الجمعة 19 يونيو 2026

المناضل الديمقراطي عبده سلام

المناضل الديمقراطي عبده سلام

في يوم الثلاثاء، 16 يونيو، 2026، رَحَل َمناضل وطني دِيمقراطي من طِراز رَفيع وَنَادر. إنَّهُ الأمين العام المُؤسِّس للاتحاد العَام لعُمَّال اليمن: عبده سلام عبده سيف الدُّبَعي.

الزَّعِيم النَّقَابي العُمَّالي من مواليد عام 1942؛ «دُبَعْ الخَارِج». تَلقَّى تَعليمَهُ الأولي في كتاتيب القرية.
رَحَلَ يَافِعًا إلى عدن، وَاحتَرَفَ مِهنةَ الخِياطَة (ملابس رجالية). وفي عام 1960 هَاجَرَ إلى الكويت، وَوَاصلَ العمل في مهنة الخياطة.
في العام 1961 انتمى إلى حركة القوميين العرب، وَأسَّسَ في الكويت أول نقابة لعُمَّال الخياطة اليمنيين، وَاعتَرَفَ بها اتحاد عُمَّال الكويت.
نَسجَ علاقات متينة مع الزعيم القومي أحمد الخطيب؛ أحد المؤسسين لحركة القوميين العرب في بيروت، ومسؤول فرع الحركة في الكويت والخليج، كَمَا أقَامَ صِلاتٍ مَتينة مع النقابي حسين صقر؛ القيادي في اتحاد العُمَّال.
عَمِلَ في الأعوام الأولى للثورة في صنعاء؛ بكلية الشُّرطة؛ في خياطة الملابس، وَكَانَ لَهُ الدُّور المُهِمّ في تنظيم أهَم القيادات الأمنية الحِزبية وَالسِّياسيَّة: جار الله عمر، وأحمد السلامي، وعبد الوارث عبد الكريم المَخفِي قَسريًّا، وعبد السَّلام منصور، ومحمد سالم الشيباني، وعبد الجليل غيلان؛ وعشرات غيرهم.
في العام 1965، وبعد تأسيس النَّقَابات العُمَّالية في صنعاء، والحديدة، وإب= انعقد المؤتمر العام لعُمَّال اليمن في تعز، وَانتُخِبَ علي سيف مقبل رَئيسًا للاتحاد، وعبده سلام أمينًا عامًّا، وَأقرَّ المؤتمر البرنامج السِّياسي وَالنَّظام الدَّاخلي.
انتُخِبَ مُمَثِّلاً للاتحاد العام لعُمَّال اليمن في قيادة المقاومة الشعبية، وَكَانَ لِلعُمَّال دَورٌ مَجِيد في الثَّورة اليمنيَّة شَمالاً وَجَنوبًا؛ فَقَد دَافعَ العُمَّال عَبر الحَرَس الوطني عن ثورة سبتمبر، وانخرطوا في المقاومة الشَّعبية؛ لحماية صنعاء المُحَاصَرة، وَكَانَ يقوم بتوزيع المواد الغِذائية والمعونات للأحياء، وقاتلوا في الصُّفُوف الأولى، وكان قَائِدهُم النَّقَابي عبده سلام الزَّعِيم العُمَّالي
ونظرا لظروف اليمن وبيئتها فقد تبنى النقابيون العماليون الربط الجدلي والعميق بين الكفاح الوطني ضد الرجعية والاستعمار دافعوا في صنعاء عن الثورة والجمهورية وقاتلوا في عدن ضد الاستعمار البريطاني
ولم ينس النَّقَابيُّون ولم يتخلوا عن المطالب النَّقَابِيَّة. فقد عملوا على تحويل الإجازات السنوية من عشرين يومًا إلى ثَلاثينَ يَومًا، وَطَالبُوا بتحسين مستوى الأجور، وضمان مكافأة تَرْك الخِدمَة، وَالاهتمام بِالجَانب الصِّحِّي للعمال وَأسَرِهِمْ، وَتَحديد سَاعات العمل من عشر ساعات إلى ثَمَان، وَفتح مدارس مَحو الأمية، والأقسام في المدارس؛ وَهُوَ مَا تَحقَّق في جنوب الوطن، وجعل أول مايو في اليمن، كَمَا هو الحال في العالم، إلى يوم العيد العالمي، وجعله يوم إجازة؛ وَهُو ما تحقق.
كَمَا عَملوا على إصدار صحيفة عُمَّاليَّة؛ وهو مَا كَانَ قَائِمًا في عدن إبَّان الحُكْم الاستعماري: صحيفة «العامل»، و«صوت العُمَّال» كَمَا نَاضَلوا لإصدار قانون العمل؛ وَهُو مَا تَحقَّق عام 1970، وَأنشئت وزارة الشئون الاجتماعية والعمل، ودعوا لإنشاء المكتبات الثَّقَافيَّة، وأصدروا النَّشْرَات العُمَّاليَّة، وتبنوا الدَّعوة للاهتمام بالأندية الرياضية، وقيام لجان دَعويَّة ثَقافيَّة متنقلة.
كان للزعيم النقابي الرائد دور في تعميق العمل لتحويل الحركة القومية في الاتجاه الماركسي، وتبني الاشتراكية، وَوَقفَ إلى جانب المناضل الكبير عبد القادر سعيد، ضِدّ مُغامَرة الكفاح المُسلَّح، والدعوة للعنف والاحتراب، وكان داعية سلام بحق.
نزل إلى الحديدة في العام 1972؛ وَكَانَ متخفيًّا؛ وبها التقينا مع محمد عبد الجبَّار، ومحمد عبده الخطيب، وَكَانَ السَّعي لتوحيد النَّقَابة العَامَّة للعُمَّال التي أسسها المناضل التقدمي عبد الله الصَّيقَل مع الاتحاد العَام لِعُمَّال اليمن.
كان عضو لجنة مركزية في «الحزب الديمقراطي الثَّوري»، وَلَهُ الدَّور البارز في إقامة علاقات رفاقية متينة وَصِلات عَميقَة بِالنَّشَاط النَّقَابي العُمَّالِي العربي وَالأمَمِي؛ فَقَد حَضَرَ العَديدَ مِنْ المؤتمرات الدَّولية لاتحاد عُمَّال العالم في يوغسلافيا، وموسكو، وَأسهَمَ بِدور مَائز في تبوُّء النَّقابات السِّت مقعدها في الاتحاد الدَّولي لِعُمَّال العالم؛ برئاسة الفقيد عبد القادر أمين- عضو القيادة العامة للجبهة القومية، وتربطه علاقات قوية بالزعيم السوداني الشَّفيع أحمد الشيخ، والكثير من القَادة العُمَّاليين العرب والدوليين.
ولدوره الكفاحي المُؤثِّر وَالقَوي؛ فقد تَعَرَّضَ للاعتقال مرتين؛ الأولى: عام 1965 مِنْ قِبَل المُخُابرات المصرية، وَسُجِنَ في القلعة لبضعة أشهر؛ لدوره المائز في النَّشَاط ونقد الأخطاء.
كَماَ اعتُقِلَ بعد أحداث أغسطس؛ عام 1968، في القلعة؛ لِمُدَّة عام، وَاعتُقِلَ مَعهُ مِئات العُمَّال.
وَحَقيقةَ الأمر، فَإنَّ هذا الزَّعيم العُمَّالي المؤسس للحركة النقابية العُمَّاليَّة، والمتبني الأجهر للمطالب النقابية والحقوق المدنية، وَالرَّابط بين النضال النقابي المطلبي، والكفاح الوطني، والرافض للعنف والمغامرة الثورية بالكفاح المسلح والفتن والحروب التي أودت بالثورة، وَقَضَت عليها، وعلى أروع وأجمل ما فيها وناضل من أجلها جماهير شعبنا اليمني في الشَّمال والجنوب.
ومع تزايد واشتداد قمع القُوَى المعادية للثورة، وتبادل العنف، والجنوح للاحتراب= ضَعُفَ صَوت العَقل، وَغَاب الاعتدال؛ بل اتُهِم.
فقد غَاب الصَّوت العَاقِل في «الدِّيمقراطي الثوري»: عبد القادر سعيد أحمد طاهر، وعبد الحافظ قائد، وعبده سلام الدبعي، وعشرات؛ بل مئات وآلاف، وَتَسيَّدَ العُنف والإرهاب المدفوع والمدعوم مِنْ الرَّجعِيَّات العربية والاستعمار.
انزوى القائد العمالي مُتَخفيًا، وَعَادَ إلى منطقته، وَانصَبَّ نَشاطُهُ على الخدمة العَامَّة، والعمل في التعاونيات، وَحَلّ قضايا أبناء منطقته؛ وَعَندمَا تَعرَّضَ للأمراض الخطيرة لم يجد العون إلا من بعض الأقرباء، وَلم يحصل على مردود الدَّرجَة الوظيفية بعد الوحدة.
وقد اضُطرَّ إلى شراء سنوات الخدمة؛ لِيَحصلَ على راتب التَّقاعُد، وَمَات في صَمت وَتَجاهُل كثمن لكفاح وطني ومدني سلمي امتدَّ لأكثرَ من ثلثي قرن..
فَرِحمَ الله فَقيدَ العُمَّال والحركة الوطنية الدِّيمقراطية عبده سلام عبده سيف؛ وَلَهُ العَظَمَة وَالخُلود.