أبرز الملفات التي حملتها باسم الوطن؟

الروحاني: كنت، على أي حال، نميت العلاقة اليمنية الروسية، وخلال بقائي أربع سنوات زار الرئيس علي عبدالله صالح موسكو مرتين، وبترتيب شخصي مني كسفير. وأذكر أنه في إحدى المرات طلبت مني الرئاسة أن أرتب زيارة عاجلة للرئيس، ورتبت لها، وكانت علاقتي ممتازة جدًا، ليس فقط في وزارة الخارجية، وإنما مع الرئاسة أيضًا، وهذا كان نادرًا ما يحدث. كانت علاقة مميزة، أولًا لأنني كنت أجيد اللغة الروسية، وكان كثير من السفراء، ليس فقط العرب وإنما السفراء الأوروبيون، يزورون السفارة اليمنية، ربما لخبر او راي أن هناك من له دراية بما يتعلق بروسيا.

رحمة: وحضرت الدكتوراه وأنت سفير هناك، أليس كذلك؟

الروحاني: نعم، حضرتها وأنا سفير هناك.

رحمة: وكيف جمعت بين السفارة والدكتوراه؟

الروحاني: أنا طول عمري أدرس وأجتهد، وبالتالي أيضًا عندما دافعت عن الرسالة دافعت عنها باللغة الروسية، وكان أكثر من 20 محكمًا وأستاذًا يناقشون، وحضر المناقشة عدد من السفراء العرب. وفي روسيا أيضًا لم أغفل الجانب الثقافي لدى الجالية العربية، وكنت معهم وإلى جانبهم، وأسهمت في كثير من الفعاليات العربية للجالية العربية في موسكو.

رحمة: لدي استفسار حول أمر ما. في مايو 2008 تم تعيينك عضوًا في مجلس الشورى، هل هو نفي أم نهاية خدمة، رغم أنك كنت في مقتبل العمر؟ ولماذا اختاروا 21 مايو، وأنت كنت رئيس تحرير صحيفة 22 مايو؟

الروحاني: ليس نفيًا، أنا اعتبرته تكليفًا رسميًا أحترمه جدًا، وقدرت هذا التكليف. وبالتالي كان يمكن لمجلس الشورى أن يلعب دورًا إيجابيًا في تنشيط ذاته، لأن مجلس الشورى له مهمة دستورية، من أبرزها المشاركة مع مجلس النواب في تقدم المرشحين لرئاسة الجمهورية، وإقرار الخطط التنموية للبلاد، وفي الموافقة واقرار اتفاقات السلم والحرب، وإقرار الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول الصديقة والشقيقة.

رحمة: وهل نفذتم تلك المهام؟

الروحاني: للأسف، كنا في بعض اللقاءات نلتقي مع مجلس النواب، لكن أغلب المهام التي كانت توكل إلى المجلس هي التي كنا نناقشها، وكانت توكل إلينا من قبل الرئيس، وهذه واحدة من المهام الدستورية الموكلة إلينا.

في مجلس الشورى كفاءات وطنية عالية، ولديهم إمكانيات رهيبة كانت من سابق، ولا تزال حتى الآن، ولكن كيف يتم استثمارها والاستفادة منها للمصلحة الوطنية العليا؟

رحمة: نحن لا نريد نبش الجروح، ولكن للتاريخ لا بد أن تسجل الشهادات. من 2011 إلى 2022، بداية مشاورات الرياض، عصفت بالبلاد الكثير من الأزمات والصراعات، بدأت مع ما تسمى باحتجاجات فبراير، وأنت انضممت لها.

الروحاني (مقاطع): واعتذرت ألف مرة، وتأسفت 1000 مرة. صحيح، أنا أجد نفسي غالبًا في المعارضة، حتى وإن كنت في السلطة، ولذلك قلت لك إنني حاولت بناء موقف من خلال قربي من الرئيس علي عبدالله صالح لأقول لا، ولكني لم أبنِ مصلحة، وكان يتقبلني شخصيًا، ويعرف أنني صادق ومخلص.

ثورة فبراير
ثورة فبراير

رحمة: ولماذا اعتذرت 1000 مرة، رغم أن الاعتذار شجاعة؟

الروحاني: الحال الذي وصلنا إليها لم يكن متوقعاً على الإطلاق. نحن كنا نحلم بدولة نموذجية فيها مشاركة، وأمان، وإحياء للحياة الاقتصادية، وتنمية، فيها إشعار المواطن بأن الدولة إلى جانبه ومعه، وليس ضده. الآن أصبحت القيادات الموجودة مشتتة، وعندما سيطرت البندقية على الوضع غاب كل شيء، وعندما أُسقطت الدولة، وأقول هنا: جميعهم أسقطوا الدولة، وجميعهم أجرم في حق الوطن.

رحمة: على المستوى الشخصي، هل تشعر بأنك خذلت الرئيس علي عبدالله صالح في وقت كان الجميع يتكالبون عليه، الصادق وغير الصادق؟

الروحاني: لم اخذله، وكان يعرف جيدًا، وأنا التقيت به ضمن اجتماع للجنة العامة والهيئة الشوروية أيضًا في بيته في الثنية، وكان هناك عدد من الإخوة موجودين، والأخ عبده الجندي، رعاه الله، قال: الاخ عبدالوهاب الروحاني زعيم. قال: "لا تكلمني يا عبده.. عبدالوهاب الروحاني ابننا، أعرف مواقفه". وبالطبع انا كنت على تواصل معه.

رحمة: هل انت ملاحظ أن مسألة التوريث التي كنا نتحدث عنها، أصبح اليوم هناك من يورث زوجته، ووزارات يتم توارثها من عائلة واحدة.

الروحاني: للأسف، وهي واحدة من المسببات التي قادت إلى اختلال الأوضاع في البلاد، وكانت قد انتشرت حالة التوريث، وهناك من قيادات الدولة والمؤتمر من شجعوا على ذلك ودفعوا به، وبالتالي كنتٍ ببساطة تجدين أن ابن الوزير الفلاني عُين في وظيفة كذا، والمسؤول الفلاني... وهذه كانت مظهرًا من مظاهر التوريث، وهو الذي أساء لعلي عبدالله صالح وتاريخه.

رحمة: والآن؟

الروحاني: الآن انهارت الدولة، ولم تعد موجودة، ولا يوجد نظام. وبالتالي، ابتدأ من مؤتمر الحوار، وأنا سميته مؤتمر الأوائل، لأن هناك من رشح ابنته، وابن أخته، وبنت عمه، وزوجته، وكانت تجتمع الأسرة. لهذا المؤتمر كان فاشلًا، لم تستقطب الكفاءة الوطنية. أنا، على المستوى الشخصي، في مركز الوحدة للدراسات الإستراتيجية، أقمت في 16 مايو 2012، قبل مؤتمر الحوار الوطني، حواراً وطنياً وحضرته كل القوى والأطياف السياسية، والأحزاب أيضًا.

رحمة: وكم كلفت خزينة الدولة؟

الروحاني: لم أكلف. حول لنا عبدربه منصور هادي بخمسة ملايين ريال، وأصدرنا به كتابًا سميناه "اليمنيون يتحاورون.. الطريق إلى الدولة المدنية الحديثة"، والكتاب موجود، وهو مجموعة رؤى وأفكار أحزاب وتنظيمات سياسية وقوى ومستقلين أيضًا حول الحوار، ووضعنا ضوابط أيضًا للحوار. أما حوار الموفنبيك، الذي فشل، والذي نعاني منه اليوم، وقادونا إلى هذا المربع المدمر والمجنون الذي نعيش فيه، كانوا يقولون: حوار بلا سقف، يعني الثوابت الوطنية ألغوها؛ ثابت الحفاظ على الجمهورية، وعدم المساس بها، ثابت عدم إثارة النعرات الطائفية والمناطقية والمذهبية والعرقية، ثابت عدم الدعوة للانفصال. كانت منصة لتمزيق اليمن، ومن هناك انطلقوا، وهم الآن يعملون بالاتجاه الذي فرشوا له في مؤتمر الحوار.

مؤتمر الحوار الوطني ـ منصات التواصل
مؤتمر الحوار الوطني ـ منصات التواصل

رحمة: كحزب المؤتمر الشعبي العام، الذي كنت فيه قياديًا، يثقون فيك، وتثق فيهم، الآن أين المؤتمر الشعبي العام من كل الأحداث؟

الروحاني: ما أزال قياديًا في المؤتمر الشعبي العام، وأنتمي إلى الميثاق الوطني، وإلى القواعد الخمس التي تنظم وتحدد اتجاهات المؤتمر الشعبي العام وأداءه. فأنا أتنفس مؤتمرًا، وتعلمت الرأي والرأي الآخر بداخل المؤتمر. المؤتمر الشعبي العام بداخله التعددية الحزبية، هناك تجدين اليساري والاشتراكي.

رحمة: ولكن هل لا يزال المؤتمر موجودًا؟

الروحاني: المؤتمر موجود بأبنائه، وليس بمن يقبض. ابناءه الذين يعانون الآن، ولا يزالون بأعماقهم منتمين للمؤتمر. لماذا نقول المؤتمر؟ لأن المؤتمر وسطي، وهو ساحة وبيت لكل أبناء اليمن، لا يعترف بالقبلية، ولا بالعصبية، والأسرية، والمناطقية. هذا هو المؤتمر الذي ننتمي إليه، ثم أيضًا يؤمن بالمشاركة.

رحمة: هل من الممكن أن تظل بالمؤتمر الشعبي العام، ويعود المؤتمر الشعبي قويًا بقواعده بدون بيت عفاش، أم هو حزب ينتمي له؟

الروحاني: المؤتمر ليس وراثة، ولا ملكًا لأحد، هو ملك للشعب اليمني. هذا تم الاستفتاء عليه، وعلى الميثاق الوطني، من قبل الشعب، وأنا حدثتك في الحلقة السابقة بأنه، وأنا طالب في بيلاروسيا، جاءنا استفتاء عن الميثاق، وكتبنا رأينا فيه.

رحمة: هذا يعني أن الدكتور عبدالوهاب الروحاني سيظل مؤتمرِيًا، حتى لو لم يكن هناك أي أحد من بيت صالح.

الروحاني: حتى لو بقيت أنا لوحدي.

رحمة: الآن دعنا نتحدث عن السلام والمؤسسات التشريعية. ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة التشريعية، وعلى رأسها مجلس الشورى، وأنت عضو فيه، في تحقيق السلام وتقريب وجهات النظر ما بين الأطراف المتصارعة؟

الروحاني: اولاً، الخطأ الكبير الذي تم ارتكابه أنه تم تقسيم المؤسسات الدستورية، وكان هذا التقسيم، في نظرهم، يخدم الحل، ولكنه عمق المشكلة، ولم يخدم القضية الوطنية. ولذلك بدأوا بتقسيم البنك المركزي، وهذا لم يكن لا في صالح الوطن، ولا العملة الوطنية، ولا الاقتصاد، وتقسيم مجلس الشورى والنواب. نحن الآن ندعو إلى سلام، خلاص، يكفيهم 11 عامًا، وكل واحد يأكل بطريقته. المواطنون يعانون في عدن وفي كل مناطق اليمن، والمجاعة تفتك بالناس، ولهذا ندعوهم إلى كلمة سواء بيننا، وهؤلاء الذين يدعمون خارجيًا، سواء كانت السعودية أو الإمارات أو إيران، من يريد أن يدعم، أهلًا وسهلًا، يدعم اليمن، لكن لا يستلم قراره. سيادة اليمن وجيشه لا بد أن يظل قرارًا يمنيًا، وعندما يتحاوروا يجب أن يتحاوروا على أرض وطنية، وبمال يمني، ومن أتى من الخارج يأتي شاهدًا، أهلًا وسهلًا به، ويدعمنا، أهلًا وسهلًا.

رحمة: أنا لدي سؤال في هذه النقطة، فيما يتعلق بالمؤسسات التشريعية، وأنت علاقتك مع الجميع جيدة، وهذه ميزة لك، ولم تطير كالذين طاروا إلى الضوء واحترقوا. هل ترى أن أعضاء مجلس الشورى والنواب في صنعاء قادرون أن يضعوا أيديهم بأيدي زملائهم في عدن، والعكس؟ هل هم جاهزون؟

الروحاني: هؤلاء يفترض فيهم وضع أيديهم بأيدي بعض، لأنهم ممثلون للشعب، ومهمتهم يفترض أنها مهمة وطنية. الانتماء ليس شخصيًا، هذه مؤسسة دستورية، وليست لعبة، ولا ولاءً شخصيًا لفلان أو علان.

رحمة: ولكن أين هو دوركم كعضو مجلس شورى؟ هل هناك من يستشيرك؟

الروحاني (ضاحكًا): نحن أعضاء مجلس شورى، حتى لا نُستشار.

رحمة: طبعاً، رسالتك قوية ومؤثرة، لكن ما هي رسالتك لرؤساء المجلسين، إلى رئيسي مجلس النواب، وإلى رئيسي مجلس الشورى، ودورهم في السلام؟

الروحاني: نتمنى منهم أن يتحدوا، ويعيدوا توحيد المؤسستين، وهما مؤسستان مهمتان جدًا، ويفترض أن تكونا جزءًا من الحل، وليس جزءًا من المشكلة؛ لأن استمرار تقسيم المؤسسات الدستورية كلها، بما فيها القضاء، يعمق المأساة، ويعمق المشكلة اليمنية. ونحن نرى الوضع، قيمة الدولار في صنعاء وعدن، وقيمة المواد الغذائية، ومعاناة المواطنين بلغت حتى الموت، فكفى.

رحمة: كيف ترى اليمن بعد خمس سنوات، وكيف تتوقع أن تكون؟

الروحاني: دعينا نأمل.

رحمة: هل تعتقد أن لديهم من الحكمة والخير ما يدفعهم إلى التصالح، ومدّ أيديهم إلى بعضهم البعض، وأن يتقوا الله سبحانه وتعالى في وطنهم وشعبهم؟

الروحاني: علينا أن ندعوا لهم

رحمة: دكتور عبدالوهاب الروحاني، أشكرك باسمي واسم طاقم برنامج "حكايتي"، وصحيفة "النداء"، على قبولك مشاركتنا سيرتك الذاتية، ومذكراتك، بما حملته من أفراح وأحزان، وتجارب ملهمة واعترافات واعتذارات، فشكراً لك.

الروحاني: أرجو أن أكون قد أفدت، وشكرًا لك أيضًا.

رحمة: مشاهدينا، هكذا نصل إلى ختام هذه الحكاية مع الدكتور عبدالوهاب الروحاني، وقد رأينا في هذه الحلقة كيف يمكن للكلمة أن تقود إلى المسؤولية، وكيف يمكن للصحفي أن يصير برلمانيًا، والمثقف أن يحمل حقيبة الثقافة، والباحث أن يمثل بلاده سفيرًا. نلقاكم في حلقة أخرى، وضيف آخر.

ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة