كيف أضاع غياب التشريعات حقوق الملكية الفكرية في اليمن؟

لا تحظى حقوق الملكية الفكرية باهتمام واسع في اليمن، رغم تصاعد الانتهاكات التي تطالها، سواء في المجال الثقافي أو الإعلامي أو الفني. فبين الحين والآخر تتكرر وقائع السطو على أعمال صحفيين وكتّاب وفنانين، في ظل غياب منظومة قانونية فعّالة تكفل حماية هذه الحقوق وإنصاف أصحابها.
ومن أحدث هذه الوقائع، ما حدث في الأول من أغسطس الماضي، عندما أعلنت وكالة نوميديا للإنتاج الإعلامي أنها فوجئت بإعلان صادر عن منظمة محلية تدّعي تنظيم "مهرجان اليمن للدراما" في مدينة تعز، وهو ما اعتبرته الوكالة اعتداءً مباشراً على حقوقها الفكرية والتنظيمية.
وأكدت الوكالة أن المهرجان فكرة أصلية ومسجلة باسم مديرها العام نجيب الكمالي، وقد أُعلن عنها رسمياً في يوليو الماضي، ووُثقت بشهادة إيداع للحق الفكري صادرة عن مكتب الثقافة بمحافظة تعز.
ورغم أن الكمالي لم يلجأ إلى القضاء، فإنه تمكن من وقف ما وصفه بالاعتداء على الفكرة من خلال تحذير نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويقول لـ"النداء": «كنا مستمرين في التحضير للمهرجان بشكل طبيعي، والجهة التي حاولت الاعتداء على الفكرة تراجعت وتوقفت».

ولا تمثل هذه الواقعة سوى نموذج واحد من عشرات الانتهاكات التي تطال حقوق الملكية الفكرية في اليمن. ومن أبرزها النزاع الذي خاضه الفنان أيوب طارش بعد تعرض حقوقه الفكرية والأدبية والمالية لانتهاكات متكررة من قبل شركتي جراند تكنولوجي و13 يونيو للإنتاج الفني، اللتين ادعتا امتلاك حقوق الطبع والنشر الخاصة بأعماله.
ودفع ذلك الفنان الكبير إلى اللجوء للقضاء، الذي أصدر حكماً بوقف انتهاك حقوقه، ومنع الشركتين من استغلال أعماله، وإلزامهما بتسليم مستحقاته المالية.
بنود لم تُطبَّق
تُعرَّف حقوق الملكية الفكرية بأنها مجموعة من الحقوق القانونية التي تحمي الإبداعات الفكرية للأفراد والمؤسسات، وتشمل حقوق المؤلف الأدبية والمالية للمبدعين من كتّاب وفنانين وموسيقيين وصناع أفلام، إضافة إلى حقوق الملكية الصناعية، مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية والتصاميم الصناعية، التي تمنح أصحابها حق الاستغلال لفترات زمنية محددة.
وفي عام 1994 صدر القانون رقم (19) بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية في اليمن، بهدف حماية حقوق المؤلفين والمخترعين وأصحاب العلامات التجارية، وتشجيع الابتكار والإبداع الفني والعلمي وتعزيز المنافسة.
وأوكل القانون إلى وزارة الصناعة والتجارة مسؤولية تسجيل العلامات التجارية وبراءات الاختراع، كما منح الجهات المختصة بالثقافة والإعلام مسؤولية حماية المصنفات الأدبية والفنية لمدة تزيد على خمسين عاماً بعد وفاة مؤلفيها.
غير أن صحفيين وباحثين تحدثوا لـ"النداء" يرون أن معظم هذه النصوص لم تُفعَّل على أرض الواقع، فضلاً عن أن كثيراً من أحكام القانون باتت قديمة ولا تواكب التطورات، خصوصاً في البيئة الرقمية.
وفي عام 2014، أطلق الباحث نبيل الخضر، إلى جانب عدد من الناشطين والباحثين اليمنيين، مشروعاً لمناصرة إدماج مادة خاصة بحقوق الملكية الفكرية في الدستور اليمني، ضمن مبادرات دعم مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وبهدف تعزيز الوعي بهذه الحقوق وربط المبدعين بالمؤسسات المعنية.

ويقول الخضر لـ"النداء" إن فريق المشروع، الذي ضم عدداً من منظمات المجتمع المدني، نفذ سلسلة لقاءات وحوارات في عدد من المحافظات مع مبدعين ومنتجين ثقافيين وفنانين تشكيليين ومسؤولين حكوميين وأكاديميين، بهدف تجميع المطالب المتعلقة بالملكية الفكرية.
وأسفرت تلك اللقاءات عن إيصال مطالب نحو 300 مثقف إلى لجنة صياغة الدستور المنبثقة عن مؤتمر الحوار الوطني، كما تم تأسيس شبكة لحقوق الملكية الفكرية في اليمن.
لكن اندلاع الحرب حال دون إدراج المادة الخاصة بالملكية الفكرية في مشروع الدستور، كما تعثر تنفيذ بقية مخرجات المشروع. ويقول الخضر إن الحديث عن حقوق الملكية الفكرية في الظروف الراهنة أصبح، للأسف، نوعاً من الترف في ظل أولويات فرضتها الحرب.
انتهاكات مستمرة
تُعد الجمهورية اليمنية عضواً في المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، ويشارك ممثلوها بانتظام في اجتماعات المنظمة. وكان آخر تلك المشاركات قبل عامين، حين ترأس السفير علي مجور، مندوب اليمن الدائم لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، وفداً يمنياً إلى أحد اجتماعات المنظمة في سويسرا.
إلا أن هذه المشاركات، بحسب الصحفي مصطفى الشامي، لم تنعكس على واقع حماية الحقوق الفكرية داخل اليمن.

ويقول الشامي لـ"النداء" إن المشاركة في المؤتمرات الدولية لن تحقق نتائج ملموسة ما لم يصاحبها تطبيق فعلي للقوانين، وتفعيل المؤسسات المختصة، والتعاون مع منظمات المجتمع المدني لرصد الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها.
من جانبه، يرى الباحث القانوني عبدالعالم الفقيه أن أخطر أشكال الاعتداءات حالياً تتمثل في الانتهاكات الرقمية عبر شبكة الإنترنت، والتي تتزايد مع اتساع استخدام المنصات الرقمية في اليمن.

ويشير الفقيه إلى أن التشريعات اليمنية الحالية لا تتضمن نصوصاً كافية لحماية الحقوق الفكرية في البيئة الإلكترونية، الأمر الذي يجعل المبدعين أكثر عرضة للسطو على أعمالهم دون وجود وسائل قانونية فعالة لاسترداد حقوقهم.
ويؤكد أن الحاجة باتت ملحة لتحديث التشريعات الخاصة بالملكية الفكرية، بما يواكب التطورات الرقمية، ويوفر حماية قانونية حقيقية للمبدعين اليمنيين في مختلف المجالات.
