صُنّاع الفرح يرحلون... ويبقى صُنّاع الألم

هناك مفارقات يعجز العقل عن تفسيرها، ويعجز القلب عن تقبلها. فمنذ أن عرف الإنسان الموت وهو يسأل السؤال نفسه: لماذا يرحل الذين يمنحون الحياة جمالها، بينما يطول عمر الذين يثقلونها بالوجع؟ ولا يأتيه الجواب إلا من الإيمان بأن لله حكمةً تستعصي على إدراك البشر.
في هذه الأيام القاسية، كانت مدينة المكلا تواجه ابتلاءين معًا؛ صيفًا ملتهبًا، وانقطاعًا متواصلاً للكهرباء، حتى غدت الليالي أثقل من أن تُحتمل. وكان الناس يبحثون عن نافذة يطلون منها على شيء من الفرح، فإذا بصوت الفنان الشاب المبدع عدنان العطاس يبدد شيئًا من ذلك الظلام، ويزرع في النفوس أملاً مؤقتًا بأن الحياة ما زالت قادرة على الابتسام.
لكن الموت، الذي لا يستأذن أحدًا، اختطف ذلك الصوت الجميل من غير سابق إنذار، وكأنه أراد أن يذكرنا بأن الأشياء الأكثر جمالًا هي أيضًا الأكثر هشاشة.
لا أكاد أصدق أن عدنان قد رحل. فمنذ أيام قليلة فقط كنا على تواصل وهو في مدينة سيحوت بمحافظة المهرة يحيي زواج آل السقاف، وكان الصديق الفنان صالح بن حمدة ينقل إليّ تفاصيل الأمسية، والأغنيات التي اختارها، وإعجاب الجمهور بها. وكنا ننتظر لقاءً قريبًا لنستعيد معًا بعض أغنياتنا الديسية التي أحببناها، لكن الأقدار سبقت مواعيدنا، وأغلقت الصفحة قبل أن نكمل سطورها.
لقد أنجز عدنان في عمره الفني القصير ما ينجزه كثيرون في أعمار طويلة. لم يكن مجرد مطرب يعتلي منصة، بل كان حالةً من الألفة الإنسانية. يدخل إلى الأعراس فيحمل معه البهجة، ويغادر تاركًا في القلوب ذكرى طيبة. ولذلك فإن رحيله لم يكن خسارة لأسرته وحدها، بل خسارة لذاكرة الفرح في حضرموت كلها.
ولطالما عبّر الشاعر الكبير حسين المحضار عن هذه المفارقة المؤلمة بقوله:
كلما صدح لي بلبلي الصدّاح
قالت له الأقدار: لا تصدح
وإذا نبح كلب العواء النبّاح
خلّته على رأسي بطى ينبح.
وكأن الحياة، في بعض لحظاتها، تبدو وكأنها تنتزع البلابل وتترك الضجيج، وتخطف الأصوات التي تمنح الناس السكينة، بينما يبقى من يصنعون القلق والعذاب.
وفي المكلا، التي أنهكتها الأزمات، ظل الناس يلوذون بالفن كلما ضاقت بهم الحياة، لأن الأغنية الجميلة ليست ترفًا، بل مقاومة هادئة لليأس. وكان عدنان واحدًا من أولئك الذين مارسوا هذه المقاومة بصوتهم وابتسامتهم وحضورهم الإنساني.
لكن الموت، وإن كان قادرًا على إيقاف نبض القلب، فإنه يعجز عن إيقاف الأثر. فالأثر هو العمر الحقيقي للإنسان، وهو ما يبقى بعد أن يغيب الجسد. ومن يزرع الفرح في قلوب الناس لا يموت تمامًا، لأنه يظل حيًا كلما ردد أحد أغنيةً أحبها، أو استعاد ذكرى ليلةٍ كان فيها صوته سببًا لابتسامة أو دمعة فرح.
رحم الله عدنان العطاس، فقد رحل مبكرًا، لكنه ترك عمرًا أطول من سنواته، وأثبت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بطول بقائه، وإنما بعمق الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
