الجمعة 17 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالرحمن الصعفاني: الرصانة العلمية والإتزان الفكري

عبدالرحمن الصعفاني: الرصانة العلمية والإتزان الفكري

ربما لا شيء يهز وجداني مثل إجتماع العمق الفكري مع البساطة الإنسانية، والإمتلاء المعرفي مع التلقائية والتواضع. وكم نصادف في حياتنا نماذج راقية تجمع بين سعة العلم ونبل الخلق، فتفرض إحترامها وتستدعي التأمل في تجاربها. ولعل أكثر ما يستهويني هو محاولة سبر أغوار الشخصيات الكفاحية والمثالية، والوقوف أمام محطاتها الفكرية والإنسانية، لا من باب الإطراء أو الملق، فذلك ليس من طبعي، وإنما من منطلق الإعجاب الموضوعي، والتأسي بالتجارب الملهمة، ومحاولة استلهام النماذج القادرة على صناعة المستقبل.

عبدالرحمن الصعفاني
عبدالرحمن الصعفاني
ومن الشخصيات التي أرى أنها تجسد هذا المعنى بوضوح الأستاذ الدكتور/ عبدالرحمن عبدالله محمد الصعفاني، أستاذ الأدب والنقد وتحليل الخطاب بجامعة صنعاء، تلك الشخصية الأكاديمية التي أستطاعت أن تجمع بين الرصانة العلمية والتواضع الإنساني، وبين الحضور الفكري والإحترام الواسع الذي تحظى به في الأوساط الأكاديمية والثقافية.
حصل الدكتور عبدالرحمن الصعفاني على درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس. مصر، وعمل خبيرا معجميا مشاركا في معجم الدوحة التاريخي، كما أنه مدرب وحكم دولي للمناظرات. وتولى عددا من المواقع الأكاديمية والإدارية، من بينها رئاسة قسم اللغة العربية، ونائب عميد للشؤون الأكاديمية والدراسات العليا والبحث العلمي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة صنعاء حتى عام 2020م. ويشغل حاليا منصب مدير عام التقييم بمجلس الإعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم، فضلا عن عمله خبيرا في مجال الجودة.
ومنذ العام 1995م بدأ مسيرته الأكاديمية محاضرا بجامعة صنعاء، متدرجا في السلم العلمي حتى أصبح من أبرز أساتذتها، حيث أشرف وناقش عددا كبيرا من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، وأسهم في تكوين أجيال من الباحثين والدارسين.
وعلى المستوى الفكري والسياسي، يتبنى رؤية تقوم على أن السياسة هي فن الممكن، غير أن هذا الممكن ينبغي أن يظل محكوما بالقانون والقيم الأخلاقية والوطنية. ويرى أن انخراط الأستاذ الجامعي في الشأن العام أمر مشروع، شريطة ألا يفقد معه توازنه العلمي وموضوعيته الفكرية، أو يتحول إلى مجرد فاعل حزبي ضيق الأفق.
أما قراءته للواقع السياسي اليمني فتتسم بالنقد والموضوعية، إذ يعتقد أن جانبا كبيرا من الأداء السياسي خلال العقود الماضية اتسم بالقصور والانتهازية، وأسهم في تكريس التوازنات الهشة وإضعاف مؤسسات الدولة لصالح مراكز النفوذ والمصالح الضيقة.
كما يتميز بنظرته التاريخية للأحداث، بوصفها حلقات متصلة في سياق إنساني متواصل، ومن عباراته الدالة في هذا السياق: "التاريخ لا يعيد نفسه، لكن الإنسان يعيد إنتاج أخطائه، ويمارس العادات ذاتها، ويكرر الأسباب نفسها التي تقوده إلى النتائج نفسها".
ولعل ما يميز الدكتور عبدالرحمن الصعفاني، إلى جانب مكانته العلمية، هو اتساق شخصيته الإنسانية؛ فهو رزين في حضوره، رصين في طرحه، حصيف في تحليلاته، عميق في قراءاته، ومنهجي في تناوله للقضايا الفكرية والثقافية والسياسية. كما يتسم بالإخلاص في العمل، والتواضع في السلوك، واحترام الرأي والرأي الآخر، والإيمان بقيم السلم والتعايش والحوار.
إن الحديث عن هذه الشخصية ليس احتفاء بفرد بقدر ما هو احتفاء بقيم العلم والموضوعية والنزاهة الفكرية التي يمثلها. فالمجتمعات لا تنهض بالشعارات، وإنما بالنماذج الملهمة التي تجعل من المعرفة رسالة، ومن الأخلاق منهجا، ومن العمل والإنجاز معيارا للحكم على الأشخاص.