بين مخدّر الفقر ومخدّر الثروة: كيف تُسرق الشعوب باسم الفضيلة؟
من أخطر ما يمكن أن تتعرض له أمة ليس الاحتلال العسكري ولا الحصار الاقتصادي، بل الاحتلال الفكري الذي يجعل الضحية تحب قيودها، وتدافع عن أسباب بؤسها، وتعتبر المطالبة بحقوقها نوعًا من التمرد على القدر.
على امتداد التاريخ، استخدمت السلطات الفاشلة والنخب المستفيدة عشرات الشعارات لتدجين الشعوب. بعضها سياسي، وبعضها ديني، وبعضها اجتماعي. لكن أخطرها جميعًا ذلك الخطاب الذي يحوّل الفقر إلى فضيلة مطلقة، والعجز إلى حكمة، والبطالة إلى زهد، والاستسلام إلى رضا.
فيُقال للفقير:
اصبر، فالفقر ليس عيبًا.
ويُقال للمحتاج:
القناعة كنز لا يفنى.
ويُقال للمحروم:
الأغنياء أشرار، وأنت أفضل منهم لأنك فقير.
ثم ينام الجميع مطمئنين، إلا الفقير الذي يواصل دفع الفاتورة.
القرآن الكريم لم يمجّد الفقر قط، بل اعتبر التمكين الاقتصادي نعمة تستوجب الشكر والعمل:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15].
ولم يأمر الناس بانتظار المعجزات، بل بالعمل والسعي:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].
والنبي ﷺ لم يقل إن الفقر هدف، بل كان يستعيذ منه قائلاً:
«اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر» (حديث حسن).
وقال أيضًا:
«اليد العليا خير من اليد السفلى» (متفق عليه).
وقال:
«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (رواه مسلم).
والسؤال الذي يتجاهله تجار الشعارات:
كيف سيتصدق الفقير وهو لا يجد قوت يومه؟
وكيف سيبني مدرسة أو مستشفى أو مشروعًا أو جيشًا أو دولة؟
لقد كان كبار الصحابة من أهل المال والإنتاج.
عثمان بن عفان جهز جيش العسرة.
وعبد الرحمن بن عوف كان من كبار التجار.
والزبير بن العوام امتلك الأراضي والعقارات.
وطلحة بن عبيد الله كان من أثرياء المدينة.
لم يكن المال عيبًا عندهم، بل كان وسيلة لخدمة المجتمع.
المفارقة الكوميدية أن بعض من يهاجمون الأغنياء صباحًا، يحلمون أن يصبحوا أغنياء مساءً.
يشتمون المال في الخطب، ثم يركضون خلفه في الكواليس.
يحاضرون عن الزهد من فنادق فاخرة.
ويتحدثون عن القناعة عبر هواتف باهظة الثمن.
إنها نسخة فكرية من القات والحشيش والكحول؛ ليست مواد مخدرة للجسد، بل مخدرات للعقل. الفرق أن تأثيرها أطول، وأضرارها أعمق، لأنها تجعل الإنسان يتصالح مع الظلم بدل مقاومته.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن الخطر لا يأتي فقط من تمجيد الفقر، بل أيضًا من عبادة المال.
فكما يوجد من يخدّر الناس بالقناعة الزائفة، يوجد من يخدّرهم بوهم الثراء السريع والفساد والنهب والاحتكار.
الإسلام يرفض الطرفين معًا:
لا فقر يُذل الإنسان،
ولا ثراء يُفسده.
المعادلة القرآنية واضحة:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
إن الأمة التي تكتفي بتمجيد الفقر ستبقى مستهلكة وضعيفة.
والأمة التي تنتج وتتعلم وتستثمر وتعمل وتطالب بحقوقها ستصبح شريكًا في صناعة المستقبل.
فالكرامة لا تُؤكل.
والشعارات لا تبني اقتصادًا.
والخطب لا تصنع وظائف.
والفقر ليس قدرًا مقدسًا، بل مشكلة يجب علاجها.
وعندما يبدأ الفقير بالسؤال:
أين ثروات بلدي؟
وأين الخدمات؟
وأين فرص العمل؟
وأين العدالة؟
عندها فقط يبدأ الخوف الحقيقي لدى المستفيدين من بقائه فقيرًا.
لأن الإنسان الجائع قد يصبر،
أما الإنسان الواعي فلا يمكن خداعه طويلًا.
