السبت 4 يوليو 2026

اليمن في الرمال المتحركة

ما تفعله أطراف الصراع في اليمن، وما تمتنع عن فعله، لا يُبقي الأوضاع مراوحة في مكانها فحسب، بل يزيدها تعقيداً.

باستعارة جزئية من عنوان مذكرات رئيس الوزراء الأسبق محسن العيني، "خمسون عاماً في الرمال المتحركة"، يمكن وصف الحالة اليمنية اليوم. دخلت البلاد مرحلة من الغموض واللايقين الشامل؛ لا الحرب انتهت، ولا السلام حل، وفيما عدا ذلك فكل شيء يتحرك، لكن إلى الوراء. لم ينته الانقسام الحاد، ولا تزال المواقف تحتفظ بحرارتها الصراعية، وبطرق مختلفة، تتحول أطراف الصراع نفسها إلى المشكلة وعلة استمرارها. فقد فشلت في الحرب كما فشلت في السلام، إذ خسرت إما قدرتها على الحسم أو رغبتها فيه، وهي في الوقت نفسه عاجزة عن البناء على التهدئة للتوصل إلى تسوية مستقرة. ولكل طرف تصوره الخاص، وغالباً غير الواقعي، عن السلام، وهذه التصورات في مجموعها مشاريع متعارضة لا تلتقي.

وتبقى عقدة العقد التي تضمن بقاء الوضع القائم أن ما من طرف مهزوم بما يكفي، ولا طرف بلغ مأزقاً وجودياً يرغمه على التغيير، وهما الشرطان الضروريان لكسر الجمود. والمفارقة أن موقف كل طرف يعزز، من حيث لا يقصد، بقاء الأطراف الأخرى وتصلّب مواقفها. هذه معضلة. 
ما هو أخطر من سكونها وعجزها وأكثر إثارة للقلق والإحباط معاً، أن أطراف الصراع تظهر قدرة عجيبة على التعايش مع الغموض، بل وعلى إنتاجه، في حالة لا تعكس بالضرورة قبولاً به، بل لامبالاة وربما انتهازية صريحة. فلا استراتيجية واضحة ولا تصور معلن لدى أي منها حول ما ينبغي فعله إن لم تُحسم الحرب ولم يتحقق السلام خلال أفق زمني محدد: سنة أو سنتين مثلاً. يبدو أن الجميع يراهن على الوقت، ومع ذلك، أثبت الجميع قدرة فريدة على إضاعة الفرص التي يأتي بها. وربما يراهنون على قضايا أخرى نجهلها. ما يمكن قوله في هذا السياق هو أن الحوثيين والسعودية كلاهما واقع في وهم احتواء الجميع، رغم أن معطيات كثيرة تكشف هشاشة هذا الرهان.
أطراف الصراع المحلية تستمر في ممارسة السياسة وكأنها تدير دولة قائمة، لكنها فشلت في إثبات ذلك: فشلت في الإنجاز، وفي بناء شرعية داخلية، وفي إقامة علاقة مستقرة مع الناس، وحلّت لديها إدارة البقاء محل السعي المفترض للإنجاز والشرعية. وكل طرف يخسر شعبيته، وإن بطرق مختلفة. وتبقى مشكلة هذه الأطراف الكبرى أنها فقدت قرارها المستقل. وسلوكها يعكس ما أسماه المرحوم محمد الظاهري عقدة تبجيل الأجنبي واحتقار القريب الداخلي: فمواقفها من الحرب والسلام امتداد لمواقف حلفائها الإقليميين. لقد نجحت في وضع البيض اليمني كله في السلة الإقليمية، وأصبح قرار الحرب والسلام خارج البلاد. وهذا وضع عطّل القوانين التي طالما حكمت الصراع السياسي وأفضت به، تاريخياً، إلى نوع من التطبيع مع الواقع بتحقيق نصر أو قبول هزيمة.
الحكومة اليمنية تتمتع باعتراف دولي يمنحها موقع قوة، لكن الدول لا تحيا بالاعتراف القانوني وحده، بل بقدرتها على أداء وظائفها. والحاصل أنها تفتقر إلى الفعالية التنفيذية، وتعاني نقصاً فادحاً في الموارد والسيطرة الفعلية، وتختبر حالة مزرية من استفحال الفساد. تتمتع نظرياً بموقف عسكري جيد، لكنها عاجزة عن تحريك قواتها لفرض معادلة جديدة على الأرض. لا تؤمن بإمكان السلام مع الحوثيين وترفضه من حيث المبدأ، لكنها عاجزة عن رفض أي خطة سلام تتبناها السعودية. والنتيجة كيان يكافح للبقاء، تتآكل قدرته على تبرير استمراره، ويراهن على تحوّل خارجي يُنقذه.
الجماعة الحوثية تتصرف بثقة مفرطة بالنفس، وكأنها انتصرت فعلاً، وهذا يصوغ موقفها من الحرب والسلام ومن الآخر اليمني والإقليمي والدولي على السواء. يبدو أنها تملك هامش مناورة عسكري أفضل من بقية الأطراف، إلا أنها مع ذلك لا تستطيع التحرك للحسم. فهناك مخاطر لأي مغامرة عسكرية، وهي مخاطر ترتفع بسبب تطورات يناير 2026 في جنوب اليمن وشرقه، وتقلص فجوة الردع مع السعودية ودول الخليج في ضوء ما كشفته تطورات الحرب الأخيرة على إيران. الجماعة أيضاً مقيدة بالاعتبارات الإيرانية، فطهران حريصة على الخروج من عزلتها وإعادة اندماجها الإقليمي، الأمر الذي يقيّد خيارات الجماعة، إذ لا يمكنها تجاهل مصالح حليفها الرئيس ببساطة. الثقة بالنفس والاعتقاد بالنصر يجعل الجماعة تتعامل مع السلام بمنطق غير واقعي. السلام الذي تتصوره وتعمل من أجله أشبه بمطالبة الطرف الآخر بالاستسلام. وهي لا تستطيع القبول بسلام متوازن أو معقول لأن ذلك ببساطة يمثل تهديداً وجودياً لمشروعها الأيديولوجي. فالشراكة التي يشترطها سلام كهذا ينسف مبدأ الولاية من أساسه. تعتقد الجماعة أن "الصمود" والتهديد سيقود إلى قبول شروطها وتحقيق أهدافها في نهاية المطاف. كل هذا يجعل موقفها من السلام المعقول نهائياً وغير قابل للإصلاح. على الصعيد الداخلي، أخفقت الجماعة، رغم قدرتها على الضبط والإكراه، في التحول إلى سلطة ودولة مستقرة بالمعنى المؤسسي؛ ويبقى فشلها الأكبر في الاقتصاد، وإدارة مجتمع منهك ومحدود الموارد، وهذا تحدٍ لا تكفي العقيدة ولا القوة لتجاوزه. وقد بدأت شعبيتها تتآكل بصمت، في هيئة إرهاق جماعي وسخط متنامٍ. الخلاصة: قوة انتصرت في المعركة، وخسرت الحرب.
السعودية باتت أحد أعمدة المعادلة، لكنها بعد هذه السنوات الطويلة من التورط لا تستطيع ببساطة ترك اليمن دون مخاطر استراتيجية، مع أن كلفة الاستمرار بالنهج الراهن وبالأدوات والوسائل ذاتها، مرتفعة أيضاً. انتقلت من منطق الحسم إلى منطق الاحتواء، وتتجنب بقوة العودة إلى الحرب، معتقدة أن إدارة التوازنات ومنع الانهيار الشامل كفيلان بإنتاج تسوية مستقرة، لكنها فشلت حتى الآن في إنتاجها. وهي لا تستطيع المضي بعيداً في مفاوضات السلام مع الحوثيين دون تكلفة دبلوماسية عالية—تخاطر باستفزاز واشنطن والمجتمع الدولي الذي تغيرت مواقفه من الحوثيين والسلام معهم بعد أكتوبر 2023. كما أن الحرب الأخيرة على إيران ربما أثرت في استعدادها لمواصلة هذا المسار. لكن هذا لا يعكس إلا جزءاً من الصورة. فالرياض تتعمد الغموض في أهم القضايا، ولا تعبّر عن تصور واضح لما تريده في اليمن أو لمستقبل اليمن، ولا تقطع مع أي سيناريو أو تحسم التزاماتها تجاه أي طرف، وهي بطيئة حد الجمود. لم تحاول الرياض إعادة تعريف دورها بصورة معلنة على الأقل، دعك من محاولة تقديم نفسها أو التصرف في مفاوضاتها مع الحوثيين كوسيط، هذا على الرغم من تطورات مطلع العام 2026. وعلى الرغم من تعمدها الغموض، إلا أن مواقفها تميل إلى التغير وتخضع للعاطفة أحياناً، وهذا يجعل التنبؤ بتصرفاتها ممكناً. الخلاصة: لاعب مقيّد بالداخل والخارج، عالق بين خيارات لا يريدها واعتبارات لا يفصح عنها، يراهن على الوقت والغموض. 
مآل هذا التوازن السلبي المقصود والعفوي واضح: "تعفّنٌ" سياسي بطيء وجمود يتحول إلى بنيةٍ دائمة. ماذا بعد؟ المشهد اليمني ليس عصياً على التغيير لأسباب بنيوية فحسب، بل لأن أطرافه اختارت، كل بطريقته، أن يكون الغموض استراتيجية بديلة عن الحسم. وطالما ظل الطرفان الإقليميان الرئيسان يديران الملف بمنطق التحوّط لا الحسم، وطالما ظلت الأطراف المحلية رهينة لحساباتهما، فلن يتغير شيء جوهري إلا حين يبلغ أحدهم نقطة يصبح فيها استمرار الغموض أكثر كلفة من مواجهة الحقيقة. حتى ذلك الحين، سيبقى اليمن في تلك الرمال المتحركة: لا يغرق كلياً، ولا يخرج منها، بل يواصل الغرق البطيء الذي لا يُسمع له صوت.