الأحد 12 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • السفراء في الشارع اليمني: أمنٌ عائد أم دبلوماسية قلقة؟

السفراء في الشارع اليمني: أمنٌ عائد أم دبلوماسية قلقة؟

لو قيل قبل سنوات إن سفيراً أوروبياً سيتجول في أزقة تعز، أو يجلس في مقهى بعدن، أو يمشي في شوارع مأرب بين الناس، لعدّ كثيرون ذلك ضرباً من الخيال. فقد اختُصر اليمن طويلاً في المخيلة الدولية إلى ثلاث كلمات: حرب، جوع، وخطر. غير أن ظهور السفراء اليوم في الشارع اليمني، بين المقاهي والأسواق والوجوه العادية، يكشف تحوّلاً لافتاً لا يعني أن اليمن أصبح آمناً، بل أن العالم لم يعد قادراً على فهمه من غرف السفارات والتقارير الرسمية وحدها.

يقلب هذا المشهد السؤال التقليدي من: لماذا يزور السفراء تعز وعدن ومأرب؟ إلى سؤال أعمق: لماذا أصبح الشارع اليمني أقدر على شرح البلد من كثير من المكاتب الرسمية؟ فاليمن بعد أكثر من عقد من الحرب لم يعد بلداً يمكن فهمه من خلال عاصمة واحدة، أو سلطة واحدة، أو رواية سياسية واحدة. الدولة منقسمة، والسلطات موزعة، والنخب السياسية منهكة أو منفصلة عن المجتمع، فيما تعكس كثير من الخطابات الرسمية ما تريد الأطراف قوله، لا ما يعيشه الناس فعلاً.
لهذا نزل السفراء إلى الشارع. ليس لأن الشارع بديل عن الدولة، بل لأن الدولة لم تعد وحدها قادرة على تفسير الشارع. هناك يمن آخر لا يظهر في بيانات السياسيين ولا في المؤتمرات الرسمية: يمن الأسواق والمقاهي والجامعات، ويمن النساء العاملات، والشباب العاطلين، والنازحين، وأصحاب المتاجر، والطلاب، والفاعلين المحليين. هذا اليمن الحي هو ما بدأت الدبلوماسية الجديدة تبحث عنه، لأنه يحمل من الحقيقة ما لا تحمله الملفات الرسمية.
في تعز، لا يرى الدبلوماسي مدينة محاصرة فقط، بل مجتمعا مدنيا ظل يقاوم الانطفاء رغم سنوات الحرب. وفي مأرب، لا يرى محافظة نفطية أو جبهة عسكرية فحسب، بل مدينة تضخمت بالنزوح وتحولت إلى مختبر اجتماعي كبير يكشف قدرة المجتمع على التكيف والبقاء. وفي عدن، لا يرى عاصمة مؤقتة فقط، بل مدينة تجمع بين الحياة اليومية والهشاشة الأمنية، وبين السياسة المفتوحة والخوف الكامن في تفاصيل الشارع.
هذا التحول يرتبط بتبدل أوسع في وظيفة الدبلوماسية نفسها. فالسفير المعاصر لم يعد مجرد ناقل رسائل بين حكومتين، بل صار قارئاً للمجتمع أيضاً. لم تعد البرقية الدبلوماسية تُكتب من المكتب وحده، بل من الميدان: من السوق، ومن الجامعة، ومن اللقاءات الصغيرة التي تكشف أحياناً ما تخفيه اللغة الرسمية. فحديث قصير مع صاحب متجر عن الأسعار، أو مع نازحة عن السكن، قد يشرح من اليمن ما لا تشرحه عشرات الاجتماعات المغلقة.
ولا تقف دلالة هذه الزيارات عند حدود حركة السفراء في الشارع، بل تمتد إلى إعادة تعريف أدوار الفاعلين المحليين في اليمن. فمع تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على تمثيل المجتمع أو نقل تعقيداته، برزت منظمات المجتمع المدني، والباحثون، والناشطون، والمبادرات المحلية بوصفهم جسوراً بين الدبلوماسيين والمجتمع. لم يعد السفير يعتمد فقط على المسؤول الحكومي لفهم الواقع، بل أصبح يلجأ إلى شبكات مدنية قادرة على الوصول إلى الناس وقراءة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. وفي كثير من الأحيان، تقوم هذه القوى المدنية بدور الوسيط والمترجم للواقع المحلي، رغم ما تتعرض له أحياناً من تضييق أو تشكيك أو اتهامات من بعض السلطات المحلية التي تنظر بعين الريبة إلى أي تواصل مستقل مع الخارج.
بهذا المعنى، لا تعيد هذه الزيارات تشكيل العلاقة بين الدبلوماسيين والمجتمع فحسب، بل تعيد أيضا رسم حدود العلاقة بين المجتمع المدني والسلطات المحلية. فلم تعد المعرفة بالمجتمع، ولا مصادر المعلومات، ولا النفوذ الرمزي، حكراً على المؤسسات الرسمية. وهذا تحوّل حساس في بلد تتنازع فيه السلطات المحلية على تمثيل الناس، بينما يحاول المجتمع المدني، رغم الضغوط، أن يفتح نافذة أوسع بين الخارج والواقع اليومي.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تعني هذه الزيارات أن اليمن استعاد أمنه؟ الإجابة بوضوح: لا. فهناك فرق كبير بين الأمن الرمزي والأمن الحقيقي. الأمن الرمزي هو أن يستطيع السفير الجلوس في مقهى أو التجول في شارع. أما الأمن الحقيقي فهو أن يستطيع المواطن العادي العيش دون خوف من الاغتيال، أو الاعتقال التعسفي، أو الابتزاز، أو العنف المسلح. وبهذا المعنى، لا يزال اليمن بعيداً عن الاستقرار الذي يسمح بالحديث عن دولة آمنة ومؤسسات فاعلة.
عدن تكشف هذه المفارقة بوضوح ، فرغم ما تشهده من حضور سياسي ودبلوماسي، لا تزال المدينة تواجه تحديات أمنية معقدة، من الاغتيالات المتكررة إلى تعدد مراكز القوة وصراعات النفوذ. وفي مناطق أخرى ما تزال مظاهر السلاح والانقسام والسلطات المتعددة جزءاً من الحياة اليومية. لذلك لا ينبغي قراءة صور السفراء في الشارع بوصفها شهادة دولية على تعافي الدولة، بل بوصفها دليلاً على قدرة المجتمع اليمني على إنتاج مساحات حياة طبيعية داخل أزمة مستمرة.
فصورة السفير في المقهى ليست دليلا على استقرار مدينة أو تفوقها الأمني على غيرها، كما يحاول بعضهم تصوير الأمر، بل هي شهادة على قدرة المجتمع على الحياة رغم غياب الدولة. لقد اعتاد اليمنيون خلال سنوات الحرب أن يصنعوا حياتهم داخل ظروف استثنائية: يفتحون متاجرهم، يرسلون أبناءهم إلى المدارس، يديرون أعمالهم الصغيرة، ويتكيفون مع انقطاع الخدمات وتدهور الاقتصاد ومخاطر الأمن. هذه ليست علامة على تعافي الدولة، بل علامة على صلابة المجتمع.
ومع ذلك، لهذه الدبلوماسية الميدانية مخاطرها، قد تراها السلطات المحلية صك براءة من الإخفاقات الأمنية ، فكل سلطة محلية أو حزب أو جماعة نفوذ تعرف أن ظهور السفير في مكان ما قد يُفسَّر كرسالة سياسية أو اعتراف ضمني. لذلك قد تُرتب بعض الزيارات بعناية، بحيث يرى الدبلوماسي ما يُراد له أن يراه، ويلتقي من يُراد له أن يلتقيهم، وتتحول الزيارة من وسيلة لفهم الواقع إلى جولة موجهة داخل رواية جاهزة.
هنا يظهر خطر "السياحة السياسية" ، فقد يرى الدبلوماسي سوقا مزدحما ولا يرى الفقر خلف الازدحام، ويسمع عن التنمية أكثر مما يسمع عن الفساد، وعن الاستقرار أكثر مما يسمع عن هشاشته، ويلتقي المسؤولين أكثر مما يلتقي الضحايا والمهمشين والمختلفين. لذلك لا تقاس قيمة هذه الزيارات بعدد الصور المنشورة، بل بنوعية الأسئلة المطروحة: هل يسمع السفراء من ضحايا الانتهاكات كما يسمعون من المسؤولين؟ هل يناقشون الاغتيالات والانقسام كما يناقشون المشاريع؟ هل يلتقون المجتمع المدني المستقل أم الجهات الأقرب إلى السلطة فقط؟
ومع كل هذه المحاذير، لا يمكن إنكار أن هذه الزيارات تحمل جانبا إيجابيا مهما ، فهي تكسر الصورة النمطية التي اختزلت اليمن لسنوات في كونه مجرد ملف إنساني أو ساحة حرب. اليمن ليس رقماً في تقرير إغاثي، ولا مجرد أزمة تحتاج إلى إدارة. إنه مجتمع حي، يعمل ويتعلم ويقاوم ويحاول بناء حياة طبيعية رغم كل شيء. وهذا مهم سياسياً أيضاً، لأن المجتمع الذي يظل حياً رغم انهيار الدولة لا ينبغي التعامل معه كمتلقٍ للمساعدات فقط، بل كشريك في أي تصور جاد للسلام.
في النهاية، لم ينزل السفراء إلى الشارع اليمني لأن اليمن تعافى، بل لأن اليمن الرسمي لم يعد كافياً لفهم اليمن الحقيقي. لم يذهبوا إلى تعز ومأرب وعدن لأن الخطر اختفى، بل لأن الحياة بقيت رغم الخطر. وهذه هي الرسالة الأعمق: اليمن ليس مستقراً بما يكفي للاطمئنان، لكنه ما يزال حياً بما يكفي لأن يُصغى إليه. ليست المسألة أن السفراء رأوا اليمن أخيراً، بل هل سيعيدون بناء سياساتهم على ما رأوه، أم سيتركون الصورة تؤدي وظيفة البيان ثم تمضي؟