الصحفيون في اليمن من المعتقل إلى الجنازة

في يناير/كانون الثاني 2015، لم يكن اختطافي من أمام منزلي في صنعاء مجرد واقعة عابرة في سيرة صحفي، بل كان بداية مرحلة كاملة انهارت فيها فكرة الحماية من أساسها. كنت أول صحفي يُسجَّل اسمه في سلسلة الاختطافات التي دشنتها جماعة الحوثي، ومنذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء. لم يعد العمل الصحفي مجرد مهنة محفوفة بالمخاطر، بل أصبح حالة انكشاف كامل أمام العنف، بلا أي سقف يحميك أو جهة تستند إليها.
حين خرجت من ذلك المعتقل، لم تكن الحياة قد استعادت توازنها. كان كل شيء ما يزال مثقلًا بالارتباك والخوف، لكن أول ما أعاد إليّ شيئًا من المعنى كان صوت الزميل الراحل محمد العبسي، وهو يهنئني بنجاتي بفرح صادق، كأنه يحاول أن يثبت أن ما تبقى من الحياة يمكن التمسك به. بعدها اجتمعنا، أنا وهو والزميل محمد عيضة، على مائدة عشاء في شارع المطاعم بمنطقة التحرير في صنعاء. جلسنا ثلاثتنا في لحظة بدت عادية، لكنها في الحقيقة كانت أقرب إلى هدنة مؤقتة مع واقع يزداد قسوة كل يوم.
محمد عيضة كان حاضرًا بطريقة مختلفة. لم يكن مجرد زميل، بل كان مثالًا لصحفي يواصل العمل وسط تهديد دائم، دون أن يتوقف أو يخفف من حضوره المهني. كان يتنقل بين قناة “السعيدة” وقناة “الحرة”، قبل أن يلتحق مؤخرًا بقناة العربية والحدث، ويؤدي عمله وكأنه يرفض الاعتراف بأن الخطر صار قاعدة لا استثناء. كان يعرف جيدًا أن الأرض لم تعد آمنة، ومع ذلك ظل يتحرك فيها بثبات مقلق، كأن التوقف يعني الاستسلام لما هو أكبر من الجميع.
في ديسمبر/كانون الأول 2016، سقط كل شيء دفعة واحدة باغتيال محمد العبسي. لم يكن الخبر مجرد صدمة عابرة، بل لحظة انهيار داخلي حقيقية. وجدنا أنفسنا نحمل جثمانه على أكتافنا وندفنه في تراب صنعاء، وكأننا ندفن جزءًا من أنفسنا معه. منذ ذلك اليوم، لم تعد الحياة كما كانت، ولم يعد الشعور بالأمان حتى فكرة قابلة للتصديق.
لكن ما كان يثقل كل ذلك أكثر هو ما جرى مع محمد عيضة تحديدًا. كان يتلقى تهديدات واضحة، ويقوم بإبلاغ الجهات المعنية خطوة بخطوة، وبكل تفاصيل ما يتعرض له. وقبل استهدافه، أُبلغ رسميًا بأنه ضمن دائرة خطر مباشر. ومع ذلك، انتهى كل شيء عند حدود الإبلاغ: لا حماية، لا تحرك جدي، لا إجراءات وقائية، ولا حتى محاولة حقيقية لاحتواء الخطر. كان يُترك وحده في مواجهة مصيره، وكأن الأمر لا يستدعي أكثر من تسجيله على ورق.
والأقسى من ذلك أن هذا الواقع لم يكن استثناءً. ما جرى مع محمد عيضة كان يمكن أن يحدث لأي صحفي أو إعلامي، دون فرق. كل الصحفيين والإعلاميين في هذه المرحلة، الكل يعيشون تحت مستوى الخطر نفسه، بلا حماية حقيقية، وبلا مظلة مهنية أو رسمية توازي حجم ما يواجهونه. لم يكن الأمر متعلقًا بأشخاص بعينهم، بل ببيئة كاملة فقدت قدرتها على حماية من يعمل فيها.
حتى المؤسسات الإعلامية التي عملنا معها لم تكن بعيدة عن هذا المشهد. كانت تدرك تمامًا أن الصحفي اليمني بلا سند حقيقي، وبلا حماية فعلية على الأرض، ومع ذلك استمرت في التعامل معنا كأدوات قابلة للاستبدال. لم ينعكس هذا الإدراك في سياسات حماية أو دعم أو حتى تقليل مخاطر، بل بقي في حدود المعرفة الصامتة التي لا تغيّر شيئًا في الواقع، كأن الجميع يعرف، لكن لا أحد يتحرك.
اغتيال محمد عيضة لم يكن حادثة منفصلة، بل نتيجة لمسار طويل من الإهمال والتراكم. صحفي يُعرف بنشاطه المهني، ويُبلّغ عن تهديده، ويُحدَّد أنه مستهدف، ثم يُترك في العراء حتى النهاية. لم يكن هناك خلل واحد، بل سلسلة كاملة من الغياب: غياب الدولة، غياب النقابة، غياب الحماية، وغياب الحد الأدنى من المسؤولية المشتركة.
في النهاية، لم تكن القصة عن قاتل واحد فقط، بل عن منظومة كاملة تركت الصحفيين مكشوفين إلى هذا الحد. رحم الله من فقدناهم، وفي مقدمتهم محمد العبسي ومحمد عيضة، وكل من دفع حياته ثمنًا للحقيقة، وحفظ الله من لا يزالون يواصلون العمل في بيئة صارت أقرب إلى النجاة اليومية منها إلى ممارسة مهنة.
