السبت 4 يوليو 2026

البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

ليس البكاء، ولا النحيب، ولا ذرف الدموع، إنه بكاء التساؤل بصومعة البحث عن طريق أو دليل هادياً للبحث عن خريطة للطريق، بعدما تاه الجميع، ومعهم ضاع وطن. الكل عنه يبحث، ويتكلم، ويقيم الدنيا ولا يقعدها. لكن، وكما يقال، فلكل شيخ طريقته، وهنا تكمن المشكلة التي عنها يتكلم الجميع، عنها هم، تأكيداً، لا يختلفون فقط بالتفاصيل، بل يختلفون في جوهر ما عنه يتحدثون، عن مفهوم الدولة، وعن آليات استعادتها، حرباً أم سلماً، كما يختلفون عن دورها، وعن قواها الحاملة لمشروع الدولة بالمعنى التاريخي والوطني للدولة. وهنا، كما يقال، الشيطان يكمن في التفاصيل، وهنا دعونا نقول:

لمن تاهوا، أعيدوا، ضمن قراءات وطنية، ضرورة للمفهوم الوطني للدولة، قراءة متجددة لمفهوم ابن خلدون للدولة وفق أصوله اليمانية، وانظروا بعيداً بأعين زرقاء اليمامة، بعدما تخلصت من إثمها، وهي تحاول الإساءة لسيد المرسلين، سيدنا محمد. أعيدوا للعين البصيرة، وللعقل، الحكمة اليمانية، وانظروا أبعد من خراب مالطة، قولوا لنا: ماذا أنتم فاعلون؟
فلا الحرب كانت دواءً ناجعاً، فقط دمرت ومزقت ما تبقى من بنية وروابط وطن، وشيدت، للأسف، وطناً محمولاً على حقائب السفر إلى عوالم خارج وطن نعرفه.
أعيدوا قراءة ابن خلدون، فلا القبيلة وطن، ولا الفخيذة تبني دولة ووطناً، ولا العصبية، بمعنى التعصب الأعمى، يبنيان دولة ووطناً، فالعصبة أو العصبية عند ابن خلدون كانت تعني القوة التي تشد أزر الدولة، وتحميها من الانهيار والتصدع.
استنجدنا مؤخراً بعيني زرقاء اليمامة، لنرى أفقاً نصل عبره إلى مفهوم موحد للدولة التي ننشدها، دولة المواطنة الحقة، دولة المواطنة المتساوية، دولة يسودها النظام والقانون، لها جيش واحد وعلم وطني واحد.
كل الحقائق على الأرض تشير إلى أن ما يجري من تلاعب بالألفاظ، وما على أرض الواقع من وقائع مختلة، لا يعدو كونه مزيداً من الطلاسم، ومزيداً من الهروب عن توليد متطلبات بناء دولة حقيقية. فما نحن عليه ليس مجرد أشلاء لكيان ممزق ينهشه الدمار الشامل لكل تفاصيله، لا تنفع معه لا قراءات ولاية الفقيه، ولا محاولات طمس حقائق التاريخ، لتاريخ شعب وبلد أسماها التاريخ باليمن السعيد.
ما يجري على الساحة الممزقة ليس إلا مزيداً من التمزيق للدولة التي نريد، أي الدولة الوطنية، دولة المواطنة التي تؤسس على الأسس التالية:
أولاً: الدولة هي مجموع المؤسسات التي تنظم حياة المجتمع، وتعود لها السيادة دون منازع، التي تمكنها من التنظيم والسيطرة داخلياً وخارجياً خدمة لمواطنيها.

المواطنة المتساوية عماد الدولة، بدونها لا دولة، بل عشائر وقبائل، إذ إن مضمون المواطنة المتساوية يعني:

- الحفاظ على حقوق الإنسان وصيانتها، أمر مبدئي لا مفر منه، بدونه لا مواطنة متساوية.
- المسؤولية والمحاسبة.
- المشاركة، أي اشتراك الكل، كل حسب قدراته ومؤهلاته وخبرته، وليس حسب معايير لا وطنية تخسف الأرض بالمواطنة المتساوية.
- الهوية الوطنية، بعيداً عن تمجيد وإعلاء شأن وثقل الانتماءات خارج المفهوم الجمعي للانتماء لوطن واحد موحد. كل ما عدا ذلك إنما يعود بنا القهقرى، عهوداً سحيقة، كما قال ابن خلدون.
فالقبيلة والعشيرة هي نفي لمفهوم الدولة، ولكنه مفهوم يلتقي مع ما طرحه وروج له قبل فترة مستشار الرئيس الأمريكي لسوريا ولبنان، توم باراك، حين قال، وهو يفسح المجال للتوسع الصهيوني ضمن مشروع الإبراهيمية المتمدد، قائلاً، لا فض فاه، بأن شعوب الشرق الأوسط، قاصداً الشعوب العربية، بأنهم مجموعة من القبائل والعشائر، لم يرتقوا بعد لمرحلة الدولة الوطنية.
إنها أخطر مرحلة يعاد فيها تفتيت الكيانات المفترض كونها مواطنية جامعة إلى مجرد شتات عشائر وقبائل، كما يلوح في الأفق، والعين تشهد ما يجري ببلادنا، والسودان، وليبيا، وسوريا، ولبنان، وعلى طريق تصفية القضية الفلسطينية.

نؤكد ختاماً على ما يلي:

- استعادة الدولة الوطنية، بدونها لا استقرار، ولا وطن، ولا مواطنة.
- لا دولة دون مؤسسات وطنية فاعلة، دورها وصوتها يسود ويقرر، خلافاً لأهواء من يعارض ذلك.
- ضرورة أعمال مبدأ تداول السلطة وفق قواعد دستورية تحترم.
- لا دولة تعيش مؤسساتها وقياداتها خارج الأراضي الوطنية.
- غياب الدولة بالمعنى المشار إليه يعني:
  - هزالة هياكل الدولة.
  - موت النظام والقانون، وسيادة مفهوم القوة، مالية، عسكرية، أمنية، إلخ.