الأربعاء 1 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • اليمن بين خيارين: اقتصاد الحرب أو اقتصاد السلام

اليمن بين خيارين: اقتصاد الحرب أو اقتصاد السلام

يمر اليمن بمنعطف تاريخي خطير تتنازعه فيه مسارات مغايرة؛ فإما الاستمرار في مستنقع اقتصاد الحرب الذي يغذي مصالح شبكات النفوذ على حساب إنهيار مؤسسات الدولة ودمار البنية التحتية، وتعميق الأزمة الاقتصادية وتوسيع المأساة الإنسانية، والتقوقع داخل كنتونات متصارعة ومتخلفة، أو الذهاب نحو بناء اقتصاد السلام الذي يعيد الحياة لمؤسسات الدولة الموحدة، ويحقق الاستقرار، ويفتح الطريق نحو التراكم في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويوثق الصلات والعلاقات مع مؤسسات ودول الإقليم والمجتمع الدولي،

​خيار اقتصاد الحرب

إن ​اقتصاد الحرب ليس مجرد غياب للسلام، بل هو "منظومة مشوهة" تنشأ وتزدهر في بيئة الصراع، وتصبح لها قوى مستفيدة تدافع عن استمرارها، وأهم ملامحها وآلياتها:

- ​انقسام المؤسسات النقدية والمالية، ويتجلى ذلك في وجود بنكين مركزيين وسياستين نقديتين وإنقسام العملة المحلية، ونظامين مختلفين للضرائب والجمارك والزكاة، مما شلّ الحركة التجارية وجمد النشاط الاقتصادي وزاد من كلفة المعيشة ومن معانات المواطنين في كل المحافظات.

- الجبايات والتشرذم الضريبي من خلال فرض رسوم وإتاوات متعددة وغير قانونية على الأفراد والشركات وعلى حركة السلع بين المحافظات، مما أوجد بيئة طاردة للاستثمار وإرتفاع في الأسعار بشكل جنوني، وكل ذلك يتحمله المواطن الغلبان، إضافة إلى تعميق التشطير والقضى على مبدء السوق الواحد،

- ​ازدهار الأسواق السوداء، فأمراء الحرب يتحكمون في قطاعات حيوية مثل الوقود، والغاز، والمساعدات الإنسانية، إضافة إلى إنتشار ظاهرة التهريب، فاستيراد المشتقات النفطية أصبح محتكرا بيد مافيا البترول، والتي تبيعه مغشوشامما يخرب وسائل النقل دون إتخاذ أي إجراءات رقابية وقانونية لمحاسبة المتورطين، كما أن العبث بالمساعدات الإنسانية أدت إلى عزوف مجتمع المانحين عن تقديم الدعم الإغاثي والإنساني لليمن،

- وهناك نظامان منفصلان للتعليم، فتوقيت إنتهاء العام الدراسي في مناطق عدن يتزامن مع بداية التقويم الدراسي في مناطق صنعاء، مما يؤدي إلى معانات الطلاب بالذهاب إلى المدارس في عز حرارة الصيف، وخاصة في مناطق تهامة، وهذا يعني حرمان طلاب تلك المناطق من الدراسة في شهور الصيف، إضافة إلى أن هذه سياسة تنفرد بها مناطق صنعاء عن كل دول وشعوب العالم،

​وبالتأكيد، فإن النتائج الكارثية المتوقعة لاستمرار هذا الخيار عديدة، ففي الجانب الإنساني، اتساع رقعة الفقر والمجاعة، واعتماد أكثر من 80% من السكان على المساعدات التي تتناقص دولياً بمرور الوقت. وفي الجانب التنموي، الانهيار التام لما تبقى من شبكات الكهرباء والمياه ومنظومات التعليم، والصحة، إضافة إلى ​هجرة العقول ورؤوس الأموال، ففي ظل الحرب يستمر نزيف الكفاءات اليمنية والشركات التجارية العريقة إلى الخارج بحثاً عن بيئة آمنة للعمل وللاستثمار،

​خيار اقتصاد السلام

وهذا هو المستقبل المأمول، فالانتقال إلى اقتصاد السلام لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة للمنظومة الاقتصادية لخدمة المجتمع بدلاً من خدمة أمراء الحرب"، وهذا الأمر له عدد من المتطلبات:

- ​توحيد السياسة المالية والنقدية، وهذا يشمل توحيد الموارد العامة للدولة ودمج البنك المركزي وإنهاء انقسام العملة لضمان استقرار سعر الصرف.

- ​استئناف الصادرات السيادية، إعادة تصدير النفط والغاز لتأمين تدفق العملة الصعبة وتمويل الموازنة العامة لدفع مرتبات موظفي الدولة، ودعم برامج التنمية الوطنية،

- حشد الموارد المالية من المؤسسات والصناديق الإقليمية والدولية وتعزيز التعاون والتنسيق مع مجتمع المانحين من الأشقاء والأصدقاء

- ​فتح الممرات وتنشيط التجارة، وهذا يحتاج إلى رفع القيود عن الموانئ والمطارات والطرق الداخلية لتسهيل حركة السلع والمواطنين وخفض كلفة النقل.

​وحتما، فإن الثمار العائدة لهذا الخيار هو الاستقرار والازدهار من خلال:

- ​جذب الاستثمارات وإعادة الإعمار، وهذا يعني تحول التدفقات المالية من "مساعدات إغاثية مؤقتة" إلى "استثمارات تنموية" طويلة الأجل بدعم من المجتمع الدولي والأشقاء في الإقليم.

​- خلق فرص العمل، توجيه الإنفاق العام نحو المشاريع التنموية وإعادة تنشيط القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة، وهذا سيساهم في امتصاص البطالة ويحد من تجنيد الشباب في جبهات القتال.

​التعافي الاقتصادي والاجتماعي، تحريك عجلة النشاط الاقتصادي وتحسين كفاءة الخدمات العامة (الصحة والتعليم)، مما يضع اليمن على أولى خطوات التنمية المستدامة.

وهنا يمكن القول، إن كل يمني يأمل أن يكون هناك ​ضغط محلي وإقليمي ودولي لتحييد الملف الاقتصادي تماماً عن الصراع العسكري، وأن تو​ضع خارطة طريق عاجلة لتوحيد المؤسسات المالية والنقدية كخطوة أولى لبناء الثقة، إضافة إلى ​إشراك القطاع الخاص اليمني والمجتمع المدني كأطراف رئيسية في أي مفاوضات سلام لضمان صياغة "سلام مستدام" يقوم على أرضية اقتصادية صلبة.

وختاما، فإن مستقبل اليمن ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج خيار سياسي واقتصادي تتخذه الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، فالاستمرار في "اقتصاد الحرب" يعني الدخول في حلقة مفرغة من الفقر والتشظي التي قد تمتد لأجيال، ولذلك على أطراف الصراع في كل من عدن وصنعاء أن ينتهزوا الفرصة المتاحة حاليا في الإقليم، وأن يعودوا إلى رشدهم وأن يستخلصوا الدروس المستفادة مما يجري بين إيران والولايات المتحدة، وأن يفتحوا نوافذ للحوار والتفاوض لإرساء السلام والاستقرار في البلاد، فدول الإقليم تتجه نحو تعزيز السلام بينها متطلعين إلى التنمية والإزدهار في بلدانهم وأصحاب السلطة في اليمن، بغباء، يغردون خارج السرب،