الجمعة 5 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • أمل بلجون: دخلتُ الإعلام بالصدفة ولم أخطط يوماً أن أكون مذيعة

أمل بلجون: دخلتُ الإعلام بالصدفة ولم أخطط يوماً أن أكون مذيعة

أمل بلجون: دخلتُ الإعلام بالصدفة ولم أخطط يوماً أن أكون مذيعة

في ذاكرة الإعلام اليمني أسماء صنعت حضورها بصمتٍ يليق بالكبار، وأسهمت في تشكيل ملامح الشاشة والإذاعة في سنوات التأسيس الأولى. ومن بين تلك الأسماء تبرز الإعلامية اليمنية المخضرمة أمل بلجون، التي ارتبط اسمها ببرامج الأسرة والطفل والتثقيف الاجتماعي، وظل صوتها وصورتها حاضرين في ذاكرة أجيالٍ من المشاهدين.

لم تأتِ تجربة بلجون إلى الإعلام من باب الشهرة أو الظهور، بل عبر مسارٍ طويل من الحياة اليومية والتجربة الشخصية؛ من طفولة في أحياء عدن القديمة، إلى زواج مبكر بعد توقف دراستها، ثم إلى خروجها إلى العمل العام في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تقودها المصادفة إلى شاشة التلفزيون، حيث بدأت رحلة امتدت لعقود في تقديم البرامج الاجتماعية والتربوية.
في الحلقة الأولى من برنامج «حكايتي» مع الإعلامية رحمة حجيرة، تعود أمل بلجون إلى البدايات: طفولتها في حافة حسين بعدن، ملامح البيت العائلي الكبير، المدرسة والمعلامة، تأثير المجلات والإذاعة في تشكيل وعيها المبكر، ثم قصة زواجها المبكر التي غيّرت مسار حياتها، وصولًا إلى اللحظة التي دخل فيها الإعلام إلى حياتها دون تخطيط مسبق.
إنها حكاية جيلٍ كامل عاش تحولات المجتمع اليمني في الجنوب، من زمن البساطة والحياة الشعبية في الحارات العدنية، إلى زمن المؤسسات والعمل العام والإعلام.

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

رحمة: مساء الخير من «حكايتي»، حيث لا نبحث عن الأسماء اللامعة فقط، بل عن المعنى الذي صنعها. حلقتنا اليوم ليست حوارًا عاديًا بالنسبة لي، لأنها مع أستاذتي التي تعلمنا منها أن الإعلام ليس مهنة كلام، بل مهنة مسؤولية.

نستضيف اليوم الأستاذة أمل بلجون، امرأة صنعت حضورها بهدوء يليق بالكبار، وعملت على الفكرة قبل أن تعمل على الصورة، وعلى الإنسان قبل العنوان.

في هذه الحلقة سنعود إلى الجذور والبدايات: كيف بدأت الحكاية؟ وأين تشكّل الوعي الأول؟ وما الذي جعلها تختار طريقًا صعبًا، طريق الإعلام والمعنى؟

هذه المرأة التي نأت بنفسها بعيدًا عن السياسة، وبالتالي ليست الإعلامية المفضلة لدى الشخصيات السياسية في اليمن ولا على المستوى الإقليمي، بل إنها تتعرض للتجاهل والخذلان كعقوبة لعدم وقوفها مع أي طرف سياسي.

مشاهدينا، رحّبوا بالأستاذة الكبيرة أمل بلجون.

بلجون: أنا سعيدة جدًا باللقاء بك، ولا شك أن البدايات كثيرة سنتحدث عنها في الإعلام، وكما أشرتِ فإن دخول الإعلام في البدايات لم يكن اختيارًا.

رحمة: تقول لنا المعلومات إن مولدك كان في حارة حسين، هل يمكن أن تقولي لنا تاريخ ميلادك تحديدًا؟

بلجون: كان مولدي في عام 1952، في حافة حسين، شارع رقم اثنين، شارع جمال الدين الأفغاني، منزل رقم 64 على 46، قسم (إف)، وهذا كان ترتيب زمان، والآن يستحيل أن يكون موجودًا.

حارة حسين في عدن
حارة حسين في عدن

رحمة: اسم الله عليكِ، 73 عامًا ولا زلتِ تذكرين المكان الذي وُلدتِ فيه. أكيد لا بد أن له دلالة في ذاكرتك.

بلجون: الدلالات كثيرة. لعبت وتنططت على الحبل، ولعبت كثيرًا من الألعاب التي غذّت شخصيتنا بالألفة في طفولتنا. كنا أولادًا وبنات نلعب مع بعضنا، وأذكر أسماء الأولاد الذين كنت ألعب معهم في الحارة؛ منهم من تزوج، ومنهم من تُوفّي.

رحمة: نريد أن نتعرف الآن على والدك عمر عبدالرحمن بلجون. ماذا كان يعمل؟ ومتى تُوفّي؟

بلجون: والدي كان يعمل في رصيف ميناء المعلا، وكان «باش كاتب»، ويمتلك شخصية قوية جدًا. هذه الشخصيات ترعرعت عليها في البيت، وهو أبٌ لـ10 بنات وولدين.

رحمة: 12 ابنًا وبنتًا! هذا عدد كبير، خاصة أيام الاحتلال البريطاني.

بلجون: وأنا كنت آخر العنقود، ووجدت نفسي بين بنات لدرجة أنني لم أكن أعرف هل هذه أختي أم ابنة أختي، لأن أمي وأخواتي كنّ ينجبن معًا. وعندما كبرت، لم تكن هناك خِلْفة لأمي، ولكن كانت هناك أعمار متساوية بيني وبين أبناء أختي. واتضح بعد ذلك أن أمي كانت حاملاً، وأختي هذه كانت حاملاً، فكانت الأعمار متساوية بيننا. مثلًا، في تلك الفترة عندما كان عمري 12 سنة، أحد أبناء أختي يكاد يكون بيني وبينه أيام أو شهر.

رحمة: هذا يعني أنه كان منزلًا كبيرًا، وفيه الكثير من الأطفال الذين يعولهم والدك. وأنتِ قلتِ إن والدك يعمل «باش كاتب»، فماذا يعني هذا الاسم؟

بلجون: بحسب ما أعرف، كان يشرف على كل ما يدخل ويخرج من رصيف ميناء الدكة.

رحمة: هناك سؤال يطرح نفسه: هل كان راتبه يكفي لإعالة هذه الأسرة الكبيرة المكوّنة من 12 فردًا غير الأم والجدة واخوته؟

بلجون: في ذلك الوقت كنت صغيرة ولا أعرف كم كان راتبه، ولكن ما شاء الله، بيت أبي كان ممتلئًا. لم يكن أحد يشتري بالكيلو؛ كان أبي يأتي كيس رز ومثله سكر ودقيق وزيت. وأذكر أنه كان هناك محلات تبيع الأحذية الخاصة بالمدرسة، فيأخذنا إليها انا واختي فتحية التي تكبرني بعامين، ويشتري لنا الأحذية، وكان يشتري «تنكة» بسكويت HILL، وفيها بسكويت بجوز الهند وزنجبيل. وإلى الآن لا أتخيل أين ساجده.

رحمة: وماذا عن قرية الوالد؟ من أين هو والدك؟

بلجون: أبي من حضرموت، تحديدًا من الغرفة - سيئون.

منطقة الغرفة سيئون
منطقة الغرفة سيئون

رحمة: الآن حدثينا عن والدتك، ما اسمها؟ وما المميز في شخصيتها؟

بلجون: أمي اسمها فطوم علي صالح، اسمها هكذا، ولا أعرف غير ذلك.

رحمة: ألم يحكِ لكِ والداكِ كيف التقيا وتعرّفا على بعضهما؟

بلجون: بالطبع لا، لأن زمان كان هناك حياء شديد، وحتى عندما نتكلم بشيء كانوا يقولون «عيب». كانت هناك خطوط لا يمكننا تجاوزها.

رحمة: لكن الفكرة السائدة عند الناس أنه خلال فترة الاحتلال البريطاني كان هناك انفتاح فيما يتعلق بحقوق المرأة، والحضارم عبر التاريخ الإسلامي أكثر التزامًا دينيًا. حدثينا كيف أدار أبوك هذه المسألة؟

بلجون: كان في بعض العائلات العدنية انفتاح، ولكن في منزل والدي ترعرعنا على لبس «الشيدر» مع أخواتي وأمي. وأمي في إحدى الأيام قالت لنا إنها كانت تخرج، وكان والدي يجعلها ترتدي الشراب الطويل، الذي كانوا يرتدونه زمان، وكانوا يركبون «البِجِي» وهو حصان عليه هودج، ويذهبون فيه للزيارة.

الشيدر العدني
الشيدر العدني

رحمة: عشر فتيات واثنان من الشباب عدد كبير. هل كنتم جميعًا تدرسون؟ وأين؟

بلجون: أنا وشقيقتي فتحية وعايدة، ولكن عايدة خرجت مبكرًا. شقيقاتي الأكبر مني درسن في المعلامة، أما أنا وفتحية فدرسنا، ثم فتحية بعد ذلك أنهت دراستها وتزوجت، وأنا واصلت إلى الأول الثانوي، وجاءت حرب 67 وأُغلقت المدارس.

رحمة: هل درستِ في الكتاتيب؟ وكنتِ تحفظين القرآن؟

بلجون:كنت أدرس في المعلامة، درست عند الفقيهة صفية، وأخرى كانت تدرسنا، وكذلك الفقيهة حواء، وكان لدينا واحدة في حافة حسين.

رحمة: هل كانوا يقومون بتعليمكم القرآن والأحاديث النبوية؟

بلجون: كنا نبدأ بالأحرف الهجائية، وكان التعليم بسيطًا. والقرآن شرط من شروط المعلامة، يعتمد على أن تختمي القرآن، ويعملون لك زينة أو كما نسميها حفلة.

رحمة: كيف كانوا يحتفلون بكم؟ مثلًا في صنعاء يسمونها «رنقشة»، وأنتم في جنوب اليمن ماذا كنتم تسمونها؟

بلجون: نحن نسميها «زينة». عندما يختم الطفل القرآن، يجمعون الأطفال ويحضرون الشوكولاتة والكيك ويحتفلون.

رحمة: من المؤكد أن الدراسة كانت بالمصاحف واللوح والطباشير؟

بلجون: كان كل واحد يأتي وبيده المصحف. حتى في الماضي لم تكن هناك حقيبة، بل قطعة قماش يتم خياطتها. وليس جميعنا يحمل هذه القطعة القماشية، فهناك من كان يأتي بكيس بلاستيكي. وكانت الخِرقة القماشية من البوبلين عبارة عن حقيبة فيها زرّ، تحتوي على المصحف. الجزء الأول يحتوي على الحروف الهجائية وقصار السور. كانت الفقيهة تعلمنا الحروف الهجائية، ثم ننتقل من مرحلة إلى أخرى.

رحمة: وهل كنتم تتعلمون الكتابة في المعلامة؟

بلجون: في المعلامة لا توجد كتابة، بل تقرئين وتحفظين، وتعودين إلى البيت، ثم تعودين في اليوم الثاني وقد حفظتِ السورة، وهكذا.

رحمة: حدثينا عن الزي الذي كنتم ترتدونه قبل الذهاب إلى المعلامة حينها؟

بلجون: خلال فترة دراستنا في تلك المرحلة لم يكن هناك زي محدد، كنا نرتدي ما نلبسه في البيت ونذهب به إلى المعلامة.

رحمة: بعد ذلك بدأتِ تذهبين إلى المدرسة؟

بلجون: أنا ذهبتُ إلى المدرسة في عام 1958 حينما كان عمري ست سنوات، وأتذكر أن عمتي، شقيقة والدي، أخذتني إلى المدرسة، وكنتُ حينها أبكي. وكما أخبرتكِ، إنني أصغر واحدة بين أخواتي، ولذلك فأنا كنتُ متعلّقة كثيرًا بوالدتي. كانت عمتي تأخذني إلى المدرسة وتعيدني.

رحمة: هل كانت المدارس مختلطة أم يتم فصل البنات عن الأولاد؟

بلجون: عندما ذهبتُ للدراسة في 1958 كانت مدرسة الميدان للبنات، والآن غيّروا اسمها إلى التلال، وكانت الدراسة للفتيات فقط. وبالنسبة لبواب المدرسة، كان هو وزوجته وأسرته في المدرسة، وكان اسمه أبي فارع، والحجة قدرية التي كانت تشرف على توزيع الحليب في الاستراحة.

رحمة: هذا يعني أنهم كانوا يقومون بتغذيتكم بالحليب والطعام، وكذلك تغذيتكم فكريًا.

بلجون: كانوا يطعموننا حليبًا وحبة موز، وكانوا من أول ابتدائي يُغدقون علينا بكل شيء.

رحمة: حدثينا عن الزي المدرسي، كيف كان حينها؟

بلجون: كان عبارة عن قماش بوبلين أبيض. في الصيف يكون بدون أكمام، وفي الشتاء يكون بأكمام، ويحتوي على جيبين. وهناك من يكون بجيوب، وهناك بدون. والبعض يكون طويلًا إلى تحت الركبة، والبعض الآخر فوق الركبة

رحمة: بعد ذلك بدأتِ تحبين المدرسة وتذهبين إليها، ولكن كيف تعوّدتِ عليها؟ وما الذي كان مميزًا فيها فيما يخص العلوم الجديدة، الأصدقاء، والمدرسين والمدرسات؟

بلجون: في البداية كان هناك من حارتنا، وعلى يمين حارتنا منزل اسمه منزل المهتدي. وكانت واحدة منهم اسمها أنيسة محمد سعد، تعرّفتُ عليها في المدرسة، وأخرى من نفس الشارع اسمها فوزية عثمان - رحمها الله - ، وكانتا زميلتيّ في المدرسة.

وبالطبع كان لديّ الكثير من الصديقات: ماجدة مهيوب زوجة جميل مهدي، أمل نجيب أمان ابنة شقيق الشاعر لطفي جعفر أمان، نور المحضار قريبة الشاعر المحضار، وسهى ميسري. ولو أعددتُ لكِ الأسماء الموجودة حتى الآن فهي كثيرة. كان في الصف الواحد 36 طالبة.

رحمة: وماذا عن مصروفك اليومي، كم كان؟

بلجون: أتذكر أنهم كانوا يعطونني عانتين، وأحيانًا ثلاثًا، ولا أعلم كم تساوي العانة الآن، ولكن زمان كان لها هيبة.

رحمة: كيف كنتِ تصرفين مصروفك؟ ما الذي كنتِ تقومين بشرائه؟ هل كنتِ تشترين البيبسي والجعالة؟

بلجون: احيان أشتري من جوار الباب. كنتُ أحيانًا أشتري من داخل المدرسة، أو أعود بفلوسي كما هي.

رحمة: هل كنتِ تجمعين من مصروفك وتقومين بشراء فستان أو هدايا؟

بلجون: لم أكن أجمع مصروفي. كنتُ عندما أعود إلى المنزل أضعه في جيبي وأذهب في اليوم الثاني به. وفي البداية لم أكن أفكر بذلك، وتحديدًا في الصف الأول والثاني والثالث والرابع. وبعد ذلك كبرت الميزانية، وبدأت أمي تعطينا بدل العانتين مصروفًا شهريًا. فإذا أردتُ شراء شيء تعطيني أمي، وأضيف عليه من عندي. مثلًا كانت تعطيني 15 شلنًا في الشهر، وهذا كان مبلغًا جيدًا.

رحمة: يبدو أنه لم يكن ينقصك شيء، ولكن دعينا الآن نسلّط الضوء على العنف. هل كانوا يستخدمون العصا أو اليد، سواء في البيت أو المدرسة؟

بلجون: سأقولها لكِ بصراحة: لم يكن هناك عنف لكن في المعلامة، كان يتم تهديد الطالب بالخيزران حتى يحترم لحظة التعليم. أما في المدرسة فلم يكن هناك أي عنف يُذكر.

وأذكر في إحدى المرات، كان عمري أحد عشر عامًا، في حصة الموسيقى، كانت تُدرّسنا الست نعمة عبدالحبيب، وأخرى تُدعى مريم نجمي وشقيقتها - إذا لم تخنّي الذاكرة - وكانت الحصص مقسّمة.

في إحدى المرات، ونحن نصطف يمينًا ويسارًا، كانت تغني وتعزف على البيانو ونحن نغني وراءها، فجأة أخذت مسطرة السبورة وضربتني في كفّي. استغربتُ ما الذي حصل، فذهبتُ إلى الإدارة وبكيت. اتصلت الإدارة بأخي محمد عمر بلجون واستدعوه، وأعادوني مع أبي فارع الحارس إلى البيت. ثم أخذني أخي محمد إلى وزارة المعارف متسائلًا عمّا حدث ولماذا قامت بضربي في مكان حساس. أحضروا لي دائرة قطنية ووضعوها على يدي، وكان فيها مادة للتضميد. بالطبع لم يكن جرحًا، لكنه بدأ بالاحمرار. وكان ذلك تأديبًا للمدرسة، وانتهى الموضوع.

رحمة: ربما هذا كان العنف الأبرز الذي تعرضتِ له، ولكن هل كنتِ متفوقة في دراستك؟

بلجون: لم أكن متفوقة 100%. لم أكن من الأوائل ولا من الأخيرين، ولكن كنتُ في الوسط. في الصف الأول والثاني والثالث والرابع كنتُ في مدرسة الميدان، ثم انتقلتُ إلى المدرسة المتوسطة للبنات.

رحمة: هنا بدأتِ تكونين شابة، مع تغير هرموني واجتماعي وأحلام جديدة. فهل كانت هناك تداعيات سلبية لهذا التحول في عمرك؟ وأقصد هنا هل زاد العيب، وزادت القواعد في اللبس والخروج والدخول؟

بلجون: بالنسبة للخروج، نحن لا نخرج وحدنا، كنا نخرج مع العائلة.

أمل بلجون- شبكات التواصل
أمل بلجون- شبكات التواصل

رحمة: وهل كنتِ تذهبين لزيارة صديقاتك؟

بلجون: كنتُ أذهب لزيارة صديقتي أنيسة وفوزية اللتين كانتا في نفس شارعنا.

رحمة: ممن كنتِ تأخذين الإذن عند الخروج؟

بلجون: كنتُ آخذ الإذن من والدتي.

رحمة: هذا يعني أن والدك ترك لكِ مساحة، مثل عادة الآباء مع بناتهم.

بلجون: أبي كان موجودًا ويعرف كل شيء، وكانت شخصيته قوية جدًا. وأتذكر أنه عندما يكون في البيت نلتزم جميعًا. وإذا كنا نلعب في الشارع ندخل إلى البيت قبل أذان المغرب، لأنه لو تأخرنا نعلم أنه سيتم توبيخنا.

رحمة: هل كان هذا أقصى عنف تعرضتِ له في أسرتك؟

بلجون: لا يوجد عنف بقدر ما هو حاصل في كل بيت. أتذكر عندما يعمل اي واحد فينا شيء تافه كان أبي حينما يرفع الخيزران أو بيضرب أحدنا، كنا نختبئ جميعًا خلف جدتي، والدة أبي، وكانت فاقدة للبصر، لكنها تمتلك عيونًا جميلة وملونة. ولم أكن أعلم أنها لا ترى. وكان اسمها جوهرة. كنا نختبئ وراءها ولا نعرف من سينضرب.

رحمة: من المؤكد أنه في تلك الفترة كان لديكِ أغنية أو نشيد معين تسمعينه بشكل دائم ولا يزال عالقًا في ذهنك، حدثينا عنه.

بلجون: عندما كنتُ في صباي، قبل زواجي، كنتُ أسمع ابنة أختي - رحمها الله - وهي تستمع إلى أغاني أم كلثوم. وكانت هذه المرة الأولى التي أسمعها فيها. نحن متأثرون جدًا بمصر منذ زمان، بالأفلام المصرية. وكانت ابنة أختي تسمع لأم كلثوم "أنت عمري" وغيرها، وكنت أسمع ولكن لا أدندن بها.

رحمة: هل تتذكرين إذاعة أو صحيفة أو مجلة معينة كنتِ تقرئينها أو تستمعين إليها؟

بلجون: كنا في أسرتنا، مع أبي، قد تعلمنا منذ طفولتنا قراءة مجلتي سمير وميكي، وكنا جميعًا نقرأهما ونتسابق من أجل الانتهاء منهما لإعطائهما للآخر. وكانت المجلات تزور العائلة كلها، لأن أبناء وبنات أختي لم يكونوا يقتنون هذه المجلات.

مجلة ميكي
مجلة ميكي

أما بالنسبة للمجلات كانت مصرية من بينها روز اليوسف، وكنت أقرأ صحيفة الأيام، واليقظة، والجزيرة، وكثيرًا من الصحف. كنت اقرأهم عندما أنتهي من غسل الصحون، أقتنص اللحظات التي يكون فيها أبي وأمي في الدور الأول، ونحن في الدور الثاني، فأجهّز الكرسي الذي يجلس عليه أبي للكتابة وقراءة القرآن، الموضوع أمام نافذة تطل على الشارع، ثم أجلس وأتصفح صحيفة الأيام وكأنني أقلد أخي محمد عمر بلجوم، الذي كان مدير الإذاعة والتلفزيون في تلك الأيام.

رحمة: عندما كان عمرك 13 عاماً، كان أخوك مديراً للإذاعة، إذًا من هنا دخل الإعلام منزلكم.

بلجون: كنت أقلّده، وكان هو في تلك الفترة يعمل في الإذاعة، ثم تحول بعد ذلك إلى مدير التلفزيون، وكنت أقلّده حينما يقرأ الأخبار، ولم أكن أشعر أنني أقلّده، ولكن فقط أردت ذلك.

رحمة: هذا يعني أنه كان النموذج الأبرز لك.

بلجون: نعم، كان النموذج الأبرز، وكنت أنتظر حتى ينتهي ويغلق البث، أما أمي فكانت تنتظر حتى يقرأ أخي الموجز الأخير وتطمئن أنه سيعود إلى البيت.

محمد عمر بلجوم
محمد عمر بلجوم

رحمة: أنتِ تحدثتِ عن صوت أم كلثوم وأنه ارتبط بذاكرتك، ولكن نريد أن نتحدث عن الكتب، هل تتذكرين كتاباً كان مع والدك وكنتِ تقرئينه ولا يزال في ذاكرتك؟

بلجون: أنا كنت أقرأ، ولكن القراءات لم تكن مسلطة على كاتب معين، فقط أقرأ وتمر مرور الكرام، ولكن الصحف والمجلات المصورة، أو المتعلقة بالمرأة جميعها اقرأها، وأبي كان يحضر لنا كل الصحف والمجلات الموجودة في السوق، ومن بينها مجلة العربي، وهذه كنت اقرأها كثيراً.

رحمة: هل كان هناك مذيعة تشاهدينها في التلفزيون وكنتِ معجبة بها وتقولين: يا ليت أكون مثلها؟

بلجون: كانت فوزية غانم، وهي زميلة أخي محمد، وعديلة بيومي قارئة النشرات، وفوزية عمر، هؤلاء كانوا موجودات مع أخي محمد، وهؤلاء أبرز من ذكرت، وأتمنى أن لا أكون نسيت أحداً.

فوزية غانم وعديلة وفوزية عمر
فوزية غانم وعديلة وفوزية عمر

رحمة: عندما أصبحتِ شابة وأنتِ في حارة حسين، ولديك أخ إعلامي، ألم يدخل الحب إلى قلبك؟ ابن الجيران، أو من الحارة، أو من العائلة، أو حب طفولة؟

بلجون: في الطفولة لم يكن هناك حب، كان هناك تعوّد، كنا ننزل نلعب أكثر من طفل وطفلة بسن ثلاثة عشر سنة، ونلعب نط الحبل وسبعة الصاد، ونضع حجراً فوق حجر ونرمي حتى يتكسروا.

رحمة: ما هي لعبة سبعة الصاد؟ هل يمكن أن تشرحي لنا؟

بلجون: حجر فوق حجر ونقوم برميه، أو نربط حبلاً في قصبة الماء، أحدهم يمسك الطرف الآخر للحبل، ثم يأتي أحد الأطفال يجري ويقفز من على الحبل. لقد كانت الحياة بسيطة، لا في البِسْي بنطلون أو الفستان سيرتفع، ولم ألمس ذلك من أمي وأبي أو شقيقاتي، كنا ننزل نلعب ثم نعود إلى البيت.

رحمة: بالنسبة للارتباط، هل تزوجتِ أول شخص تقدم لكِ أم كان هناك عرسان رفضتيهم؟

بلجون: لا أتذكر أنه في أي مرة من المرات تقدم عريس إلى أهلي ورفضوه. أتذكر في 1967 أغلقت المدارس نتيجة لما حدث في فلسطين، وجلسنا في البيت على أمل أن المدارس ستفتح.

رحمة: كم هي المدة التي جلستموها في البيت؟

بلجون: في 67، ولا أتذكر في أي شهر، ولكن ربما في نهاية السنة، وفي تلك الفترة اكتشفت أن هناك عريساً، وفي البيت أحضروا لي كتالوجاً وطلبوا أن أختار، وقالوا لي سيكون عقدك.

رحمة: وهل استشاروكِ أهلك؟ نحن الآن نتحدث عن فترة أيام الاحتلال البريطاني وبعد ثورة 14 أكتوبر وحكم الحزب الاشتراكي، فمن الذي فرض عليكِ ذلك، هل أبوك أم أخوك؟

بلجون: أخي محمد كان له رأي، ولكن أبي قال: طالما أنا عايش لا أحد له دخل، لأنه قد زوج عشرًا من أخواتي.

رحمة: هل توجد واحدة من أخواتك أُجبرت على الزواج في تلك الفترة؟

بلجون: كان زمان عندما يأتي عريس يتم تزويج الفتيات مباشرة، وكان هناك أولاد عمتي علي ومحمد - رحمه الله عليه - وعبد الله و أبوبكر، وكما قيل لي في العائلة إن عمتي، شقيقة والدي، كانت تريد الأربعة للأربع أخواتي، وكان في تلك الأيام أبوبكر لا يزال صغيراً، وكانوا يريدون محمد وعبدالله وعلي لثلاث من أخواتي الكبار، وهن صفية وهانم ومسعد، ولكن أبي رفض أن يصاهر عمتي، ثم سافرت عمتي إلى الشَّحْن وزعلت منه، وانتهى الموضوع هنا، ولم نتزوج من العائلة. وبعد ذلك بسنوات أعادت الكرة مرة أخرى، جاءت عمتي وطلبت يد أختي عائدة التي تكبرني بأربع سنوات، وخطبتها لعلي وتزوجت، أما أنا فتزوجت وكان عمري حينها 16 عاماً.

أمل بلجوم في مرحلة الشباب
أمل بلجوم في مرحلة الشباب

رحمة: بعد تجربة زواجك، ما الذي مثلته لك هذه التجربة لأول مرة؟

بلجون: انظري إلى المفارقة، بيت أبو زوجي بالصدفة عرفت فيما بعد أن بيت والده في حافة حسين، وتفرق عنا بحارتين، بيتهم بيت عبدالواحد محمد سالم الحاج العريقي، وأبوه أول تاجر واستضاف الإمام أحمد، وهذا ما أخبرني به أبو أولادي، وأنا لا توجد لدي خلفية، وكان أبو أولادي يعمل محاسب ثم كبير المحاسبين.

رحمة: كم كان يفرقك بالعمر؟

بلجون: عندما تزوجت كان عمري 16 عاماً، وهو عمره 24 عاماً، وكان متزوجاً سابقاً ولديه ولد من زوجته الأولى.

رحمة: هذا يعني أنه كانت هناك امرأة على ذمته قبل أن يتزوجك، فهل كانت على ذمته أم طلقها عندما تزوجك؟

بلجون: كان قد طلقها عندما تزوجني، ولكن أنا لم أكن أعرف ذلك.

رحمة: أنتِ هل عرفتيه قبل الزواج أم رأيته من قبل؟

بلجون: عرفته بعد الزواج.

رحمة: كيف تم اختيارك؟ هل رأتك والدته أم كان قريباً أم كنتم تلعبون مع بعضكم؟

بلجون: رغم أنني أتحفظ أن أقوله، ولكن كان هناك إحدى المعجبات بأخي عبدالرحمن، وكانت قريبته، واتضح لي أنها كانت تريد أن تتقرب لعبدالرحمن، فقاموا بخطبتي، لا لأني أجمل الجميلات ولا غير ذلك، ولكن كان لهم هدف، وأنا لم أكن أعلم، فعقدوا لي، وكان العقد في 2 يوليو والزفاف في 11 يوليو.

رحمة: دعينا نتوقف عند هذه النقطة، نريد أن نعرف تفاصيل أكثر. في 68 ألم يكن لك موقف أو رأي؟ وفي العقد ألم يستشرك أحد، ولا حتى بتفاصيل العقد؟ وهل رأيته في العقد؟

بلجون: أنا لم أكن أعرفه، وفي عائلتنا كان ممكن أن ترفضي أو تصمتي.

رحمة: ولكن كنتم في تلك الفترة أيام الحزب الاشتراكي، وكان من الممكن أن تذهبي وتبلغي عن والدك وتقولي إنه فرض عليكِ الزواج.

بلجون: في بعض الأسر يكون العريس قريباً لهم وأصدقاءه من الحارة، ويكون للبنت وجهة نظر أو رأي، ولكن في عائلتنا لا، وإذا جاء عريس فمن المفترض أن تتزوجي، وهذا الذي حدث.

رحمة: ليس من المعقول أنه لم يكن لديكِ طموح قبل أن تتزوجي، ومن المؤكد أنكِ كنتِ تحلمين أن تكوني مديرة أو دكتورة أو مذيعة.

بلجون: بالنسبة لي الطموح قد انتهى بعد خروجي من المدرسة، وأنا كما أخبرتك سابقاً أنني درست إلى أول ثانوي، وكنا ندرس فترتين صباحاً ومساء، وعندما قطعت المدرسة وأنا في أول ثانوي بقيت في البيت.

رحمة: ألم تفكري في المواصلة بعد أن عادت المدارس وانتهت الحرب، أم زوجك لم يسمح لكِ بإكمال دراستك؟

بلجون: عندما رجعت المدارس كان ذلك بعد زواجي.

رحمة: أنتِ خرجتِ من المدرسة بسبب الحرب ولم يفرض عليكِ أحد، ولكن إذا عادت المدارس، هل كنتِ ستواصلين دراستك؟

بلجون: كان من الممكن أن أواصل وأدرس، ولكن الذي حدث أنني تزوجت. والحاصل أن الزوج يريدك، هو الرب الصغير، والله هو الرب الكبير، وهذه تعليماتهم ومن اللازم أن تلتزمي بها.

رحمة: في يوم العقد، ماذا ارتديتِ؟ كيف كان الفستان في الجنوب في تلك الفترة؟

بلجون: كنت أرتدي فستانًا، وسرّحوا لي شعري وصوّروني.

رحمة: بكل صراحة، هل كنتِ سعيدة؟

بلجون: بكل تأكيد، لأني لم أكن أعرف شيئًا.

رحمة: من المؤكد أنه كان شعورًا مختلفًا أن تكون كل الأنظار حولكِ وأنتِ على المنصة، والنساء يتحدثن عنكِ وعن تسريحتكِ.

بلجون: أنا تزوجت طفلة. كنت سعيدة بما أرتديه، ولكن كنت خجولة لدرجة أنني لا أستطيع أن ألتفت لوجهه.

رحمة: هل شعرتِ أنه يحبك؟ بمعنى، هل أخبرتكِ صديقتكِ بذلك؟ هل كان مثلًا يسترق النظر إليكِ وأنتما جالسان على المنصة؟

بلجون: لم يخبرني أحد بهذا الكلام.

رحمة: ماذا كان يعمل زوجك؟

بلجون: كان محاسبًا في إحدى الشركات.

رحمة: هل كان دخله جيدًا؟

بلجون: كان يستلم بالدينار خمسين تقريبًا.

رحمة: عندما تزوجتِ، هل تزوجتِ إلى بيت أهله أم في بيت مستقل؟

بلجون: تزوجت لوحدي في بيت مستقل.

رحمة: وماذا عن ولده؟

بلجون: بالنسبة لولده، انتهى موضوعه وأخذته والدته.

رحمة: فجأة في مجتمع مختلف من حضرموت، وتوقف عن الدراسة وزواج.

بلجون: هذا ما حدث. وبالنسبة لأخي عبدالرحمن، شق طريقه وتزوج امرأة أخرى غير المرأة التي كانت معجبة به.

رحمة: بعد أن انتقلتِ للزواج، ولديكِ رب أكبر وأصغر، كيف كنتِ تقضين وقتك؟

بلجون: في الصباح كان أحمد، رحمه الله، يذهب إلى العمل، وأنا أقضي وقتي في المنزل أستمع إلى الراديو من إذاعة عدن وأجهّز الغداء. وكنت أسمع مديرة المدرسة حليمة خليل، وأختها شفيقة خليل، وهن من الشخصيات المعروفة في عدن ومن أوائل المدرسات، تذهب إلى المدرسة وتأخذ ابنة أخيها، اسمها ناهد، وجارتنا اسمها هدى، وكانوا يذهبون معًا إلى المدرسة. وأنا كنت أبكي في البلكون، ولا أحد يدري أنني أبكي، لا أمي ولا زوجي. كنت أبكي لأنني لم أدرس، ولكني لم أكن أستطيع الحديث عن ذلك مع أحد. وعندما تحدثت مع أحمد، رحمه الله، لم يكن بطريقة أنني أريد أن أدرس. طبعًا أحمد كان متصوفًا: من البيت إلى الشغل، ومن الشغل إلى البيت. وكانت لديه مكتبة، وكنت أقرأ فيها أحيانًا. بعد ذلك انتُدب إلى الحديدة.

رحمة: أين رُزقتِ بطفلك الأول؟

بلجون: عندما ذهبت إلى الحديدة كنت حاملًا، ولكني لم أكن أدري. أتذكر أنني كنت آكل المشمش بنهم. ثم نزلت إلى عدن وسقطت، لأنه حدث ظرف في الحديدة، وهو قيام زوجة صديقه - وهي من أصول هندية - بسرقتنا. ولم يقدّروا موقفه عندما جعلهم يعيشون معنا باعتبار أنني غريبة في الحديدة. وهذه الهندية تعرف كل شيء، ولكنها طلعت عكس ذلك وسرقتنا، وأحمد فضّل أن أعود إلى عدن، إلى بيت أبي.

رحمة: كم كان عمركِ حينها؟

بلجون: تقريبًا 17 عامًا. وفي ذلك العام سقط طفلي الأول، ثم جاء طفلي الثاني هاني، وهو من مواليد 15 نوفمبر 1970، ثم هنادي، وبعدها سقط، وكان ذلك مع وفاة عبدالله باذيب. وأتذكر في المستشفى أن الممرضات قلن إن عبدالله باذيب توفي، وهم لا يعلمون أنه ابن عمتي، أخت أبي. وكانت هنادي من مواليد 1973، ثم سقطت، ثم هليدة في 1978، وآخر العنقود هدى.

عبدالله باذيب(منصات التواصل)

رحمة: دعينا نعود إلى الحديدة، عندما سافرتِ ألم تصدمي بالواقع، مثل الجو والعادات والتقاليد؟

بلجون: عندما انتُدب زوجي إلى الحديدة، وكان يعمل مع أولاد ثابت، كنت أرتدي البالطو وحجابًا. وكنت أحيانًا عندما أخرج وأنا لابسة درع أرتدي الشيدر، أو بنطلونًا وبلوزة إلى تحت الركبة.

رحمة: عندما كنتِ في الحديدة، هل كان زوجك يغار من طريقة لبسك؟

بلجون: لم يكن كذلك، رغم أنه متصوف، ولكنه هو من دفعني للعمل، ولولا أبو أولادي أحمد عبدالواحد لما كنت الآن أمامك.

رحمة: متى خرجتِ إلى العمل أول مرة، وماذا عملتِ حينها؟

بلجون: بعد أن أنجبت هنادي في 1973، في 1974 خرجت للعمل في اتحاد الشباب الاشتراكي اليمني، وكنت أول واحدة طبعت النظام الداخلي لطلائع اليمن.

رحمة: هذا يعني أن اقترابك من النشاط العام كان بطريقتين: مذيعة وسكرتيرة.

بلجون: زوجي عندما أخرجني للعمل قلت له: ماذا أعمل؟ فأنا لا أعرف شيئًا. قال: اذهبي إلى بيت المدراسي. وكان هذا البيت يعلم الطباعة على الآلة الكاتبة. قلت له: لا أعرف، أنا خام فين؟ وأشار لي أين، فذهبت وسجلت وقُبلت. وكان المدراسي مدرسة مفتوحة وتنويرية، وكنت أتعلم الكتابة على الآلة الكاتبة.

رحمة: هل أحببتِ تعلمها؟

بلجون: أحببتها، وكانت بالصدفة أن لدينا في البيت آلة كاتبة قديمة جدًا، ويمكن أن تُباع الآن بملايين. كنت آخذها معي بعد أن خرجت من المدراسي. وقالوا لي أصحاب أشيد التابع للحزب الاشتراكي: لا يوجد لدينا مطبعة. فقال أحمد: خذي مطبعتنا. واستأذنتهم، وقالوا من الممكن إحضارها. وقال لي: تضمني أنها لن تُسرق؟ قلت: لا أضمن، لأني لا أعرف أحدًا هناك. وأتذكر أنني كلمت مسؤول لجنة المحافظة، اسمه عبده سعيد ولد شاب، وقلت له إنني أخاف على آلة الطباعة. وقال لي رئيس أشيد سالم بوكير أن عبده سعيد سيأخذك ويأخذ الطابعة ويعيدها، ولكن عليك أن تعطيه شيئًا، وكنت أعطيه مئة شلن.

ألة كتابة
ألة كتابة

رحمة: من أين كان لكِ مئة شلن التي تعطيها له؟ هل من زوجك أم من الراتب؟

بلجون: كان راتبي 400 شلن.

رحمة: نريد الآن أن نعرف، عندما بدأتِ بالخروج في عام 1974، وكان عمرك 21 سنة، من الذي كان يعتني بالأطفال أثناء غيابك؟

بلجون: كنت أذهب للعمل اضع هاني في الروضة التي بجوار منزلنا، وهنادي ساعات العمل كانت قليلة، فكانت لدينا جارة. مثلًا عندما أذهب لشراء كيلو الطماطم والبطاطس أضعها عندهم. ولأن العمل قريب من البيت الذي كان في غاندي، كنت أضعها في سريرها وأذهب للعمل، وأعود للبيت وأذهب وأعود.

رحمة: كيف كان تعامل زوجك معك عندما خرجتِ للعمل؟ هل كان مثل بقية الأزواج الذين يلومون تقصير زوجاتهم؟

بلجون: كنت أعود قبله وأطبخ. وأنا بيتوتية، ولو لم يُخرجني أحمد للعمل أحب البيت والخياطة والتوضيب وكل شيء متعلق بالبيت، ولا أحب الاعتماد على أحد.

رحمة: هل كنتِ تساعدين زوجك في المصروف؟

بلجون: بدرجة أساسية كان راتبي من أجل شراء احتياجات الأطفال.

رحمة: اتضحت الصورة، كان راتبك لرفاهية الأبناء وراتبه للأساسيات.

بلجون: نعم، كنت أذهب لشراء المعلبات لهم وأعطي للحارس، وأي شيء أحتاجه أشتريه.

رحمة: كيف تحولتِ بعد ذلك إلى الجانب الإعلامي؟

بلجون: بعد ذلك نُقل عدد من الموظفين في اتحاد الشباب إلى وزارة العمل، وكنت من بينهم. وكان وكيل وزارة العمل والخدمة المدنية أمذيب صالح، رحمه الله. أخذني ستة أشهر، تقريبًا في سنة 1974. وفي الأشهر الستة الأولى كان يطلب مني الدخول إلى كافة الأقسام حتى إذا تغيب أحد أستطيع القيام بعمله. وبعد ذلك اخبرني الذيب صالح أني سأُنتدب إلى اتحاد الطلبة للطباعة، فذهبت، ثم عدت إلى وزارة العمل، ثم انتُدبت إلى اتحاد نساء اليمن، ثم اتحاد شباب اليمن، وهكذا.

وفي اتحاد نساء اليمن كنت أعمل بالطباعة على الآلة الكاتبة، وكنت أكتب التقارير وكل ما يتعلق بالاتحاد، ومن ضمن ما طبعته مواد برنامج الأسرة والمجتمع. فالنقلة النوعية التي اثرت بي كانت عندما تغيبت مقدمة البرنامج سعاد سعيد علي، زوجة رياض العكبري بالصدفة كنا موجودين وأنا اطبع، وكان الجميع مشغول. فكلفوني بتقديم البرنامج، ولا أعرف كيف فكروا بذلك، فوافقت رغم أنه لم تكن لدي خلفية. ولم أذهب إلى التلفزيون فقط ذهبت مرة واحدة للإذاعة في طفولتي للمشاركة في أوبريت السندريلا وكنت كورال في بعض الاغاني. وعندما ذهبت إلى التلفزيون قدمت البرنامج، لأني كنت متشبعة بقراءة المواد أسبوعيًا، فقدمته بتلقائية.

رحمة: ألم تأخذي الإذن من زوجك عندما ذهبتِ إلى التلفزيون؟

بلجون: عندما عدت إلى البيت أخبرته أنهم كلفوني، ولم يرفض، فذهبت إلى التلفزيون وتركت عنده هاني وهنادي.

رحمة: هل ذهبتِ إلى هناك بدون استعداد؟

بلجون: لم يكن لديَّ أي استعداد، ولم تكن لديَّ خلفية سابقة. قمتُ بوضع الروج، وغيرتُ ملابسي، وقدمتُ البرنامج، وكانت مدته نصف ساعة. وكان رحمه الله عليه محمد قاسم ضالعي شخصيته قوية ويحترم العمل جدًا. كان الاسكريبت حق البرنامج عنده، وكان يقول لي: هنا تتوقفي، وهنا تواصلي. وأنا كنت أتعامل وكأنني فاهمة، وأقول له: تمام، تمام. وأول ما دخلتُ قلت: أعزائي أفراد الأسرة في كل مكان، مرحبًا بكم مع حلقة أخرى من "الأسرة والمجتمع". عملتها بنفسي، فعندما خرجتُ للافتتاحية دخلتُ مباشرة في الموضوع: عزيزتي المرأة... وتحدثتُ. وعندما انتهيتُ قال لي: هل سبق لكِ أن عملتِ؟ قلتُ له: لا. قال: هل تدربتِ؟ قلتُ له: لا.

الطاقم ببرنامج التلفزيون كان هناك عادل الميسري، رحمه الله، ووديع عبد الله. أجازوني على الرغم أن أحدهم كان فني إضاءة، والآخر مخرجًا لبرامج الرياضة، أن أكون مساهمة، وأخبروا علوي علي، مدير البرامج.

رحمة: وعندما عادت الأستاذة سعاد، ألم تأخذ منكِ موقفًا كونكِ أخذتِ موقعها؟

بلجون: لا، لم تأخذ أي موقف، ولم يكن بيني وبينها أي تواصل.

رحمة: متى كان ثاني ظهور لكِ؟

بلجون: بعد ذلك مباشرة أعطوني برنامج الأطفال.

رحمة: هذا يعني أن ثاني ظهور لكِ كان في برنامج الأطفال، ومن هذا البرنامج لُقِّبتِ بماما أمل؟

بلجون: هو طالما اني اشتغلت أعطوني برنامج الأطفال، ولم يكن لأنني أم، ولكن هذا ما تم تكليفي به.

أمل بلجوم والاطفال
أمل بلجوم والاطفال

رحمة: هل كنتِ تقدمين فقط أم تقومين بالإعداد والتقديم؟

بلجون: كنت أقوم بالتقديم فقط، لكن عندما يحدث أي ضغط، سواء في برنامج الأسرة أو في الأطفال، إذا كان هناك نقص في الإعداد أكمله. مثلًا في برنامج الأسرة، بعد الحلقة الأولى كنت أقدمه، وسعاد انسحبت بطريقة تلقائية، كيف لا أعلم. وأحيانًا يكون لدي قلق من أخطاء في المجتمع وأريد معالجتها؛ مثلًا أن تقوم امرأة بفتح الباب ورمي الزبالة، فأطلب من المصور والمعد أن يأتوا إلى بيتي، وأتبنى فكرة: فألبس ملابس البيت وأتنكر حتى لا يعرف أحد أنني المذيعة، وأقوم برمي الزبالة إلى جانب الباب، وأقول: إن هذه من العادات الخاطئة التي ترتكبها بعض ربات البيوت، وأقدم النصائح لربات البيوت. كل يوم أقدم فكرة مجانًا.

رحمة: كم كان راتبكِ في أول نشاط إعلامي؟

بلجون: كان 400 شلن في البداية، وفي التلفزيون كان هناك درجات؛ فكانت أول مرة 800 شلن، ثم حينما وصلنا إلى الدينار كان بحدود 81 دينارًا، وهكذا.

رحمة: أيهما أحببتِ أكثر، الإذاعة أم التلفزيون؟

بلجون: مذيع التلفزيون يبدأ من الإذاعة، والإذاعة هي الأم. وبالنسبة لي، كنت مجرد طفلة دخلت في تقديم دور الخالة، مرة الأب، وأنا أقول لسندريلا: "أنتِ تروحي للأمير؟ ما أحقرك! شكلك حقير، ثوبك وسخ، شكلك شمات، ذا منظرك منظر شمات!" وبعدها تدخل الحورية، وتدخل سندريلا وتقول: "حرام عليكم، شلوني، بروح معاكم، شلوني!" وهذا كله كان زمان عندما كان عمري تسع وعشر سنوات في أوبريت سندريلا في الإذاعة. وانقطعت السنين إلى أن تزوجتُ وعدتُ إلى الإعلام في 1975.

رحمة: بالنسبة للشعر والشكل، الم يكن هناك جهد ولابد لك ان تبذليه؟

بلجون: عندما عملتُ في اتحاد الشباب، كنت أعمل شعري كعكة لأنه كان مجدلًا وأسود، وألبس سروال شارلستون وجاكيتًا مكممًا، احترامًا وتقديرًا للعمل بين الرجال. وأنا كنت أول مرة أخرج من ميدان الأسرة الصغير إلى ميدان العمل الكبير.

رحمة: عندما انتقلتِ إلى التلفزيون، ما أفضل تسريحة كنتِ تفضلينها، وأفضل لبس تلبسينه وأنتِ مذيعة؟

بلجون: كنت أفتح شعري وأجعله مدرجًا، والناس كانوا يعتقدون أن لدي كوافيرة خاصة بي، وأنا إنسانة بسيطة.

رحمة: حدثيني عن أول موقف شعرتِ فيه أنكِ مشهورة، وأن الناس يشيرون لكِ بالبنان وينظرون إلى أبنائكِ ويقولون: هؤلاء أبناء أمل بلجون؟

بلجون: في تلك الفترة كان التلفزيون محدودًا في المحافظات وليس منتشرًا. وكانت الناس تراني وأنا أقرأ الأخبار وأقدم برنامج "مجلة التلفزيون" و"الأطباق السبعة" ومنوعات والعديد من البرامج. لكن أن يقول أحدهم هكذا، فهذا يحدث عندما تذهبين للشراء من مكان ما، فيقول بعض الناس الذين شاهدوا البرامج: أنتِ المذيعة؟ فأرد: نعم، وهنا ينتهي الموضوع.

رحمة: ولكن في فترة السبعينيات أو بداية الثمانينيات، هل كان هناك انتشار للتلفزيون؟

بلجون: تقريبًا في الثمانينيات كان انتشار التلفزيون أكثر، ودخل إلى كل بيت، وبالأصح إلى بيوت الناس القادرين على شراء التلفزيون. وكان بعض المواطنين يجلسون عند جيرانهم لمشاهدة التلفزيون.

رحمة: مشاهدينا، وصلنا إلى نهاية الحلقة الأولى مع الأستاذة أمل بلجون، وشرحت لنا كيف يبدأ الإنسان من البيت، والموقف، والسؤال المبكر عن العدالة والمعنى، والنضال والتحديات التي واجهتها امرأة في جنوب اليمن. في الحلقة القادمة سنذهب إلى سنوات التحول الكبرى السياسية، والحروب، والاقتصاد الذي مرت به اليمن، وكيف يبقى الإعلام مهنيًا عندما يصبح كل شيء مستقطبًا. اكتبوا لنا أكثر لحظة لامستكم في حوار الأستاذة أمل بلجون. وتذكروا أن لا شيء يجمع اليمنيين ويدفعهم للتغيير مثل استعادة الزمن الجميل. نلقاكم في الحلقة القادمة.

ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة